مواسم السبق والاستدراك | سلسلة معراج الروح:
الأستاذ رشيد كريم
مواسم السبق والاستدراك | سلسلة معراج الروح:
بين يدي الموضوع
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا. ﴾ -الفرقان 62.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم تصيبه نفحة فلا يشقى﴾ وقد خرَّج ابن الدنيا والطبراني وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ﴿اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم﴾.
وعن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن سلمة الأنصاري، وجدنا في ذُؤَابَة سيفه كتابا: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﴿إن لربكم في بقية دهركم نفحات فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبداً﴾
ونفحات جمع نفحة، وهي كما عرفتها كتب اللغة: نَفَحَ الطيبُ: انتشرت رائحته، والنفحة الطيب الذي ترتاح إليه النفس، والعطية.
ونفحت رائحة الطيب نفحا انتشرت واندفعت ولهذا الطيب نفحة طيبة ثم قيس عليه.
ومعنى نفحات الله تعالى عطاءاته وهباته العظيمة، فهناك عطاءات معنوية يكرم الله بها عباده المقبلين عليه فتعمهم رحمة الله وسكينته وطمأنينته وإيمانه وإحسانه ويقينه، فيفيض على قلوب عباده من فضل عطائه الإيماني الإحساني فيشبع تلك القلوب المقبلة المتعرضة للخيرات بمزيد من الإيمان واليقين والسكينة والطمأنينة والبركة والتوفيق ومن الأجر الذي لا يعد ومن علو الدرجات التي لا تحد.
وهناك عطاءات مادية يلمسها المؤمن في توفيق الله وبركته في الأرزاق والأوقات والأولاد وغير ذلك سبحان الله.
وقال الشيخ المناوي في فيض القدير: “أي اسلكوا طرقها حتى تصير عادة وطبيعة وسجية، وتعاطوا أسبابها رجاء أن يهب من رياح رحمته نفحة تسعدكم”.
وليست للنفحة وقت معلوم بل هي مبهمة في مواسم الخيرات والأوقات الفاضلة، فحري بالمؤمن أن يعزم النية ويشد العزم للتعرض لها في كل أوقات الطاعة ويزيد الهمة في النوافل وأوقات الذكر حتى تراه في كل وقت يكثر التعرض، فهو إما في عبادة أو طاعة أو ذكر أو استغفار، أو تلاوة للقرآن أو في عمل خيري أو دعوي، أو في موقف جهادي…
عدد الله سبحانه وتعالى مواسم القربى والزلفى إليه، وهي مواسم تحمل صفتين:
أنها مواسم قرب من الله رب العالمين يتقرب فيها العابدون إلى ربهم، وأنها أيضا تكون مواسم استدراك لمن فاته موسم فشغل عنه وحجب عن نوره أن يستأنف، وأن يقبل على ربه فيدخل نفسه في سلك السائرين إلى رب العالمين.
ربنا تعالى اسمه جعل مواسم يومية وأخرى أسبوعية ومواسم شهرية وسنوية، يكون الإنسان فيها دانيا قريبا من مولاه عز وجل.
فرض الله تعالى على عباده أحب شيء إليه و هي الفرائض، كما قال ربنا في الحديث الالهي ؛ ﴿من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربةِ، وما تقرب إليّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضته عليه، ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به وبصرَه الذي يُبصِرُ به ويدَه التي يَبطشُ بها ورجلَه التي يمشي بها، فبي يسمعُ وبي يُبصرُ وبي يَبطشُ وبي يمشي، ولئن سألني لأُعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه، وما ترددت في شيءٍ أنا فاعلُه ترددي في قبضِ نفسِ عبدي المؤمنِ يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه ولابدَّ له منه﴾
¯¯¯¯¯¯
حرَّمَ اللهُ إيذاءَ المُؤمِنِ بغيْرِ حقٍّ، وتَوعَّدَ المُجترئَ على ذلك بالعِقابِ الأليمِ في الدُّنيا والآخِرةِ، ويَزدادُ التَّحريمُ شِدَّةً، ويَزدادُ الوعيدُ بالعقابِ خُطورةً؛ إذا كان الواقعُ عليه الإيذاءُ أحدَ الصَّالحينَ.
وفي هذا الحديثِ القُدسيِّ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: «مَن عادى لي وَلِيًّا»، أي: ألحق الأذى بوَليٍّ مِنَ أولياءِ اللهِ، والوَلِيُّ: هو المُؤمِنُ التَّقيُّ، العالِمُ باللهِ تعالَى، المواظِبُ على طاعتِه، المُخلِصُ في عِبادتِه. وهو أيضًا مَن يَتولَّى اللهُ سُبحانَه وتعالَى أمْرَه ولا يَكِلُه إلى نفْسِه لَحْظةً، بلْ يَتولَّى الحقُّ رِعايتَه، أو هو الذي يَتولَّى عِبادةَ اللهِ وطاعتَه، فعِباداتُه تَجْري على التَّوالي مِن غيْرِ أنْ يَتخلَّلَها عِصيانٌ.
