حوار مع الشاعرة الفلسطينية ريما كامل البرغوثي حاورها ذ .محمد فاضيلي
حوار مع الشاعرة الفلسطينية ريما كامل البرغوثي حاورها ذ .محمد فاضيلي
حوار مع الشاعرة الفلسطينية ريما كامل البرغوثي
حاورها: ذ .محمد فاضيلي
بسم الله الرحمن الرحيم
يتشرف موقع منار الإسلام باستضافة شاعرة مقتدرة، مرموقة موهوبة، من عائلة تهتم بالشعر وتجعل منه خادما لأعظم وأقدس قضية في هذا العصر، قضية فلسطين المحتلة، حبيبة كل مسلم، وكل إنسان حر.
نعم، إنها حلقة في السلسلة الذهبية، سلسلة أدباء وشعراء القضية المقدسة، ملهمة وصانعة وفاتنة الشعراء..
الشاعرة والأستاذة ريما كامل البرغوثي.
صاحبة القلم المبدع السيال، والذوق الأدبي الفريد، والحس الشاعري المرهف، والقلب التقي النقي الذي يخضع لله في سجوده ويهمس له ويناجيه بأجمل شعر:
وتهمس بي عند السجود حوائج…
فيسمع ربي حاجتي ويجيب
فيا رب لا تجعل لدى الخلق مأربي…
فأنت حبيبي والحبيب طبيب..
- سيدتي الكريمة ريما ..أهلا وسهلا بك ضيفة عزيزة على موقع منار الإسلام ... نود أولا أن تحدثي رواد الموقع عن شخصك الكريم، وأهم الأحداث في حياتك.
ريما كامل البرغوثي (عاشقة الضاد)
أعشق اللغة العربية وأدافع عنها بكل ما أوتيت من قوة… الطفلة التي خرجت من فلسطين بعمر ثلاث سنوات، ولكن الوطن والأرض والأرجوحة، وبئر الماء وشجرة الزيتون التي أمام الباب، ما زالت صورة ماثلة أمامي، وأنا أبكيها، والكل يناديني هيا تأخرنا… ما كنت أعرف أنه الخروج، الذي لا رجوع بعده…
ومنذ تلك اللحظة، تفجر حزني على الوطن، وترافق مع عشقي للغة، فنذرت قلمي للقضية بالدرجة الأولى، وكنت في طفولتي المبكرة أكتب لفلسطين محاولات طفولية، حتى كبرت واستقام لدي الشعر والوزن، فوهبت وطني جل ما يكتبه قلمي وما ينزفه مدادي، وما زلت على العهد حتى يحدث الله سبحانه بعد ذلك أمرا .
- بعد هذا التعريف، نود إطلاعنا على تجربتك الأدبية، وصلتك بالأدب عموما وبالشعر والشعراء خصوصا. وعن أهم الشخصيات والمدارس الأدبية التي أثرت في شخصيتك الشعرية.
منذ صغري كنت أحب الدراسة وأعشق العلم، وأكثر مادة دراسية كنت أحبها حد الجنون اللغة العربية، بكل مهاراتها. القراءة والكتابة والنحو كانت تجري معي على السليقة، وكنت أحفظ المنهاج شعرا ونحوا وأتغنى به، والقصائد كنت أخرج من الدرس وأنا أحفظها وأرددها لوالديّ حال وصولي المنزل، وكان والدي رحمه الله يغمرني بالكتب أيام الإجازات، فأشغل وقتي في القراءة، فنمت شاعريتي مبكرة وازداد معجمي اللغوي، وبدأت أراسل الإذاعة الأردنية في برنامج أقلام واعدة، وشجعني مقدم البرنامج آنذاك الأستاذ محمد الخشمان رحمه الله، وصادف أن أحضرت لي خالتي وهي معلمتي في الصفوف الأولى ديوانين من الشعر للشاعر محمود درويش وسميح القاسم، فأوقدا في قلبي شاعرية الوطن، وتأججت نار الحزن على الوطن والشوق له أكثر فأكثر..
كتبت أول قصيدة موزونة في الصف الأول الثانوي، ثم انشغلت بالثانوية العامة وتوقفت عن الكتابة، ودخلت الجامعة، فاخترت تخصصي اللغة العربية وآدابها، فصقل التخصص موهبتي، فبدأت تظهر قصائدي أكثر نضجا وإتقانا..
