وترجل فارس الإعجاز “الجزء الثاني” الشيخ عبد المجيد الزنداني رحمة الله عليه
الأستاذ عثمان غفاري
وترجل فارس الإعجاز “الجزء الثاني”
الشيخ عبد المجيد الزنداني رحمة الله عليه
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
رحم الله الشيخ عبد المجيد الزنداني رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، فقد توفى وأفضى إلى ربه، تاركاً فعلاً وذكراً حسناً شمل جميع جوانب حياته، وقد تطرقنا في الجزء الأول من هذا المقال عن بعض من جهاده واجتهاده، فقلنا إنه كان رجل الدعوة بامتياز، ومثالا للضبط والإنجاز، وفارس الإعجاز، واليوم نواصل الحديث عن بعض صفاته وسماته، ونسلط الضوء على بعض معالم مسيرته الدعوية، فقصةُ حياة الرجل رحمه الله تعالى بإنجازاتها وإخفاقاتها، بإيجابياتها وسلبياتها، تحتاج أنهرًا من حبر الإنصاف، لتُسطر صفحات الاعتراف بفضل الرجل في مجالي الدعوة إلى الله، دون تحجير على أحد في حقه في الاتفاق أو الاختلاف مع اجتهادات الرجل ومبادراته، فهو بشر يصيب ويخطأ رحمة الله عليه.
الشيخ الزنداني رجل التوحيد والوحدة
كان الشيخ الزنداني رحمه الله تعالى في مجال الدعوة العالم الرباني البارز، والمنافح عن حياض التوحيد المبارز، والأكاديمي الضليع في العديد من علوم الدين والدنيا، عُرف بشجاعته النادرة، وشخصيته الملهمة، فكان أحد المتصدين للعلمانيين والملحدين بلغة العلم والإقناع بالتي هي أحسن، فبزهم في الميدان حتى صار يشار إليه بالبنان، فقد خبر الرجل أسرار الحياة، ولامست روحه المعاني العميقة الدقيقة، وامتلأ كيانه بالحق والحقيقة؛ فطار يُبشِّر العالمين بها، لا شيء يصدّه عن الجهر بالصدق، والذود برفق عن الدين الحق، فألف وحاضر، وحاور وناضر لترسيخ معاني الإيمان والتوحيد في القلوب والعقول.
أما في السياسة فكان السياسي المحنك، والمناضل الملهم، فهو أحد بناة صرح الوحدة اليمنية، المسهمين في جمع أعداء الأمس في حوار راق رأب صدع الخلافات، ورص الصفوف بعد الانقسامات، فكانت بحق وحدة طيبة رياحها لواقح للأرض المباركة، أنهت القطيعة مع الأحكام المسبقة، حيث جلس قادة اليمن من كل الأطياف على طاولة حوار واحدة، لبناء مستقبل واعد.
سعي للتوحيد والوحدة لم يبقى حبيس اليمن ، بل شمل كل أقطار الأمة فما من قضية من قضايا الأمة، تستوجب تجسير الهوة بين المختلفين، أو نصرة للمستضعفين إلا وكان للشيخ رحمه الله تعالى فيها اهتمام وتهمم وفتاوى ، فكان له في الجهاد الأفغاني جولات وصولات، فحشد له الجهود، وجمع له النقود، بل وسافر إلى هنالك والتقى بالشيخ الشهيد العالم المجاهد عبد الله عزام، أما جهوده لنصرة أرض المقدس فبارزة مشهودة غير معدودة، وجهاده في سبيلها معلوم ومعروف، وحرصه على حضور فعاليات التضامن والمساندة في تركيا من وقفات ومسيرات، رغم مرضه ووضعه الصحي الحرج لأكبر دليل.
الشيخ الزنداني رجل الحقائق والرقائق
إلى جوار ما سبق ذكره من خصال الرجل الكثيرة التي يصعب الإحاطة بها، ناهيك عن التحلي بها، نجده كان رجل الحقائق والدقائق الذي نهل من منابع الإيمان، وحقائق الإحسان، في بلد الحكمة والإيمان، فصار ربانيا حاملا لطباع العارفين، فكان له نصيب من دأب الصالحين، وحظ من ورد الواصلين، وروح تواقة لمجالسة الصالحين، والتشرب من معين العلماء العاملين، فبتلك التربية الربانية صار المرحوم الزنداني نموذجًا للشخصية المتوازنة الجامعة بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية، تجاوز عن ظلم الحاقدين حين تعرض للظلم والاتهامات الباطلة، فعاملهم بالعدل والإحسان، والعفو والغفران، وبادرهم بتشييد صرح جامعة الإيمان التي خرجت حاملي المنهج المعتدل والفهم الوسطي والنور الهادي للأمة، ولو لم يكن للزنداني من مناقب سوى هذه الجامعة لكفاه بذلك عملا يلقى الله به؛ فهو صدقة جارية إلى يوم الدين.
الشيخ الزنداني شخصية مثيرة للجدل
من الرموز الفارقة في مسيرة الرجل أنه كان شخصية مثيرة للجدل. وليس في ذلك ما يخصم من مجده؛ وهكذا ظل الشيخ الزنداني محط جدل كبير في كثير من القضايا، التي كان يتصدرها سياسيا وفكريا وثقافيا واقتصاديا أيضا، فالرجل لم يدع قضية إلا وكان له فيها رأيه الخاص، لم يكن آخرها إعادة حديثه عن فتوى الخُمس والتي تمثل إشكالية كبيرة في الواقع السياسي والثقافي اليمني، وكذا مآخذه على دستور دولة الوحدة، الذي كان يرى أنه ينحو منحىً علمانياً. وكان من أكثر فتاويه إثارة فتوى زواج فريند، التي كانت تهدف لتخفيف تكاليف نفقة الزواج على الشباب في الغرب تحديدا، وأيضا خرجاته المصرحة بإيجاده علاجا لداء فقدان المناعة المكتسبة، وكذا قضية عذاب القبر…وغيرها كثير، لكنه يظل مع ذلك ثروة عامة، مدونة تاريخية، متروكة للزمان؛ كي يقول كلمته النهائية عنها.
رحم الله الشيخ الزنداني، وعزاؤنا لأهله وذويه، ولطلابه ومحبيه في شرق العالم الإسلامي وغربه.