فمن عادى وَلِيَّ اللهِ، فقدْ أعلَنَ اللهُ سُبحانَه الحربَ عليه، وهذا فيه الغايةُ القُصوى مِنَ التَّهديدِ؛ إذ مَن حارَبَه اللهُ وعامَلَه مُعاملةَ المحارِبِ، فهو هالكٌ لا مَحالةَ، ومَن يُطيقُ حرْبَ اللهِ؟!
ثم قال الحَقُّ سُبحانَه: «وما تَقرَّبَ إليَّ عَبْدي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افترَضْتُه عليه»، أي: أوجَبْتُه عليه؛ فالصَّلَواتُ الخَمسُ أحَبُّ إلى اللهِ مِن قيامِ اللَّيلِ، وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ النَّوافِلِ، وصِيامُ رَمَضانَ أحَبُّ إلى الله من صيامِ الاثنينِ والخميسِ، والأيَّامِ السِّتَّةِ مِن شَوَّالٍ، وما أشبَهَها؛ فالفَرائِضُ أحَبُّ إلى اللهِ وأوكَدُ. «وما يَزالُ عَبْدي يَتقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافلِ» مع الفرائضِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وغيرِهما من أعمالِ البِرِّ والطَّاعةِ التي ليست من الفريضةِ؛ فالنَّوافِلُ تُقَرِّبُ إلى اللهِ، وهي تُكَمِّلُ الفرائِضَ، فإذا أكثَرَ الإنسانُ مِنَ النَّوافِلِ مع قيامِه بالفرائِضِ، نال محبَّةَ اللهِ، فيُحِبُّه اللهُ، وإذا أحَبَّه كان اللهُ سُبحانَه سَمْعَه الَّذي يَسمَعُ به، وبَصَرُه الذي يُبصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يَمْشِي بها، يعني أنَّه يكونُ مُسَدِّدًا له في هذه الأعضاءِ الأربعةِ؛ يُسَدِّدُه في سمعِه، فلا يَسمَعُ إلَّا ما يُرضِي اللهَ، ويُسَدِّدُه في بَصَرِه، فلا يَنظُرُ إلَّا إلى ما يحِبُّ اللهُ النَّظَرَ إليه، ولا ينظُرُ إلى المحَرَّمِ، ويُسَدِّدُه في يَدِه، فلا يعمَلُ بيَدِه إلَّا ما يُرضي اللهَ؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، وكذلك رِجْلُه، فلا يمشي إلَّا إلى ما يُرضي الله؛ لأنَّ اللهَ يُسَدِّدُه، فلا يسعى إلَّا إلى ما فيه الخيرُ.
وإن سأل اللهَ شيئًا فإنَّ اللهَ يعطيه ما سأل، فيكونُ مُجابَ الدَّعوةِ، ولئنِ استعاذ باللهِ ولجأ إليه طلَبًا للحمايةِ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُعيذُه ويحميه ممَّا يَخافُ.
«وما تردَّدتُ عن شَيءٍ أنا فاعلُه تَردُّدي عن نفْسِ المُؤمِنِ» وليْسَ هذا التَّردُّدُ مِن أجْلِ الشَّكِّ في المصلحةِ، ولا مِن أجْلِ الشَّكِّ في القُدرةِ على فِعلِ الشَّيءِ، بلْ هو مِن أجْلِ رَحمةِ هذا العبدِ المُؤمِنِ، ولهذا قال اللهُ تعليلًا لهذا الترَدُّدِ: «يَكْرَهُ المَوْتَ» لِمَا فيه من الألمِ العظيمِ، «وأنا أكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»؛ لِمَا يَلْقَى المُؤمِنُ مِن الموتِ وصُعوبتِه.