ثم تزوجت ودخلت سلك الوظيفة، فانشغلت طويلا، وكنت أكتب للمناسبات وأقرأ في الإذاعة المدرسية وأكتب لنفسي معظم الوقت، حتى كبر أولادي وتفرغت قليلا، وكان هذا العالم الأزرق، عالم الفيسبوك له أثر في تعرفي طريق النوادي والملتقيات الأدبية، فبدأت أنشر كتاباتي وأشارك بأمسيات ومهرجانات على أرض الواقع وعلى وسائل التواصل، أحيانا ضيفة وأحيانا مضيفة ومقدمة للمهرجانات..
علاقتي بالإخوة الشعراء والأدباء علاقة طيبة، أحب أن أتابع المتميزين فأجد منهم ما يزيد في علمي وإتقاني، وأساعد من يستشيرني في أمور اللغة والعروض، فنحن الأدباء نبع فياض وله روافد، وكل منا يدعم الآخر ويساعده، ولا يخلو الأمر من بعض الذين يغترون بشاعريتهم في مواقف معينة، فيبدأ الواحد منهم بالتكبر والغطرسة، وهذه للشاعر بداية النهاية..
أكثر من دعمني والداي رحمهما الله، وكنت أتمنى لو ولد ديواني الأول وهما على قيد الحياة، لأفرح به قلبيهما الحانيين..
وبالنسبة للشعر فهو بالفطرة والوراثة في عائلتي، فجد والدي حليوة البرغوثي رحمه الله كان شاعرا معروفا في منطقة رام الله، وهناك شعراء كُثُرٌ في عائلتنا، ومن ليس شاعرا فهو متذوق للشعر عاشق له.
- يسعدنا، سيدتي، أن تحدثي القراء الكرام عن مميزات خطك الأدبي، وسمات نبضك الشعري، وعن الإضافة النوعية لشعر ريما في فضاء الشعر الأرحب.
خطي الأدبي ينقسم إلى قسمين:
ما يخص الوطن وقضايا الأمة، ويتميز نوعا ما بالوضوح، لسببين: الأول أن يقرأني ويفهمني أبناء شعبي الفلسطيني والعربي عامة، ويعلمون قرب قلمي ولغتي منهم ومن همومهم، فأكون وسيلة لمواساة قلوبهم وتضميد جراحهم التي هي جراحي النازفة..
والثاني أنني أرجو من التاريخ تخليد هذه القصائد لتكون وصفا تاريخيا صادقا لما يحدث من ظلم على هذه الارض، فالتاريخ ربما يزيفه المؤرخون، لكن الشعر يبقى كما هو، فيكون أصدق تأريخا للأحداث من التاريخ نفسه.
والقسم الثاني هو ما يخص حياتي الشخصية وآرائي في أمور وقضايا معينة، ونقل مشاعري وتجاربي الذاتية، وهذا أكتبه وأتعمق فيه قليلا ببعض الرمزيات، كي لا أكون مكشوفة للجميع، وأكتبه بطريقة تجعل كل من يقرؤه يفسره بطريقته..
وأما خطي الأدبي في ما يتعلق بالأسلوب الشعري، فأنا أنتهج نهج الخليل في بحوره، وأكتب في أغلب البحور، ولي قصائد قليلة جدا على نمط التفعيلة.
ومن أهم ميزاتي أنني لا أقلد أحدا، فلي طابعي الخاص، ولكن لي اقتباسات وتضمينات تكون ضرورية أحيانا لخدمة موقف ما في ما يعرف بالتناص.
- هل تصنف شاعرتنا نفسها في مدرسة أدبية معينة، ام تأبى لنفسها ذلك، وهل استطاعت أن تنجح في العدل بين واجب القضية وجمالية الكلمة وسحر القافية؟
أما الشق الأول، فأنا مزيج من كل المدارس الأدبية. فأنا كلاسيكية في الوزن والقافية، واقعية في أمور الوطن، رومنسية في تجاربي العاطفية، ورمزية أحيانا في ما يحتاج للرمز..
وأما الشق الثاني من السؤال، فقرائي من يحكمون علي، إن كنت وفقت في هذه النقطة أم لم يحالفني الحظ، وكلي أمل أن أنال إعجاب قرائي ورضاهم..
