قلوبٌ مرهفة (قصّة قصيرة)
بقلم: فيحاء نابلسي
أعادت السيّدة حنان فنجانها إلى الطاولة بحركة نزقة وبدا وكأنها على وشك أن تمُجّ القهوة التي ارتشفتها للتو إلا أنها ابتلعتها على مضضٍ وقالت:
” لم يعدْ قلبي يتحمّل! عليك أن تجد لي حلّاً.”
” وهل تظنينني متحجّر القلب بلا ضميرٍ ولا إحساس؟ إنّ همَّ هؤلاء الناس يجلس معي على مائدتي، ينام معي على وسداتي، لا أتوقّفُ عن التفكير بهم في أيّ وقت. اطمأني، لن أدعَ الأمرَ يطولُ أكثر من ذلك.”
تابعت السيّدة حنان احتساء قهوتها الصباحية بصمت، مُطلقة بصرها ليلامس قمم أشجار الصنوبر المطلّة على شرفتها.
قبل سنة من الآن، كانت قهوة الصباح هي الوقت الأثير من النهار لديها، هنا في هذا البيت الذي خصصته البلديّة للسيّد رئيف وعائلته بعد تولّيه إدارة الناحية، ومن هذه الشرفة المطلّة على غابة الصنوبر ، كانت تبدأ يومها بجلسة هادئة مع زوجها الذي كان يردّدُ دائما
” البدايات تحدّد المسارت، اليوم السعيد هو اليوم الذي يبدأ بداية سعيدة.”
ولهذا السبب كانت السيّدة حنان تولي اهتماماً كبيراً لهذه الفسحة الصباحيّة، وتبذل كلّ جهدها لتجعلها أكثر ألقاً كلّ يوم.
ثوبٌ زاهٍ، حديثٌ ماتع، حلوى شهيّة، أيّ إضافة تجعل قهوة الصباح بداية مميّزة لنهارٍ جديد.
ولكن حدثَ فجأة ما أفسد على السيّدة حنان لحظاتها الأثيرة ونغّصَ عليها ألق صباحاتها.
ففي بقعة في مرمى بصرها وفي قلب الغابة المطلّة على بيتها نُصِبَت عدّة خيامٍ على عجل وفي ليلة وضحها امتلأ المكان صخبا من أناس بدوا وكأنهم هبطوا فجأة من الفضاء.
في الصباح التالي، أوضح زوجها لها أنّ هؤلاء الناس فقدوا مساكنهم على أثر انهيار بناء مُخالف، فأصبحوا بلا مأوى، وقد تبرّعت لهم بعض الجمعيّات الانسانيّة بخيام وبعض لوازم المعيشة ريثما تتكفّلُ البلديّة بإيجاد حلٍ لمشكلتهم.
لم يكن الخير عاديّا بالنسبة للسيّدة حنان، لقد تأثّرت تأثراً بالغاً لدرجة أنها أمضت ذلك النهار بطوله ساهمة تتفكّرُ في أحوال هذه الدنيا المتقلبة وكيف يمكن لأيّ انسان أن يفقد في لحظة كلّ شيء ليصبح في العراء تحت رحمة الأقدار. شعرت للحظة أنّ قلبها يوشكُ أن ينفطر وهي تراقب وجوه النساء والأطفال وتلك النظرة الكسيرة في عيونهم وملامح الخيبة وقلّة الحيلة على وجوه الرجال، كان مشهداً يدمي الفؤاد لدرجة أنها هاتفت زوجها قبل عودته إلى البيت وطلبت منه أن يحضر معه شيئاً لأنّ مزاجها في حالة سيئةٍ للغاية لا تمكنها من الوقوف في المطبخ لتحضير الغداء.
في الأيام القادمة لم يبق الأمر مقتصراً على الصباح، فقد أصبحت السيّدة حنان منشغلة بما يجري في الجوار أمامها ليلاً ونهاراً وأصبحت أحاديثها كلّها تدور حول هؤلاء المساكين، ما يأكلون وما يشربون وكيف يمضون أوقاتهم.