فالعَبدُ الذي صار محبوبًا للحَقِّ مُحِبًّا له، يتقرَّبُ إليه أولًا بالفرائِضِ، وهو يحِبُّها، ثمَّ اجتهد في النَّوافِلِ التي يحِبُّها ويحِبُّ فاعِلَها، فأتى بكُلِّ ما يقدِرُ عليه من محبوبِ الحَقِّ، فأحبَّه الحَقُّ لفِعْلِ محبوبِه من الجانِبَينِ بقَصْدِ اتفاقِ الإرادةِ؛ بحيث يحِبُّ ما يحِبُّه، ويكرَهُ ما يكرَهُه محبوبُه، والرَّبُ يكرَهُ أن يَسُوءَ عَبْدَه ومحبوبَه، فلَزِمَ مِن هذا أن يَكرَهَ الموتَ؛ ليزدادَ مِن محابِّ محبوبِه، واللهُ سُبحانَه وتعالى قد قضى بالموتِ، فكُلُّ ما قضى به فهو يريدُه، ولا بُدَّ منه؛ فالرَّبُّ مُريدٌ لِمَوتِه لِما سبق به قضاؤُه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءةِ عَبدِه، وهي المَساءةُ التي تحصُلُ له بالموتِ؛ فصار الموتُ مُرادًا للحَقِّ مِن وَجهٍ، مَكروهًا له من وجهٍ، وهذا حقيقةُ الترَدُّدِ.
وفي الحَديثِ: النَّهيُ عن إيذاءِ أولياءِ اللهِ.
وفيه: التَّرغيبُ في حُبِّ أولياءِ الرَّحمنِ، والاعترافِ بفَضْلِهم.
وفيه: أنَّ أحَبَّ الأعمالِ فِعلُ الفرائضِ، وأفضلُ القُرُبات بَعْدَها فِعلُ النَّوافلِ.
وفيه: دلالةٌ على شَرَفِ الأولياءِ ورِفعةِ مَنزِلَتِهم.
¯¯¯¯¯¯
و لقد مثل لنا النبي ﷺ تلك الفرائض بنهر يكون بين يدي الإنسان قال ﷺ ﴿ أَرَأَيْتُمْ لو أنَّ نَهْرًا ببَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ منه كُلَّ يَومٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هلْ يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبْقَى مِن دَرَنِهِ شيءٌ، قالَ: فَذلكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بهِنَّ الخَطَايَا﴾ الراوي ؛ أبو هريرة | المحدث ؛ البخاري | المصدر ؛ صحيح البخاري
كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحسَنَ النَّاسِ تَعليمًا، وأفصَحَهم بَيانًا، وكان مِن طُرُقِه الحَسَنةِ في التَّعليمِ والتَّربيةِ تَقريبُ العِلْمِ لِلنَّاسِ، بضَربِ الأمثالِ المَحسوسةِ؛ لِيَكونَ أوضَحَ لهم وأبْيَنَ.وفي هذا الحَديثِ يَضرِبُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَثَلًا لِمَحوِ الخَطايا بالصَّلَواتِ الخَمسِ، حيثُ مَثَّلَ الصَّلواتِ الخَمسَ بنَهَرٍ على بابِ الإنسانِ يَغتَسِلُ فيه كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ، فكما أنَّ دَرَنَه ووَسَخَه يَذهَبانِ حتى لا يَبقى مِن ذلك شَيءٌ، فكَذلك أيضًا الصَّلواتُ الخَمسُ في كُلِّ يَومٍ؛ تَمحو الذُّنوبَ والخَطايا حتَّى لا يَبقى منها شَيءٌ.ووَجهُ التَّمثيلِ: أنَّ المَرْءَ كما يَتدَنَّسُ بالأقذارِ المَحسوسةِ في بَدَنِه وثِيابِه، ويُطهِّرُه الماءُ الكَثيرُ، فكذلك الصَّلواتُ تُطهِّرُ العَبدَ مِن أقذارِ الذُّنوبِ، حتى لا تُبقيَ له ذَنْبًا إلَّا أسقَطَتْه وكَفَّرتْه، ما اجتُنِبتِ الكَبائِرُ، كما صَحَّ عِندَ مُسلِمٍ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ؛ مُكَفِّراتٌ ما بَينَهُنَّ إذا اجتُنِبَ الكَبائِرُ».والذي ذَهَبَ إليه كَثيرٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ الصَّلواتِ تُكفِّرُ الصَّغائِرَ مُطلَقًا إذا لم يُصِرَّ صاحِبُها عليها؛ فإنَّها بالإصرارِ عليها تَصيرُ مِنَ الكَبائِرِ، أمَّا الكَبائِرُ فإنَّها تَحتاجُ إلى تَوبةٍ تامَّةٍ، بشُروطِها.
¯¯¯¯¯
الإنسان إذا ما لحق به ذنب أو معصية فجاء الى الله رب العالمين، فجدد اليقظة، و عقد العزم، فوقف بين يدي الله تعالى يلقف الأنوار، و يناجيه و يسجد بين يديه و يسبحه و يعظمه و يستغفر و يدعو و يجثو فإن ذلك يكون مطهرة لذنوبه، فكيف يكون إذا كان هذا يلحق العبد مع التوبة، يكون آخذا بأسباب الفرائض مقبلا على ربه، عبدا ذليلا بين يدي الله عز وجل مصحوبا بالتوبة أبدا، و لذلك شرع لنا عقب الصلوات و العبادات الكبرى كالحج الاستغفار لكي يكون الإنسان آخذا نفسه بالعزم على التجديد و التوبة و التطهير دائما و أبدا، فهذه مواسم خمس.