- في نظرك،الشاعرة القديرة ريما البرغوثي، هل استطاع الأدب العربي عموما، والشعر خصوصا، خدمة القضية الفلسطينية، وتحريك الوجدان العربي ليجعلها أهم قضايا واهتمامات الوطن العربي؟
الشعر ديوان العرب، يرصد كل ما يدور من أحداث أو قضايا في كل زمان ومكان، ويخلد الكثير من المواقف، كما قلنا، بصدق أكثر من التاريخ، ولا شك أن الشعراء والأدباء لم يقصروا على مدى الزمن في الذود عن الأوطان والحديث عن الظلم وصوره الكثيرة، وكان العرب من المحيط إلى الخليج يهتزون لأي قصيدة يكتبها شاعر معبرا عن الظلم والاستبداد او مقالة أو قصة، ولكن الآن، نجد أن كل قطر عربي مشغول بلعق جراحاته النازفة، فمنا من ينزف في حرب، ومنا من ينزف فقرا وجوعا وبردا.. وأرى أن الشعر يقدم رسالته ولا يقصر، ولكن التأثير ما عاد كما كان سابقا، وبعض الشعوب وقاداتهم كما تعلمون انقادوا لأعداء الأمة وباعوا القضايا الوطنية بلا مقابل، للأسف، والشعوب غالبا تتبع قادتها بالاختيار أو بالإجبار..
- ما تقييمك،سيدتي ريما، للأدب الرقمي، وهل استطاع سد فراغ عزوف القارئ العربي عن القراءة؟
القراءة عادة جميلة. الأسرة تزرعها في نفوس أبنائها كالبذرة التي تنمو وتكبر تدريجيا، حتى تصبح ديدن الشخص، وترفدها وتعززها المدارس والجامعات، وبالتالي، من يكون ديدنه القراءة سيقرأ ويستمر بأي شكل وفي أي اتجاه.
أما الأدب الرقمي فسوف يقبل عليه من اعتاد القراءة واستمتع بها وكانت نهجا له من البداية، ولكن هذا لن يجدي مع أولئك الذين ليست القراءة واحدة من اهتماماتهم..
- ما حظ المرأة من شعر شاعرتنا الكريمة ريما كامل البرغوثي، وكيف ترين وتقيمين التجربة الأدبية النسائية الفلسطينية خصوصا والعربية عموما؟
المرأة عندي قديسة! فهي تمثلني. وأنا أحب نفسي كامرأة لها دور فاعل في الحياة الاجتماعية والثقافية وغيرها. والمرأة لا أراها نصف المجتمع، بل هي كله. فإذا صلحت أصلحت أسرتها، وبالتالي صلح المجتمع كله، وهي أساس الحياة والأسرة، ولها عندي الكثير. فكل قضية تؤرقني وأكتبها عن نفسي، يكون هناك آلاف النساء يعشن تجربتي. ومع ذلك خصصت لها شيئا من شعري، في مثل قصيدتي (كل لا نصف).
وللأسف، الآن، هناك حرب على الأسرة المسلمة، تنزع الأم من عائلتها، وتشغلها بأمور تقصر معها في تربية أبنائها على تعاليم الدين الحنيف، بدعوى التحضر والترفع، ويؤتى بمربيات وخادمات غير مسلمات ولا عربيات، يربين الأبناء عوضا عن الأم، فتخرج لنا أبناء لا علاقة لهم بدينهم ولا بهموم أمتهم من قريب أو بعيد..
- شاركت الشاعرة ريما البرغوثي في عدد من الملتقيات الأدبية، وفازت بجوائز قيمة في مسابقات شعرية، ومنها مسابقة القدس، التي فازت قصيدتها”أرض الرباط” بالمركز الأول. هلا حدثتنا، سيدتي، عن مشاركتك في هذه المسابقة وعن شعورك وأنت تكرمين من طرف نخبة أدباء الأردن الشقيق.
الحقيقة أنني لا أحب المسابقات لأنها تأتي أحيانا بقصائد متكلفة، تكتبها لأجل المناسبة، ولكن حين يتعلق الأمر بالقدس، لا أحب أن أقصر، وتخرج كلماتي من أعماق قلبي، وعلى أجمل البحور، وكان شعورا جميلا جدا أن تكرم قصيدتي في المرتبة الأولى، بحضور ثلة من كبار الأدباء والشعراء والمثقفين، في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وأتقدم بالشكر الجزيل للقائمين عليها..