ولطالما وضعت ملعقتها جانباً أثناء الغداء وبدأت بسرد مارأته ذلك اليوم :
” هل تصدّق يا رئيف ! رأيتهم يطبخون في صفيحة معدنيّة على الحطب! تلك الصفيحة التي كانوا يغسلون فيها ملابسهم البارحة ! يا إلهي ! مالذي سيحلّ بهؤلاء الأطفال الأبرياء؟ أيّ أمراضٍ ستصيب أجسادهم الضعيفة؟”
” يا للمساكين!” غالباً ماكان السيّد رئيف يعلق وهو يمضغ طعامه ويهزّ رأسه بأسى.
في ليلة باردة وماطرة، أمضت السيّدة حنان ليلتها تفكّرُ في جيرانها سكان الخيام، هل ستتسرّبُ مياه الأمطار من الخيام ؟ هل ستبتلّ فرُشهم وأغطيتهم ويصابون بالزكام؟ لماذا يدعُ الله بعضاً من عباده يقاسون شظف العيش ويواجهون المتاعب؟ إنّه لشيء مؤلم حقاً!. شدّت لحافها الوثير فوق رأسها وأجهشت بالبكاء.
في يومٍ آخر أصابَها صداع فظيع جعل رأسها على وشك الإنفجار، عندما كان أحد أطفال أؤلئك المساكين يبكي بكاءً مؤلماً بلا توقف لساعات، كان يبدو مريضاً لدرجة لم تفلح هنهنات أمه في اسكاته وتخفيف ألمه، صوت الطفل أصاب السيدة بالتوتر، لم تستطع أن تستقر في جلسة أو تنجز عملاً، وكانت ترددُ في نفسها: “يا إلهي ! ماهذه الأمّ العديمة الرحمة ؟ لم لا تحمل وليدها وتجري به على طبيب يعالجه ويداويه؟”
عندما اشتدّ صراخ الطفل، أمسكت السيّدة حنان بجهاز التحكم وأطفأت التلفاز بحركة عصبيّة، نظر إليها زوجها مصدوماً، حيث أنه كان يتابع باهتمامٍ بالغ عواجل حمراء على شاشة قناة إخبارية ، وصاح بها متعجّباً:
” مابكِ ؟ ماذا أصابك؟”
” ألا تسمع؟”
” ماذا هناك، لا أسمع شيئاً!”
” اسمعني أنا إذا! أنا لستُ سعيدة يا رئيف! انظر ! نحن نعيش في بيت كبير ونظيف، لدينا كلّ شيء، كلّ شيء نريده، صحيح؟ لا ينقصنا شيء! ولكني لم أعد أهنأ بأي شيء! نحن بشر! بشر من لحمٍ ودمّ ومشاعر، لا يمكننا أن نعيش سعداء بينما هناك بشر مثلنا يقاسون شظف الحياة أمامنا وعلى مرأى ومسمع منا!”
أطرق رئيف رأسه للحظة وقال متنهّداً:
” أعرف أنك مرهفة الاحساس رقيقة القلب، لقد تحمّلت بما فيه الكفاية، غداً صباحاً ستذهبين لزيارة أهلك في المدينة، ستبقين عندهم يومين، وعندما تعودين ستجدين كلّ شيء كما تحبين، أعدك!.”
هدأت السيّدة حنان ووقفت تتأمل عبر النفذة بعدما سكت صراخ الطفل وساد المكان السكون.
لم يُخيب السيّد رئيف رجاء زوجته، فينما كانت هي على متن الحافلة المتوجّهة إلى المدينة، كان وقفاً بين أشجار الصنوبر يُشرف بنفسه على عمال البلديّة وهم يقوضون الخيام، كان قد اجتهد لأيام عدّة في استصدار أمر إزالة من الحكومة لهذا الموقع المخالف، وترحيل سكانه إلى جهة أخرى من الناحية ريثما تقوم البلدية بإيجاد حل لمشكلتهم..
في صباح اليوم التالي كان الزوجان السعيدان يصطبحان على شرفة بيتهما المطل على غابة الصنوبر، يحتسيان القهوة بهناء، لا يصلُ إلى سمعهما سوى زقزقة العصافير وحفيف أوراق الشجر. لا يكدّرُ سمعهما ولا بصرهما شيء، كلّ شيء بدا على مايرام من أجل أن يحظيا ببداية نهار سعيدٍ وهانئ.