ويلحق هذه المواسم الخمس، تلك المواسم الصغرى: مواسم النوافل ﴿ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه…﴾
فذلك أمر مشروع للناس كلهم، أن يأتوا إلى الله رب العالمين بالعبادات المفروضة ثم يلحقون بها النوافل التي تكون مقيدة والتي تكون مطلقة.
تتفاضل درجات النفل بحسب التاكيد، أو باعتبار التقييد والإطلاق، إما مقيد بوقت أو سبب، وإما مطلق، فالمقيد بوقت هو: الذي يشرع فعله مخصوصا بوقت معلوم، مثل: السنن الرواتب وصلاة الوتر والضحى، وإما مقيد بسبب مثل: صلاة الاستسقاء وتحية المسجد، وإما نفل مطلق وهو: التطوع الذي لم يقيد بوقت ولا سبب
فالنوافل المقيدة كالسنن الرواتب التي رتبها النبي ﷺ، و النوافل المطلقة يأتيها العبد في غير وقت النهي، و هي بذلك أمر عظيم شريف بين يدي الله رب العالمين، فتلك مواسم يومية.
النوافل تنقسم إلى قسمين:
– نوافل تابعة للفرائض، وتسمى بالرواتب، وهي نوعان:
-مؤكدات، وهي اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.
-وغير المؤكدات: أربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان قبل العشاء.
أما النوافل غير الرواتب، فهي كثيرة منها: الوتر، وصلاة الضحى، وهناك نوع من النوافل يسميه بعض العلماء سنناً مؤكدة: كالعيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف.
وهناك نوافل مطلقة غير مقيدة بعدد، وهي تصلى في أي وقت باستثناء أوقات الكراهة.
وبهذا يعلم أن الرواتب، والسنن تشملها اسم النافلة، وأن الرواتب أخص من السنن.
والله أعلم.
ثبت النهي عن صلاة النافلة في عدة أوقات، ففي صحيح مسلم من رواية عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من رواية أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
فالحديث الأول يثبت ثلاثة أوقات للنهي:
1- وقت طلوع الشمس.
2- وقت استواء الشمس في كبد السماء قبل الزوال.
3- عند ميلان الشمس للغروب وقربها من حصوله.
أما الحديث الثاني، فقد أثبت وقتين أيضا هما:
1- بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس.
2- بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس.
¯¯¯¯¯
وكذلك الموسم العظيم الشريف الذي تتهادى أنواره في الأسحار على قلب الإنسان فتوقظه وتحييه وتنيره، وهو موسم التنزل الالهي الذي قال فيه مولانا رسول الله ﷺ ﴿يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟﴾
الراوي ؛ أبو هريرة | المحدث ؛ البخاري | المصدر ؛ صحيح البخاري
أنظر إلى تودد الودود ولطف وفضل وإحسان وكرم الرب
أنظر إلى حبه العفو والمغفرة والستر والإجابة والكرم
مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟
مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟
مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟
الثلُثُ الأخيرُ منَ الليلِ أفضلُ أوقاتِ اللَّيلِ؛ تَصْفو فيه النُّفوسُ، وتَطيبُ فيه العِبادةُ، ويُستَجابُ فيه الدُّعاءُ، خصَّه اللهُ تعالَى بالنُّزولِ فيه إلى السَّماءِ الدُّنيا، وتَفضَّلَ على عِبادِه فيه، وأفاضَ الخيرَ على مَن طلَبَه.
وفي هذا الحَديثِ بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تَبارَك وتعالَى يَنزِلُ كلَّ لَيلةٍ حِينَ يَبْقى الثُّلثُ الأخيرُ مِن اللَّيل، وهو نُزولٌ يَليقُ به جلَّ جَلالُه؛ فإنَّه يَجِبُ الإيمانُ بما ورَدَ في ذلك -وأمثالِه- عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن غَيرِ تَكْييفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومِن غيرِ تحريفٍ ولا تمثيلٍ، فيَنزِلُ ربُّنا سُبحانَه إلى السَّماءِ الدُّنيا، وهي السَّماءُ الأُولى القَريبةُ منَ الأرضِ والعِبادِ، ويُنادي سُبحانَه في عِبادِه ويقولُ: مَن يَدْعوني فأسْتَجيبَ له؟ ومَن يَسأَلُني فأُعطيَه، ومَن يَستغفِرُني فأغفِرَ له؟
والدُّعاءُ، والسُّؤالُ، والاستغفارُ إمَّا بمعنًى واحدٍ، فذِكْرُ الثَّلاثةِ للتَّوكيدِ. وإمَّا لأنَّ طلَبَ العبْدِ لا يَخْلو مِن أنْ يكونَ طَلَبًا لدفْعِ المَضارِّ أو جَلْبِ المنافعِ، والمَضارُّ والمَنافعُ إمَّا دُنيويَّةٌ وإمَّا دِينيَّةٌ؛ فكرَّرَ الثَّلاثةَ لِتَشمَلَها جَميعَها.
وخَصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ الثُّلُثَ الأخيرَ مِن اللَّيلِ بالنُّزولِ فيه؛ لأنَّه وَقتُ خَلوةٍ وغَفلةٍ واستِغراقٍ في النَّومِ واستلذاذٍ به، ومُفارقةُ اللَّذَّةِ والرَّاحةِ صَعبةٌ على العِبادِ؛ فمَن آثَرَ القِيامَ لمُناجاةِ ربِّه والتَّضرُّعِ إليه في غُفرانِ ذُنوبِه، وفَكاكِ رَقبتِه مِن النَّارِ، وسَأَله التَّوبةَ في هذا الوقتِ الشَّاقِّ، على خَلوةِ نفْسِه بلَذَّتِها، ومُفارقةِ راحتِها وسَكَنِها- فذلك دَليلٌ على خُلوصِ نيَّتِه، وصِحَّةِ رَغبتِه فيما عندَ ربِّه، فضُمِنت له الإجابةُ الَّتي هي مَقرونةٌ بالإخلاصِ وصِدقِ النِّيَّةِ في الدُّعاءِ؛ إذ لا يَقبَلُ اللهُ دُعاءً مِن قلْبٍ غافلٍ لاهٍ؛ فلذلك نبَّهَ اللهُ عِبادَه إلى الدُّعاءِ في هذا الوقتِ، الَّذي تَخْلو فيه النفْسُ مِن خَواطرِ الدُّنيا؛ لِيَستشعِرَ العبدُ الإخلاصَ لرَبِّه، فتَقَعَ الإجابةُ منه تعالَى؛ رِفقًا مِن اللهِ بخَلقِه، ورَحمةً لهم.
وفي الحَديثِ: بَيانُ فضْلِ الثُّلثِ الأخيرِ مِن اللَّيل، وفضلِ الصَّلاةِ، والدُّعاءِ فيه.
لاحظ أن كل حاجات الدنيا والآخرة جمعت في هذه النداءات الربانية العظيمة التي يقبح بالإنسان أن يكون بعيدا عن الإصغاء إليها، ولا يأخذ حظه من هذا الكنز العظيم في السحر الذي يكون مخبوءا لعباد الله الذين يخفون الى رب العرش إذا ما ضرب الليل الأفاق و سدل ستوره و خلى كل حبيب بحبيبه، فيقوم العبد الموفق المحب و قد سبقه قلبه إلى ربه، يعرض قلبه إلى ربه حتى يزكيه و ينيره، و يعرض حاجاته، و يبث ربه همومه و أحزانه، و يستغفر بندم التائب الذي يجثو بين يدي ربه الودود تحت سقيفة الأسحار، يبادل ربه ودا بود.
يناديه ربه فلا يليق به إذ سمع النداء العلوي أن يعرض متدثرا برداء الغفلة والجفاء، يقوم إلى ربه وهو الذي ينادي
مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟
مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟
مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟
وقد قال أهل العلم: ما أمر بالدعاء إلا لأنه يحب الإجابة
ومن وفق إلى الدعاء ووفق إلى حراسة حلمه في السحر فإنه يتحقق في النهار، فإن مصباح الأسحار لا ينطفئ بالنهار.
يكون الرجل بالسحر خاليا بالله فيضيء قلبه و ينير وجهه، كما قيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين باللّيل من أحسن النّاس وجوهاً؟ قال:” لأنّهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره “
والمعنى: جعل النور ملازما لهم، كأنه من لباسهم؛ فالعرب تعبر باللبس عن الملازم؛ قال تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ الأعراف:26.
وأما قوله “من نوره” يعني من نور الله؛ فالله عز وجل ينور بنور وجهه السماوات والأرض؛ فهي من آثار نور وجهه؛ فلا مانع أن ينور وجه عبده المؤمن القائم له يصلي.