- يمتاز شعر ريما كامل البرغوثي بالسلاسة والجاذبية والجمالية والوضوح والروح الإسلامية، وهي سمات الشعر الناجح. ما رأيك ،سيدتي، فيمن يجنح للغموض والرمزية الموغلة، التي لا تخدم جمالية المبنى ومقصدية المعنى، وما هي في نظرك شروط الشاعر الناجح؟
أنا مع أن يكون الشاعر عميقا في تجاربه الشخصية، وأن يبدع ويبتكر في الصور والأخيلة، في حدود أن يفهم القارئ أو السامع ما يقول، وأن تصل الفكرة لمن يتناول النص. فعندما نقرأ لشعرائنا القدماء الكبار، أهل اللغة وسدنتها، نفهم ما يقولون، وربما التبس علينا لفظ قديم يسعفنا به المعجم، بينما نقرأ لشاعر في وقتنا هذا، فندور حول أنفسنا، لضياع الفكرة وعدم الوصول للمقصد الرئيس من القصيدة، وبالتالي من يغرق في الغموض والرمزية برأيي يحتفظ بنصه لنفسه، لأن معظم من يصفقون له يدعون الفهم ولا يفهمون مقاصده. وهذا لا يعني أنني ضد عمق الصورة وجمالها، الذي يجعل القارئ يتلذذ بتحليل معانيها وعباراتها وصورها المبتكرة غير التقليدية، فيقرأ النص مرات ومرات، وربما حفظ أبياتها عن ظهر قلب لإعجابه بها..
- كيف نجعل من الأدب رسالة حضارية للتغيير وغرس القيم النبيلة في المجتمع والدعوة إلى الله عز وجل؟
الشاعر يكتب وينشر أدبه في دواوينه أو على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أو يلقيه في أمسيات ومهرجانات، ولكن لا يستطيع إجبار أحد على تبني قصائده والعمل عليها وتحليلها. وأكثر من له تأثير في هذا المجال وزارات الثقافة ودوائر وضع المناهج للمدارس والجامعات، والتي بإمكانها انتقاء ما يوصل الرسائل المطلوبة والتي تنفع الأجيال القادمة،
والشاعر في أمسياته أيضا بإمكانه انتقاء ما ينقل رسائله للمستمعين، وخاصة إن كانوا في مواقع قادرة على التأثير والتغيير..
- ما هي مشاريعك المستقبلية، سيدتي، فيما يتعلق بالإبداع الأدبي عموما والشعري خصوصا؟
أنا والشعر قصة عشق لا تنتهي! فأنا مع نفسي أتنفس الشعر وأعشقه ولا أمله!
أصدرت ديوانين ورقيين:
- الأول : (تراتيل الشتات)
- والثاني : (نوارس على شاطئ الاغتراب)
وكلما تجمع لدي ما يستحق النشر، سأعمل على نشره ورقيا بإذن الله.
ولديّ الآن ثلاثة دواوين في طريقها للنشر، تبعا لظروفي الصحية وتفرغي لجمعها بإذن الله.
وفي المقابل، بدأت بكتابة أحداث من سيرة حياتي وبعض المذكرات والمحطات المهمة التي توقفت عندها وأثرت بي، وحين أنتهي منها سأنشرها بإذن الله تعالى عنوانها (فتاة الريح).
ربما أبقي على هذا العنوان أو أغيره قبل النشر، سائلة الله سبحانه التوفيق والسداد لي ولكم.
- أخيرا نود منك، الشاعرة ريما كامل البرغوثي كلمة ختامية وإبداعا من اختياراتك كهدية للقراء الكرام.
أتوجه لإخوتي وأخواتي في العروبة والإسلام في الوطن العربي وخارجه بوصية هي أمانة في عنقي: أن يعيدوا للغة العربية مجدها وأن يجعلوها في الصدارة، وأن يكون القرآن الكريم دستور كتاباتهم بلاغة ولفظا ومضمونا، فهو القاعدة الأولى لإبداعات اللغة وأوصي نفسي وأرباب الأقلام ألا تكتب أقلامنا ما يكون وزرا علينا في الآخرة، وأن نجعل من القلم ما ينجينا من العذاب ولا يوبقنا، وأن يكون رسالة للحق لا مداهنا للباطل في زمن كثرت فيه الأباطيل والفتن، وأوصي الجميع بالقراءة التي تعود بالنفع والفائدة على النفس، فالإنسان المثقف منارة يراها الجميع ويستمد من نورها قبسات قلت أو كثرت، فلنكن منارات حقيقية غير مضلِّلة ولا مضلَّلة..
