منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إشارات (قصة قصيرة)

إشارات (قصة قصيرة)/ فيحاء نابلسي

0

إشارات (قصة قصيرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

” غذاء العقل أم غذاء الجسد؟”
تأرجح السؤال في بالي وأنا أتأمّلُ ألوان أغلفة الكتب وعناوينها في واجهة المكتبة، ثمّ أحوّلُ نظري إلى إلى عربات وبسطات الخضار والفواكه التي تملأ الأرصفة. تذكّرتُ تعليق إحدى صديقاتي ذات مرّة:
” ما معنى وجود مكتبة في سوق للخضار ؟”
أجبتها ضاحكة:” يا عزيزتي، كلّهُ غذاء!”
راجعت في ذاكرتي لائحة المشتريات التي انتويتُ شراءها وحذفت منها شيئين قبل أن ألج المكتبة وأنا أوازن بين ما تبقى معي من نقود وما أريد شراؤه.
استقبلني صاحبُ المكتبة بحفاوة بالغة بصفتي زبونة دسمة لا تخرج بحمل خفيف.
في الحقيقة، لم يكن الأستاذ أسعد مجرد بائع كتب عادي يناول الزبون مايريد ويحاسبه وانتهى الأمر. أبداً! كان صاحب مكتبة بحق، لا يعطيك الكتاب قبل أن يُعرّفك على محتواه ويوضح لك قيمته.
كنت مرّة على وشك اقتناء رواية شهيرة ذاع صيتها وغمرت مقتطفات منها صفحات العالم الأزرق، لكنه أوضح لي:
” لا تتبعي الرائج يا أنسة، اسمعي نصيحتي.”
” لقد صدر منها الطبعة التاسعة!”
” حتى لو صدرت الطبعة المائة, صدقيني إنها لا تساوي قيمة الورق الذي طبعت علي.”
” حقّاً!”
سألته مرّة عن رواية سمعت بصدورها في الخارج، فأسرّ لي:
” لا تبحثي عنها, لن تجديها في أيّ مكان هنا, لا أحد يجرؤ على إدخالها إلى البلد.”
لكنه أضاف هامساً:” سأتدبرها لك قريبا، أعدكُ.”
كالعادة، اقترح علي الأستاذ أسعد عدّة روايات، لكنّي أخذت واحدة وتردّدتُ في الأخرى متعلّلة بعدم توفر ثمنها معي الأن, لكنّه لم يمهلني, وضع الروايتين في كيس وناولني إياه قائلاً:
” هاتي مامعك، والباقي على راحتك. ”
مددّتُ يدي بالنقود وأنا أعتذر:” ها ! سيبقى لك عليّ خمسة آلاف، أحضرها لك غداً صباحاً بإذن الله.”
” إذا وجدتني تعطيني إياها، وإذا لم تجديني، اتركيها معك, أخذها منك هناك.
” هناك أين؟”
” في العالم الآخر.”
” آه! بعد عمرٍ طويل.”
” طويل او قصير كلّه عمر!”
فاجأني كلامه وهو شابٌ ينضح عافية وفتوّة، ربمّا يعاني من ضغوط الحياة، من منا يعيشُ خاليا من الهمّ، قلت لنفسي وأنا أهمّ بمغادرة المكتبة عندما استوقفني رؤية عجوز طاعنة في السنّ تدخل المكتبة على مهل وتتلفّتُ حولها. لفت نظري ضآلة جسدها وشدّة نحولها، بدت كدمية عتيقة خرجت من صندوقٍ أثري.
سألها ألأستاذ أسعد: ” هل تريدين شيئاً يا خالة؟”
أجابت بصوتٍ واهن:” لا، وجدتُ نفسي قريبة من مكتبتكم فقلت لنفسي أمرّ عليكم لأعزيكم.”
” تعزينا بمن؟”
” صاحب هذه المكتبة, سمعتُ أنه توفي البارحة.”
” هههه، أنا صاحبُ المكتبة يا خالة, وأنا أتحدث إليك الآن.”
نظرت العجوز إلى الأستاذ أسعد بذهول, حدّقت في وجهه لبرهة ثمّ أدارت ظهرها وخطت باتجاه الباب, لكنها توقّفت مرّة أخرى واستدارت نحوه وأخذت تضرب كفاً بكف وتقول:” يا خسارة شبابه ! الله يعين أهله ويصبرهم .”
بدا على الأستاذ أسعد وكأنه تنغّص من كلامها فقلتُ له:
” تبدو عجوزاً تائهة،ربما اختلطت عليها الأمور، ربما كانت تقصدُ والدك وتشابه الأمر عليها .”
” لاحت على وجهه مسحة كدَرٍ مشوب بالذهول، لكنه استعاد اتزانه وتبسّم قائلاً:
” وربما تكون قد أخطأت المكان، أو لعلّ الزهايمر أرهقها فلم تتبيّن وجهتها.”
حملتُ روايتي واشتريت ما أريد من الفاكهة ثمّ توجهت إلى البيت. لم تبرح صورة العجوز مخيلتي طوال الطريق, وسؤال صادمٌ يتردّدُ في بالي” كيف أمكن لعجوز بهذا الوهن أن تخرج من بيتها لوحدها وتتجوّل في الأسواق؟”
ولكنّ العالم لا يخلو من الغرائب!
حال استيقاظي في الصباح التالي كانت الآلاف الخمسة التي تبقت للأستاذ أسعد في ذمتي هي كلّ ما يشغل تفكيري. الأمانة لم تحملها الجبال والدنيا فيها موتٌ وحياة.
انهيتُ التزاماتي على عجل ثمّ توجهتُ إلى المكتبة لأؤدّي ماعليّ، لم يكن الطريق طويلاً.
” يبدو أنّني بكرتُ في المجيء!” قلت لنفسي حالما رأيتُ باب المكتبة مفلقاً
” هل يتأخر الأستاذ أسعد في العادة لفتح مكتبته ؟” سألتُ الرجل الواقف على باب المحل المجاور.
هزّ الرجل رأسه بأسى وأشار إلى ورقة ملصقة على باب المكتبة.
كانت ورقة نعوة، واضح أنها ألصقت قبل قليل. قرأتها على عجل، يا إلهي
الأستاذ أسعد، عن عمر يناهزُ تسعة وأربعين، تاريخ الوفاة البارحة !
التفتُّ إلى الرجل مصدومة:” كيف ومتى ؟ لم يكن به بأسٌ البارحة!”
” إي والله يا آنسة، ما كان فيه علّة، من قلب العافية، كان قاعداً بين أهله وأولاده، جلطة! لم يصل إلى المشفى! سبحان الله! أعمار وآجال!”
تذكّرتُ العجوز التسعينيّة وسرت في أوصالي قشعريرة باردة،
” يا إلهي! هل كانت حقيقة أم خيال!” لكنّ صوتها ما زال يتردّدُ في أذنيّ.
تحسّستُ الألاف الخمسة في جيبي وشدّدتُ يدي عليها .
” ترى كم من الوقت تبقى لدي لأردّ الأمانة؟”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.