خلوا بربهم في خلوة الود التي أذن رب العالمين فيها بالعطاء والمجد و الرفعة و السؤدد و قضاء الحاجات العظمى و غفران الذنوب و كسوة القلوب العارية الظامئة إلى فضل الله و إحسانه، فهذا موسم شريف يستدرك فيه المؤمن و يسبق، يستدرك و يسبق، يستدرك ما فرط فيه و يسبق إلى ربه، فهذا موسم يومي ليلي، و في الحديث: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا الراوي: أبو موسى الأشعري | المحدث ؛ مسلم | المصدر ؛ صحيح مسلم
رَحمةُ اللهِ وَسِعَت كُلَّ شيءٍ ومِن رَحمتِه أنَّه فَتحَ بابَ التَّوبةِ لعِبادِه باللَّيلِ والنَّهارِ، وهو سُبحانه يُحِبُّ التَّائبينَ ويَدعو عِبادَه إلى التَّوبةِ ويُرَغِّبُهم فيها، فيَتوبُ على مَن تابَ ويَغفِرُ الذَّنْبَ، ويَصبِرُ على العُصاةِ، ولا يُعجِّلُ لهم العقابَ حتَّى يَتوبوا ويَرجِعوا إليه.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَظيمَ فَضلِ اللهِ تَعالَى وَسَعَةِ رَحمتِه وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ «يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ ليَتُوبَ مُسِيءُ النَّهارِ، ويَبْسُطُ يَدَه بالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ» والمعنى: أنَّه سُبحانه يَقبَلُ التَّوبةَ مِن عِبادِه وإنْ تَأخَّرت بَعدَ ارتِكابِ الذَّنبِ، فالتَّوبةُ وإنْ كانتْ مَأمورًا بِها على الفَورِ إلَّا أَنَّها إذا تَأخَّرت قَبِلَها اللهُ عزَّ وجلَّ، فإنْ أَذنَبَ العَبدُ ذَنبًا بالنَّهارِ وَتابَ باللَّيلِ قَبِلَ اللهُ تَوبَتَه، وإنْ أَذنَبَ ذَنبًا باللَّيلِ وَتابَ بالنَّهارِ قَبِلَ اللهُ تَوبَتَه، وبَسَطَ يَدَه سُبحانَه يَتَلقَّى بِهما تَوبةَ التَّائبِ فَرحًا بِها وقَبولًا لَها.
ولا يَزالُ الأَمرُ كَذلكَ بالعِبادِ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها، فإذا طَلعَتْ مِن مَغرِبِها قَبيلَ يَومِ القِيامةِ فإنَّ بابَ التَّوبةِ يُغلَقُ، فلا تُقبَلُ بَعدَ تِلكَ العَلامةِ تَوبةُ أحدٍ، ولا يَنْفَعُ الإيمانُ مَن لم يُؤمِنْ مِن قبْلُ، وهو معنى قولِه تَعالَى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]، وللتَّوبةِ حَدٌّ آخَرُ؛ وهو أنْ يتوبَ الإنسانُ قبْلَ غَرْغرةِ الموتِ، وهي وُصولُ الرُّوحِ إلى الحُلقومِ، كما قال تَعالَى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18].
ولعلَّ الحكمةَ مِن مَنعِ التَّوبةِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ مِن مَغربِها أو عندَ الموتِ: أنَّ النَّاسَ في هذا التَّوقيتِ تَنكشِفُ لهم الحقائقُ، ويُشاهِدون مِن الأهوالِ ما يَلْوي أعناقَهُم إلى الإقرارِ والتَّصديقِ باللهِ وآياتِه، وحُكمُهم في ذلك حُكمُ مَن عايَنَ بَأْسَ اللهِ، كما قال تَعالَى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 84، 85]
فهذا الموسم الشريف دائم أبدا
ثم تأتي مواسم أخرى للسبق والاستدراك نذكر منها:
ومن مواسم الخيرات يأتي شهر رجب بما يحمل معه من خيرات وبركات لا تنكر، وهو من أشهر الله الحرم
قال أحد سلفنا الصالح في رجب:
بَيِّضْ صَحيِفَتَكَ السَّوْدَاءَ فِي رَجَبِ *** بِصَالِحِ الْعَمَلِ الُمنْجِي مِنَ اللَّهَبِ
شَهْـرٌ حَرَامٌ أَتَى مِنْ أَشْهُرٍ حُرُمِ *** إِذَا دَعَا اللهَ دَاعٍ فِيـهِ لَمْ يَـخِبِ
طُـوبَى لِعَبْدٍ زَكَى فِيـهِ لَهُ عَمَلٌ *** فَكَفَّ فِيهِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالرِّيَـبِ
رجب إذن فرصة نجدد فيها العهد مع الله ونتصالح مع أمهات الطاعات استعدادا لشعبان ورمضان، وفي هذا قيل: السنة شجرة؛ رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها.