وأتقدم بالشكر الجزيل لإخوتي الرائعين في موقع منار الإسلام، وأدعو لهم بالتوفيق والسداد، لجهودهم المبذولة في رعاية الحرف الصادق النقي الطيب التقي..
والشكر الخاص للأستاذ والأخ الفاضل محمد فاضيلي على متابعته لأعمالي واهتمامه بها، وعلى هذا اللقاء الرائع الذي أرجو أن أكون قد وفقت فيه لإيصال ما بقلبي للقارئ العزيز
وأختار لكم القصيدة الأخيرة التي كتبتها بعنوان : (ترويدة الألم) ، والتي لم أنشرها بصفحتي بعد، وهي مجاراة لقصيدة أبي فراس الحمداني: (أراك عصيّ الدمعِ) آملة أن تنال إعجابكم
ترويدَةُ الألمِ ….
عكفْتُ على الأوجاعِ واشتاقني الصّبرُ
وأوهنْتُ عظمي والدّياجي لها الأمرُ
تمادت بقلبي الآهُ وارتدْتُ نبعَها
وضاقَ بأحلامي وأنّاتيَ العُمْرُ
كأنّي ودربي والجوى يقرعُ الجوى
تفاصيلُ موتٍ ملَّ من صمتِهِ القبرُ
تدورُ رحى الأيامِ والكونُ مطبقٌ
كأنّ بنا عمّا يُدارُ لنا سُكْرُ
حملتُ على رأسِ الجبالِ قضيّتي
فلم أرجُ من جدوى ولم يأتِني بِشرُ
وضاقت عليَّ الأرضُ رغمَ اتساعِها
وقد صار لي وصفٌ يخاتلُهُ المكرُ
أنا نازحٌ والعيشُ فيه مرارةٌ
ودمعي الذي أخفيتُ قد خانَهُ الكبرُ
وتحتَ خيامِ الليلِ أطرقتُ مرهقًا
وأثقلني حِملي كأنّي به وزرُ
يقولون لي (طأطئ) تعش في سلامةٍ
ورأسي تجاهَ الشمسِ يقتادُهُ الفخرُ
نقشتُ على جدرانِ بيتي قصيدةً
معلقةً في القلبِ ما رابَها الدهرُ
حفرتُ حروفي من لهيبٍ فأوقدَتْ
شموعًا بقلبِ الظلمِ ما خانَها السطرُ
وأطلقتُها عبرَ البحورِ حكايةً
فما هزَّها في الدربِ مدٌّ ولا جزرُ
على كلِّ حرفٍ في الضلوعِ روايةٌ
تساورُني والليلُ يلهو به الفجرُ
تنيرُ دموعُ الشّمعِ دربَ خلودِنا
وتحرقُ أوقاتًا يعاقرُها القهرُ
فما نحنُ إلا بينَ يومٍ وليلةٍ
ونمحو عن الأرواحِ ما خطّهُ الذّعرُ
نزيلُ نجاساتٍ تمادت نتانةً
وننقضُ غزلًا حاكَهُ النّفثُ والسّحرُ
نغربلُ ماءَ النّبعِ من شرِّ حاقدٍ
ونمحو سطورًا شابَها العارُ والغدرُ
نطرزُ في وجهِ الزّمانِ بطولةً
ومن كان خوّانا فأنّى له العذرُ؟
صَبرْنا وطالَ الصّبرُ وانداحَ همُّنا
وبُحْنا وكان البوحُ في همسِهِ الجَهرُ
وكان لظى الآهاتِ يكوي دروبَنا
ولمّا خطوْنا كم تسلّى بنا الجمرُ
وكم ضاقت الأنفاسُ واستحكمَ الجوى
ونارٌ وراءَ الضّلعِ يشقى بها الصّدرُ
كأنَّ حياةَ المرءِ باتتْ مَقيتةً
وأنَّ دروبَ العيشِ يجتاحُها الخمرُ
فما عادَ ليلُ الشّوقِ موّالَ عاشقٍ
ولا عادَ قلبُ الصّبِّ يزهو له البدرُ
ولا عادَ نجمُ العُربِ يرخي وميضَهُ
ولا نحنُ في الحسبانِ يُرجى لنا قَدْرُ
وكنّا أناسًا يُستطابُ بذكرِنا
فضِعْنا وضاقَ العيشُ واستُخمِدَ الذّكْرُ