منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بذرة (قصة قصيرة)

 بذرة (قصة قصيرة)/ رشيد الفائز

0

 بذرة (قصة قصيرة)

بقلم: رشيد الفائز

مباشرة بعد انتهاء الدرس الذي ألقاه الشيخ على مريديه، استجمع العالم الجليل قواه ونهض قائلا:”كلماتنا دمى لا تسري فيها الحياة إلا بأفعالنا “. هيا يا معشر الشباب، فليقم كل واحد بما كلف به من عمل!

كان الشاب كمال ضمن المجموعة التي أخذت على عاتقها زيارة أطفال الملجأ (الخيرية)، والقيام ببعض أشغال التنظيف هناك، وتهيئ الطعام لهم، وغسل ملابسهم، عونا لهم على متابعة دراستهم في ظروف قاسية وحالة من الفقر وشظف العيش.

فسكناهم لم تكن سوى عبارة عن كوخ من الحجارة بناه أحدهم في آخر الزقاق، لا يصلح إلا للنوم والاحتماء من الكلاب الضالة. وأما طعامهم، فتوفره المؤسسة الخيرية بما جاد به أهل المدينة وذوو الفضل من الناس.

في ذلك المس اء لازال الشاب كمال يتذكر زيارته لأهل الكوخ: ثلاثة طلاب تجمعوا حول مائدة خشبية مستديرة، تتوسطها شمعة تنير كتاب هذا، وتجلي مكتوب ذاك، وتتصارع الظلال المظلمة مع نور الشمعة المتعبة.

السلام عليكم ورحمة الله معشر الطلاب!

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته كمال!

اجلس وصب لك كأس شاي تستدفئ به!

تظاهر كمال بصب الشاي لكيلا يحرج الأصدقاء، وتعاونت الظلال المعتمة معه لاخفاء الجرعتين في قعر الكأس الذي بيده.

  • لقد أحضرت معي بعض الطعام أرسلته أمي لكم، وبعض الفواكه اشتراها شيخنا البارحة من سوق القرية. وهذه ملابسكم النظيفة، على أن آخذ الملابس الأخرى للتنظيف.
  • جزاكم الله خيرا من عشيرة وأهل، فوالله إننا لمحظوظون أن أقامنا الله بين ظهرانيكم، تعجز الكلمات أن ترد لكم الجميل، لكن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
  • لا تثريب عليكم، غدا تنجحون وتستقلون بأنفسكم وتنتشرون في الآفاق ولن تبق إلا الذكريات!

ومرت عشرون سنة …

بينما كان كمال في مكتبه، إذ دخل عليه شاب في مقتبل العمر وبيده رسالة، رفع كمال رأسه فإذا الشاب ينظر إليه بإمعان، ويحملق في قسمات وجهه الذي كسته ورأسه حلة من شعر فضي. كأن الشاب يريد قول شيء ولا يطاوعه لسانه للبوح بما في خاطره.

  • تفضل يا بني إجلس، ما إسمك وما حاجتك؟
  • أنا يوسف، وهذا خطاب تعييني كأستاذ في مدرسة اليقين للبنين والبنات التابعة لمحافظتكم، محافظة بني صالح العليا.

بدأ كمال يتمتم وهو يقرأ نص الخطاب: يوسف … يوسف صابر … يوسف صابر … يوووووسف!

  • آه تذكرت! ابني يوسف، ألم تتابع دراستك الابتدائية في مدرسة النصر في قرية عين كرم؟
  • بلى يا أستاذ!
  • أستاذ كمال، ألم تقطن في حي الزيتون في قرية عين كرم؟

لم يتمالك الرجل الشاب ولا الرجل ذو الشيب نفسيهما وسارعا للعناق الحار الذي أجاب عن كل تساؤلاتهما وأشواقهما وذهولهما من المفاجأة السعيدة.

لم يكن كمال إلا ذاك المريد الذي رباه الشيخ الجليل رحمه الله على خدمة خلق الله.

ولم يكن يوسف إلا طفل الملجأ والطالب الذي بدأ حياته في الكوخ الحجري المفعم بحنان الشيخ، لينتهي به المطاف كأستاذ يربي الأجيال بحاله قبل مقاله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.