منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكملات المقاصد وضوابطها

مكملات المقاصد وضوابطها/سهام مهدي

0

مكملات المقاصد وضوابطها

بقلم: سهام مهدي

يقوم علم المقاصد بدور مهم في الاجتهاد، ويحفظ  مصالح العباد التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وتتصل بهذه المقاصد مكملات يطلق عليها مكملات مقاصد الشريعة، ويعد الإمام الغزالي أول من أضاف هذه المكملات إلى علم المقاصد، فما هي هذه المكملات؟ وما هي ضوابطها وشروطها؟

أولا: مفهوم مكملات المقاصد

 مكملات المقاصد: هي جملة الأحكام التي تجعل المصالح الضرورية والحاجية التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها[1].

وتنقسم هذه المكملات إلى ثلاثة أقسام: مكملات المقاصد الضرورية، مكملات المقاصد الحاجية،مكملات المقاصد التحسينية.

ويقصد بمكملات المقاصد الضرورية:

– المصالح الحاجية ومكملاتها.

– المصالح التحسينية ومكملاتها؛ لأن المصالح التحسينية مكملة للحاجية، والحاجية مكملة للمصالح الضرورية؛ فتكون التحسينية مكملة للضرورية؛ لأن المكمل للمكمل مكمل.

ومن أمثلتها:

-إظهار شعائر الدين وسننه ومستحباته ومظاهره والمختلفة تتميمًا لحفظ الدِّين، وإكمالًا لظهوره وتمكينه في النفوس والواقع.

– تحريم البدعة، لما في وجودها وبقائها من ضياع الدين وتبديله وتنقيصه؛ لذلك مُنعت وحرِّمت؛ تحقيقًا للتدين الكامل والعبادة التامة الخالصة، الخالية من شوائب الزيادات والنواقص.

– معاقبة الداعي إلى البدع؛ لأنه يدعو إلى الكفر المفوت لحفظ الدين[2].

مكملات المقاصد الحاجية: وهي الأحكام التي تجعل المصلحة الحاجية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها، ويقصد بها:المصالح التحسينية ومكملاتها.

ومن أمثلتها:

-الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض مشروع لتكملة الحاجة إلى التوسعة والتخفيف؛ فلو لم يشرع لم يُخَل بأصل التوسعة وذلك التخفيف.

– مراعاة الكفء ومهر المثل في الصغيرة؛ فإن مقصود النكاح يحصل بدونها، لكن اشتراط ذلك على سبيل تكميل النكاح من حيث تحقيق دوامة واستمراره، وتحصيل السكن والمودة والرحمة بين الزوجين.

 مكملات المقاصد التحسينية

وهي الأحكام التي تجعل المصلحة التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها.

ومن أمثلتها:

-التحلي بآداب قضاء الحاجة أو التخلي، ومندوبات الطهارة، كالبدء باليمين قبل الشمل، والتثليث في الغسل، وغير ذلك مما هو مشروع لتكميل المصالح الحسينية المتعلقة بأصل الطهارة.

– الإنفاق من طيبات المكاسب[3].

ثانيا: ضوابط  وشروط مكملات المقاصد

تؤدي هذه المكملات دورا مهما في تتمة وإكمال المقاصد على أحسن وجه، إلا أنه يشترط لهذه المكملات ضوابط وشروط، قال الشاطبي رحمه الله تعالى:”كلُّ تَكْمِلَةٍ فَلَهَا- مِنْ حَيْثُ هِيَ تَكْمِلَةٌ- شَرْطٌ، وَهُوَ: أَنْ لَا يَعُودَ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَكْمِلَةٍ يُفْضِي اعْتِبَارُهَا إِلَى رَفْضِ أَصْلِهَا، فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا عِنْدَ ذَلِكَ، لِوَجْهَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِبْطَالِ الْأَصْلِ إِبْطَالَ التَّكْمِلَةِ، لِأَنَّ التَّكْمِلَةَ مَعَ مَا كَمَّلَتْهُ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، فَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ يُؤَدِّي إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَوْصُوفِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ الصِّفَةِ أَيْضًا، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ التَّكْمِلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُؤَدٍّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ، لَمْ تُعْتَبَرِ التَّكْمِلَةُ، وَاعْتُبِرَ الْأَصْلُ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ.

وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا تَقْدِيرًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ التَّكْمِيلِيَّةَ تَحْصُلُ مَعَ فَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكَانَ حُصُولُ الْأَصْلِيَّةِ أَوْلَى لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حِفْظَ الْمُهْجَةِ مُهِمٌّ كُلِّيٌّ، وَحِفْظُ الْمُرُوءَاتِ مُسْتَحْسَنٌ، فَحَرُمَتِ النَّجَاسَاتُ حِفْظًا لِلْمُرُوءَاتِ، وَإِجْرَاءً لِأَهْلِهَا عَلَى مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، فَإِنْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ بِتَنَاوُلِ النَّجِسِ، كَانَ تَنَاوُلُهُ أَوْلَى.

وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْبَيْعِ ضَرُورِيٌّ، وَمَنْعُ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مُكَمِّلٌ، فَلَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْغَرَرِ جُمْلَةً لَانْحَسَمَ بَابُ الْبَيْعِ، وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية،واشترط حُضُورِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلَاتِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ، مُنِعَ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ إِلَّا فِي السَّلَمِ، وَذَلِكَ فِي الْإِجَارَاتِ مُمْتَنِعٌ، فَاشْتِرَاطُ وُجُودِ الْمَنَافِعِ فِيهَا وَحُضُورِهَا يَسُدُّ بَابَ الْمُعَامَلَةِ بِهَا، وَالْإِجَارَةُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، فَجَازَتْ وَإِنْ لَمْ يُحْضَرِ الْعِوَضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ لِلْمُبَاضَعَةِ وَالْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهِمَا.

وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِجَوَازِهِ، قَالَ مَالِكٌ: “لَوْ تُرِكَ ذَلِكَ كان ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْجِهَادُ ضَرُورِيٌّ، وَالْوَالِي فِيهِ ضَرُورِيٌّ، وَالْعَدَالَةُ فِيهِ مُكَمِّلَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُكَمِّلُ إِذَا عَادَ لِلْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ، لَمْ يُعْتَبَرْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وكذلك مَا جَاءَ مِنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْوُلَاةِ السوء فإن في ترك ذلك تَرْكَ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْمَطْلُوبَةِ، وَالْعَدَالَةُ مُكَمِّلَةٌ لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِالتَّكْمِلَةِ.

وَمِنْهُ إِتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ مُكَمِّلٌ لِضَرُورَاتِهَا، فَإِذَا أَدَّى طَلَبُهُ إِلَى أَنْ لَا تُصلَّى -كَالْمَرِيضِ غَيْرِ الْقَادِرِ-، سَقَطَ الْمُكَمِّلُ، أَوْ كَانَ فِي إِتْمَامِهَا حَرَجٌ ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عَمَّنْ لَمْ يُكْمِلْ، وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا أَوْسَعَتْهُ الرُّخْصَةُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ بَابِ مَحَاسِنِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ طُلِبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَتَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا على من لَمْ يَجِدْ سَاتِرًا، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الشَّرِيعَةِ تَفُوقُ الْحَصْرَ، كُلُّهَا جَارٍ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ[4].

ويمكن إجمال هذه الضوابط فيما يلي:

-لا تستقل بنفسها بل هي منظمة إلى المقاصد الشرعية.

– إذا فقدت أدت إلى اختلال مقاصد الشريعة مع بقاء هذه المقاصد.

– إذا وجدت أدت إلى قوة المقاصد الأساسية وثباتها وبقائها.

وهكذا فإن للمكملات دور مهم في حفظ وتتمة المقاصد الشرعية، فهي تساهم في حصول المقصود الأساس في أتم صوره وأحسن حالاته، وتحميه من النقص أو الإخلال، وتجلب مصالح و تدرء مفاسد أخرى.

والحمد لله رب العالمين.


[1] علم المقاصد الشرعية،المؤلف: نور الدين بن مختار الخادمي، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة: الأولى ١٤٢١هـ- ٢٠٠١م، ص94.

[2] المرجع نفسه،ص95.

[3]  المرجع السابق، ص: 95.

[4] الموافقات،المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ)، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان،تقديم: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار ابن عفان،الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ – ١٩٩٧ م،ص28-30.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.