وقال ذو النون المصري رحمه الله: رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد وكل يحصد ما زرع ويجزى ما صنع.
و”قال النيسابوري رحمه الله تعالى:.. جعلت هذه الثلاثة أشهر كحمام فيه ثلاثة بيوت: فيدخل العبد في أولها فيجلس ساعة ثم يعتاد، ثم يدخل البيت الثاني، ثم يدخل البيت الثالث فيطهر نفسه، فشهر رجب شهر الاستغفار،وشعبان شهر الصلاة، ورمضان شهر القرآن،
ويقال: رجب لترك الجفا، وشعبان للعمل والوفا، ورمضان للصدق والصفا، رجب شهر الحرث، وشعبان شهر الزرع، ورمضان شهر الحصاد.. ويقال شهر رجب كالأشجار، وشهر شعبان كالأزهار، وشهر رمضان كالأثمار، فإذا لم يكن للشجرة زهر لم يكن لها ثمر.
ومن مواسم الخيرات يأتي شهر شعبان يغفل عنه الناس، ترفع فيه الأعمال إلى رب العباد. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ﴿ذاك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَال إلى رَبِّ العَالمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملي وَأَنَا صَائِمٌ﴾. شعبان إذن هو المحطة الجامعة للأعمال السنوية للعباد، وهو الصفحة الختامية للصحيفة السنوية الجامعة للحصاد السنوي لأعمالهم؛ حيث تعرض على الله تعالى -وهو الأعلم بما صدر ويصدر عن عباده- فمن تمام التذلل والطلب والخشوع والحياء المحبة والاستغفار والتوبة أن تختم الأعمال السنوية للواحد منا وهو في قربة الصيام أو القيام أو الصدقة أو الذكر أو الدعاء أو الاستغفار أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر… فذاك أفضل حال نحب أن يرانا خالقنا ومولانا عليه وقت رفع الأعمال إليه سبحانه. نحب أن تُرفع أعمالنا ونحن في طاعة وعمل وقربات لا أن تُعرض صحائفنا ونحن في سكون وقعود وضعف وغفلة أو -لا قدر الله- في معصية.
شهر شعبان إذن محطة سنوية للوقوف مع الذات وتفقد الأعمال ومراجعة الأفعال ومحاسبة النفس وعقد العزم على الأفضل.
شهر شعبان منحة إلهية وهدية ربانية يتفضل بها المولى الكريم على عباده الصالحين؛ ففيه ليلة عظيمة هي ليلة النصف من شعبان عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم شأنها بقوله: ﴿يطِّلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشرك أو مشاحن﴾
مضى رجب وما أحسنت فيه *** وهذا شهر شعبــان المبارك
فيا من ضيع الأوقات جـهلاً *** بحرمتها أفق واحـذر بوارك
فسوف تفارق اللذات قـسراً *** ويخلي الموت كرهاً منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا *** بتوبة مخلص واجعـل مدارك
على طلب السلامة من جحيم *** فخير ذوي الجرائم من تدارك
ويأتي رمضان وفيه ما فيه من البركات والخيرات والرحمات والعتق من النار
لقد جعل الله عز وجل من شهر رمضان محطة لا تعوض لنيل الأجر العظيم والدرجات العلى من لدنه سبحانه وتعالى، فجعل أوله رحمة ووسطه غفرانا ومغفرة وآخره عتقا ونجاة من النار، وادخر له قيمة عالية استأثر وحده دون غيره بعلمها إذ جعل جميع أعمال ابن آدم له إلا الصوم فقد استثناه من ذلك وخص به نفسه فهو يجازي به كل على حسب قدرة تحقيقة لغايات وأهداف الصيام، كما أنه عز وجل جعل من هذا الشهر شهر إكرام وتكريم وإنعام وتفضيل للأمة الإسلامية فأعطاها من الفضل والخير والثواب الجميل ما لم يعطه للأمم السابقة قط، فقد أخرج البيهقي والطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وقد حضر رمضان﴿أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل﴾، هذا جزء من فيض رحمته بنا تعالى في هذا الشهر المبارك وما خفي أعظم، ويكفي أن من صامه إيمانا واحتساب غفر له ما تقدم من ذنبه، ويكفي -وإن كان الله عز وجل يحب منا أن نطلب منه معالي الأمور في جميع أحوالنا- أن رمضان كفارة لما بينه وبين رمضان الذي سبقه كما هو الشأن بالنسبة للحج والعمرة ويوم الجمعة … فهل نحقق شرط الإيمان والإحتساب، وهل سنسعى للتكفير عما اقترفناه بين رمضان ورمضان، أم أننا سنتبع السيئة السيئة، ونفرط كما فرطنا في الأيام والشهور والأعوام السالفة.
