امتناع إبليس عن السجود
امتناع إبليس عن السجود/ الدكتور عبد الكريم عزيز
امتناع إبليس عن السجود
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
اسمه وحقيقته
اسمه إبليس من فعل أبلس، أي: يئس. وسمي إبليس لأنه يئس من رحمة الله. وهو من الجن، لقوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}([1]). وفي الحديث الصحيح: «خُلِقت الملائكةُ من نور، وخُلقَ الجان من مارج من نار وخُلق آدم مما وصف لكم»([2]). وكان إبليس مع الملائكة وليس منهم؛ لأن الملائكة لا ذرية لهم، بينما الجن لهم ذرية؛ لقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا}([3]). والملائكة لا يعصون أوامر الله؛ لقوله تعالى: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}([4]). بينما الجن لهم الاختيار في الطاعة والمعصية مثل الإنسان، فعندما أمر الله إبليس بالسجود لآدم امتنع، واختار أن يكون خارجا عن طاعة أمر ربه.
كشف السبب الحقيقي للعصيان
بعد أن أخبر الله الملائكة عن سعة علمه، في قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}([5])، أراد تعالى أن يكشف لهم ما يكتُم إبليس في نفسه، في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}([6]). لذلك كان السؤال الموجه إليه عقب امتناعه عن السجود، يحمل صيغتين مختلفتين: الصيغة الأولى جاءت في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}([7]). والصيغة الثانية جاءت في قوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ}([8]). فالكلمتان: (ما منعك ألا تسجد) و (ما منعك أن تسجد)، مختلفتان في المبنى، مما يدل على أنهما مختلفتان في المعنى. وإذا تأملنا في ذلك يظهر لنا أن الصيغة الأولى تعني أن هناك سببا خارجيا منع إبليس أن لا يسجد. بينما الصيغة الثانية تدل على أن الدافع الذي منع إبليس من السجود لآدم، نابع من داخل نفسه. فكان جواب إبليس على السؤالين واحدا، في قوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}([9]). لكن الله العليم الحكيم أبان لنا عن حقيقة العصيان، وأن إبليس فعل ما فعل بواسطة سببين هما: الاستكبار والعلو، في قوله تعالى: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ}([10])، وقد تأكد ذلك في قوله تعالى: {إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}([11]). فهما عاملان لا ثالث لهما، كانا سببين في امتناع إبليس.
العامل الأول: الاستكبار
إبليس افتعل الاستكبار ولم يكن أهلا له. فالكبرياء صفة خاصة بالله تعالى؛ يقول تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}([12]). فلا حق لأحد أن يتصف بها إلا الخالق. فالكبرياء في حق الله كمال، وفي حق المخلوقين نقص. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ»([13]).
العامل الثاني: العلو
الامتناع عن السجود لآدم كفر وعصيان. فالله خلق آدم بيده وأسجده ملائكته. والسجود لآدم طاعة لله تعالى؛ لأن الله هو الذي أمر به. لكن إبليس أخذته العزة بالإثم وادعى لنفسه الخيرية في قوله تعالى: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}([14])، وعلا بنفسه على آدم، ولم يكن من الساجدين. مما تسبب له في الخروج من الجنة والطرد من كل خير واللعنة الدائمة إلى يوم الدين، مصداقا لقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}([15]).
مهمة إبليس الكونية
عصيان إبليس بامتناعه عن السجود لآدم، والإقرار بذلك عن سبق الإصرار والترصد، أمام الملائكة أجمعين، جعله يظهر على حقيقته الموافقة لعلم الله. وهو ما سيجعله ضمن المهمة التي خلقه الله لأجلها. وهذه المهمة تتجلى في خدمة آدم وبنيه في الشر، ابتلاء وامتحانا لهم، إلى يوم الوقت المعلوم؛ وهو اليوم الذي يموت فيه جميع الخلائق عند النفخة الأولى. وبهذا يتبين لنا كيف يتشكل الكون الروحي والمادي وفق ما أراده الله تعالى، سواء في حالة الرضى والانقياد أو في حالة العصيان والتمرد، مصداقا لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}([16]).
([1]) سورة الكهف، جزء من الآية: 6
([2]) الأحاديث، أبو الحسين مسلم، صحيح مسلم، ط1، (تركيا: دار الطباعة العامرة، 1334هـ)، باب في أحاديث متفرقة، 8/226، رقم الحديث: 2996
([4]) سورة التحريم، جزء من الآية: 6
([5]) سورة البقرة، جزء من الآية: 33
([7]) سورة الأعراف، جزء من الآية: 12
([8]) سورة ص، جزء من الآية: 75
([10]) سورة ص، جزء من الآية: 75
([11]) سورة البقرة، جزء من الآية: 34
([13]) الأحاديث، أبو داود سليمان، سنن أبي داود، (بيروت: المكتبة العصرية، 1431هـ)، باب ما جاء في الكبر، 4/59، رقم الحديث: 4090