الشيطان لكم عدو
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
قال تعالى ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) سورة ص الآيات 71 – 78 تشير الآيات إلى رفض إبليس عليه لعنة الله، السجود لآدم، وقد جاء نفس المعنى في سورة البقرة آية 34 قال تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) معللا رفضه للسجود بأنه خير من آدم، لأنه خلق من نار وآدم خلق من طين، ظنا منه بأفضلية النار على الطين، فبأسلوب يحمل معنى الاعتراض أو الاستنكار، كان استفهام إبليس ( أأسجد لمن خلقت طينا ) الإسراء 61 وغاب عن ظنه أن المولى عز وجل نفخ في آدم من روحه، وعلى هذا المنوال يسير كل جنود إبليس من الإنس يظنون أنفسهم خيرا وأفضل من غيرهم، حيث يعتقدون أنهم خلقوا من طينة غير التي خلق منها بقية البشر، أو أنهم من جنس أو عرق أو طبقة أو سلالة أو شعب أفضل وأعرق وأعلى من غيرهم ومنهم يدعي بالنقاء الجيني لجيناتهم، وهذه الأفضلية التي يعتقدونها يعتقدون فيها إنها توجب لهم السيادة على بقية البشر، بل وعلى الذين من دونهم الخضوع والانقياد لهم، وهذا اعتقاد شيطاني باطل، فالبشرية كلها جمعاء من أب واحد، قال عليه الصلاة والسلام ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) ويرجع جميعهم إلى نفس واحدة، قال تعالى ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) الأعراف 189 ووسيلة التمايز بين الناس هو تقوى الله ومخافته ومراقبته في السر والعلن وبما يقدمه الإنسان لنفع البشرية.
وقد بدأ إبليس طريقه مبكرا، مع آدم وحواء فدعاهما للأكل من الشجرة التي نهاهما الله عز وجل عنها، قال تعالى ( ويا آدم اسكن أنت وزجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) الأعراف الآيات 19 -21 وقال تعالى ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) البقرة 35-36 أمرهما بالأكل من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وعدهما أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين، وقاسمهما أني لمن الناصحين لكما، فاغترا بكلام الشيطان وقسمه فأكلا من الشجرة رغبة في الخلد في الجنة، فكان عاقبتهما أن خرجا منها إلى الأرض، قال تعالى ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) البقرة 36 وهكذا إبليس وجنوده يعد أتباعه ويمنيهم بالوعود الباطلة والأماني الكاذبة والأمور الخادعة التي ظاهرها يغري وباطنها يردي، يعدهم ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، قال تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) النساء 120
وقد أقسم الشيطان ليضللن بني آدم وليغوينهم أجمعين، وأكد ذلك القرآن الكريم في عدة سور ،كلها تدل على إصرار هذا اللعين على إهلاك الإنسان، قال تعالى في سورة الحجر 39 ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) وقال عز وجل ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) الأعراف 16 -17 وقال سبحان وتعالى ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ) ص 82 -83 كما حكى القرآن الكريم عن إبليس ( أرأيت هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) سورة الإسراء آية 62 لئن أبقيتني حيا إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته بالإغواء والإفساد إلا المخلصين منهم، ولما أعلن عدو الله، بعداوة الله، وعداوة آدم وذريته، سأل الله النظرة والإمهال، إلى يوم البعث، ليتمكن من إغواء ما يقدر عليه من بني آدم، قال تعالى في سورة الأعراف آية 13 ( قال أنظرتي إلى يوم يبعثون ).
وبينت سورة الأعراف آية 17 طريق وطريقة إبليس ( فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) الأعراف 16-17 لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم، أي لآتينهم من جميع الجهات والجوانب، قال تعالى ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) ص82 وقال عز وجل ( لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) الحجر 39 وقال سبحان وتعالى ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ) الأنفال 48 يزين للإنسان سوء عمله فيراه حسنا، ويعده بالكسب والسعادة عن طريق المعصية، فيعدو الإنسان معه في الطريق، ويمنيه النجاة من عاقبة ما يعمل، ويمض معه في طريقه إلى المهلكة.
وقد كان لإبليس ظن في بني آدم، أن يغويهم وقد تحقق له هذا الظن، في كثير من بني آدم، كما قال تبارك وتعالى في سورة سبأ آية 20 ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه، في قدرته على إغوائهم، وحقق ما كان يريد منهم، من الانصراف عن طاعة الله، فصدهم عن الحق، وحسن لهم الباطل، ورغبهم في الدنيا، وشككهم في الآخرة، وسيظل إبليس على حاله هذا إلى يوم البعث، لا يفت في عضده هو وجنوده في إضلال وغواية بني آدم شيئا.
وليس للشيطان سلطان على كل البشر قال تعالى ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) الإسراء 65 وقال عز وجل في سورة الحجر 42 ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من أتبعك من الغاوين ) وقال سبحان وتعالى ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك المخلصين ) ص82-83 إن عبادي الذين أخلصوا لي، لا أجعل لك سلطانا على قلوبهم، لكن سلطانك على من اتبعك من الضالين، الذين رضوا بولايتك وطاعتك بدلا من طاعتي، ( وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ) الأعراف 146 وإن يروا طريق الضلال يتخذوه طريقا، يميلون إليه، ويسيرون فيه، بدون تفكر وتدبر، قال تعالى ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) النحل 99 -100
والشياطين ليست مقتصرة على الجن فقط بل تشمل الجن والأنس، قال تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) سورة الأنعام الآيات 111 – 113 كما أن الشيطان يستطيع إن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه، بطريقة لا ندركها ولا نعرفها، يساعده على ذلك طبيعته التي خلق عليها، وهذا الذي نسميه بالوسوسة، وقد أخبرنا الله ذلك، إذ سماه الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، قال تعالى ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) سورة الناس، وبهذه الوسوسة أضل آدم وأغراه بالأكل من الشجرة ( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) طه120 ولقد حذرنا القرآن الكريم من الشيطان الرجيم في أكثر من موضع، قال تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) فاطر 6 ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) البقرة 168 ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) الأعراف 27 إن الشيطان لكم أيها الناس عدو، وعداوته قديمة وباقية إلى يوم القيامة، وهو دائم العداوة لا يهن ولا يضعف، فهو يراكم وأنتم لا ترونه وهو دائما لكم بالمرصاد، فاتخذوه عدوا لكم، بالتزام محاربته بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته وخطواته، ولا تتوانوا في ذلك، في كل وقت وحين.