وبعد رمضان مواسم أخرى
فعندك الست من شوال: بعد صيام شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران والعتق من النيران، فرصة طاعة سنها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهي صيام ستة أيام من شهر شوال.
بشرنا عليـه الصلاة والسلام أن من صام هذه الأيام كان كمن صام الدهر: ﴿من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شـوال كان كصيام الدهـر﴾ (صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري)، فاستحق من الأجر والثواب خيرهما في الدنيا والآخرة، فضلا من الله وكرما علينا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ذلك أن من رحمة الله تعالى بنا أن عوضنا عن أعمارنا القصيرة بكثرة مواسم الخير وبمضاعفة الأجر للمحسنين، والسعيد والموفق من وفقه الله لاغتنام هذه الموسم المبارك وصام هذه الأيام القليلة العدد العظيمة القدر.
والعشر من ذي الحجة:
من فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، يستكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيها فيما يقربهم إلى ربهم، والسعيد من اغتنم تلك المواسم، ولم يجعلها تمر عليه مروراً عابراً. ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة، وهي أيام شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها، بل إن الله تعالى أقسم بها، وهذا وحده يكفيها شرفا وفضلا، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، وهذا يستدعي من العبد أن يجتهد فيها، ويكثر من الأعمال الصالحة، وأن يحسن استقبالها واغتنامها.
رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لها بأنها أفضل أيام الدنيا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ما العمل في أيام أفضل من هذه العشر قالوا: ولا الجهاد قال: ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء﴾.
هذا موسم للسبق والاستدراك
من كان متوكئا على غفلته يأتي نادما مستغفرا مستدركا
ومن كان ملازما الدرب يزداد سبقا وقربا
ثم تأتي مواسم أخرى، يأتي يوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلا، ويتأكد صومه لغير الحاج، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن صوم يوم عرفة﴿أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده﴾
يوم يكون فيه غفران الذنوب وعتق الرقاب من النيران حتى إن الشيطان ليجثو ويضع على رأسه التراب ويكون قائلا بالويل والثبور لما يرى من عتق الله ومغفرته وسعة رحمته، فيكون أخزى يوم له يوم عرفة.
ثم يأتي بعد ذلك عاشوراء
ويأتي الموسم الأسبوعي: يوم الجمعة
قال الله عز وجل مقسما به ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ الْبُرُوجِ: 3، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشاهدُ يومُ الجمعةِ، والمشهودُ يومُ عرفةَ.
وفي هذا اليوم حدثٌ لا يُنسى؛ قال عليه الصلاة والسلام: ﴿فيه (أي: في يوم الجمعة) خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدخِلَ الجنةَ، وفيه أُخرِجَ منها﴾رواه مسلم.
وهو يوم أكمل الله فيه الدينَ، فقد روي في الحديث المتفق عليه أن رجلا من اليهود قال لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا -معشرَ اليهود- نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال ؛ أيُّ آية؟ قال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الْمَائِدَةِ: 3، فقال عمرُ رضي الله عنه: “إنِّي لَأعلمُ اليومَ الذي نزلَتْ فيه، والمكانَ الذي نزَلَتْ فيه؛ نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعرفات في يوم جمعة“.
وفي الجمعة كذلك ترفع الدرجاتِ وتُكفر السيئاتِ، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لِمَا بينهنَّ ما لم تُغشَ الكبائرُ﴾ رواه مسلم
في الختام كل هذه المواسم تدلك على أن الله رب العالمين لا يحجب خيره عن عباده و يفتح دائما أبدا باب الصلة و الوصال و الوصول، فمن كان آخذا بحلق باب الله فتح له و دخل على ربه، و من كان مقصرا أتيح له أن يستدرك و يستغفر و يتوب، و لذلك أوصانا ﴿إن لله في أيام الدهر نفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم تصيبه نفحة فلا يشقى﴾ يتعرض العبد لها لأنها شرعت من رب العالمين توددا و تحببا و رحمة و إحسانا و فضلا، و حري بالعبد ألا يحرم نفسه فيبتعد عن هذه المواسم الفاضلة، و يرى لطف رب العالمين و إحسانه إلى عباده متذكرا دائما أنه سبحانه لا تضره معصية العصاة و لا تنفعه طاعة الطائعين، و أنه غني عن العالمين يبارك و يزيد جمالا فيصل عبده و يقبله و يغفر ذنبه و يستر عيبه و لا يفضحه و يقبل عمله على ما كان فيه إنه هو الغفور الودود.