منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دورة الاستدراك ( 2)

دورة الاستدراك،( 2)/ لحسن بن علي الرحالي

0

دورة الاستدراك( 2)
لحسن بن علي الرحالي

دورة الاستدراك (1)

ما يزال صوت النجاح يتردد في مسمعي بين جنبات الطرق، وتعابير الوجوه المستبشرة تتلقاني لتزف إلي فرح النجاح في الباكالوريا، وكعادتي أستقبل مسرات الشباب وأفراحهم بالقبول والمبادلة بالزيادة، ويتلقاني البعض الآخر من الشباب بشيء من الحسرة الذابلة، والآمال المترقبة، ليشكو جور الزمان عليه، ومجهوده الذي انهدر في لحظات الامتحان، وما يخامر عقله من هفوات حصلت وما رحمت …

يقول قائلهم: ” مجبتش الباك، ولكن عندي استدراكية”، هي جملة عادية في عبارتها وسياقها، لكنني أنظر إليه بنظر آخر غير ما ترمي إليه، فإذا اعتبرنا ” الباك” هو الأصل، و “الاستدراك” هو الاستثناء، فإن غالب الناس يميلون فطريا إلى إحراز المناقب الأصلية، واستبعاد المستثنيات والنتائج التبعية.
وعبارة” الاستدراك” بمفهومها التعليمي الأكاديمي، يراد بها التحاق باقي التلاميذ الذين لم يحصلوا على الباكالوريا في الامتحان الأول، وإعادة امتحانهم في المواد نفسها بغية تحسين معدلاتهم وارتقائهم لصفوف النجاح.

وكيفما كان الحال، فإن عملية التعليم قد خطت خطوات جديدة لنشل متاعب الشباب وهمومهم القديمة إلى متاعب أشد وهموم أعقد، ولست هنا منظرا للتعليم والتربية، وإنما أكتب ما يراه ذا هم وتعب…

وأنا أبحث عن طريق سليم لأواسي بها التلاميذ الذين لم يحالفهم النجاح في الدورة العادية، أشفقت غاية الاشفاق على المدرسين والمدرسات الغيورين والغيورات على التعليم المغربي، وكيف حالهم مع جمهور التلاميذ الذين تتخطفهم شتى وسائل الفتن في هذا الزمان، كيف حال الآباء والأمهات ؟ الذين عاشوا مع أبنائهم كل لحظة بلحظة، يرقبون ويتابعون ويعانون، ويحملون في دواخلهم نار الترقب الموقدة، ينتظرون هواتف النجاحات وانطلاق الحفلات وطي المسافات…

قد لا يشعر الأبناء بذويهم، ولا أظن أنهم إن شعروا بهم فهموهم، فبين الأبوة والبنوة مفاوز لا تدرك، وبعد لا يقرب، لكن الله غرس بعض أفراح الوالدين بفرح أبنائهم، وبعض مخاوفهم بمخاوفهم، والأمر لله الواحد القهار.

لقيت أحد الشباب “المستدرك” وقد غشيه الحياء أن يلقاني فيخبرني أنه لم ينجح في الدورة العادية، مع أنه أخذ بالاسباب وقام بما يستطيعه من جهد ومثابرة للنجاح، لكن التيسير لم يحالفه…عانقته وربتت على كثفه مرارا، بل قبلته حتى شعر أنه نجح، هنأته على كفاحه العلمي، وتفانيه في الانقطاع عن كل المشاغل، والانكفاء على المراجعة والمطالعة والحفظ … ووعدني أنه سيبدل جهده في ” دورة الاستدراك”.

أيها الإنسان ….لو سمح لي وقتك، وتفرغ لي ذهنك، لأذكرن لك شيئا يأنس به قلبك، وتتوهج له روحك، وتنبعث في جوانبك مسارح الآمال الناظرة إلى الجمال…
هل فكرت يوما في “الاستدراك” ؟ هل نطقتها بلسانك صحيحة ؟ هل استوعبها عقلك ؟

قد يبدو لكثير من الناس أن “الاستدراك” هو اللحاق بركب الناجحين في الدورة العادية، لكنني أرى في هذا الأمر أعظم من ذلك، فالاستدراك فرصة، والفرصة امتياز،ومن مرادفاتها في اللغة العربية: السانحة، والإمكانية،والاحتمال، والمجال، والمناسبة، والدور، والنوبة، والوقت المناسب، وغيرها وغيرها…

الحياة كلها استدارك، لو نظرت إليها بتفاصيلها تجدها استدارك في استدراك، مبنية على الاستدراك، الحياة كلها تراكم من الاستدراكات.

تستدرك ما فاتك من الإيمان، لتحظى بنجاح التوجه والتسليم والانقياد، والخروج من ضيق الكفر والضلال إلى فسحة الايمان بذي الجلال، تنبعث في روحك أنوار الهداية والاستعانة والرجاء والتوكل، تستدرك بهم ما ران على قلبك من غواش الظلام والظلال والفتون والكبر.

” الاستدراك “محاولة لإصلاح الأعطاب القلبية والانكسارات الروحية، الاستدراك تجديد العهد مع الله، بالتوبة والانابة والعودة واقتناص الفرصة واختيار الخيار المناسب مع الله، وفي سبيل الله قبل فوات الفرصة الاستدراكية السانحة.

الاستدراك هو ترميم خوالج النفس بالصفاء، والعودة بها إلى مرافع السماء، حيث البهاء والهناء، والحوبة إلى معارج الفضاء، فضاء الاستكانة والخضوع، وحسن الظن برب الكون “ولسوف يعطيك ربك فترضى”.

الاستدراك إعلان مقاطعتك لشرور نفسك، وقطع السبيل إلى مسالكها، والتيقن بالنهايات بعد معرفة البدايات، والامساك عن الغرور الذي يفتك بالسرور،” يا أيها الإنسان، ما غرك بربك الكريم”.

الاستدراك انقاد نفسك من هواها، وانقادها من ماضيها المؤلم، والارتقاء بها إلى الحرية والانعتاق بالتمسك بجناب ربنا الرزاق، وحملها على محاسن الأخلاق، ودفع الشر عنها وكل غير ذي خلاق، وذلك بتزكيتها الزكاة المرضية ” يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك “.

الاستدراك انتهاز الفرصة مرة أخرى للتعبير عن خوالجك العاطفية أمام من تحب وتهوى، فرصة سانحة تهدى لك لاستدراك ما فاتك من نشر المحبة والود والترضي، إذ الحياة ومواقفها وأسرارها وأحمالها تهدي إلينا “استدراك” ما فاتنا من الحضور في تلك المواقف والشعور بها والدفئ المنبعث منها، او اعتبار تلك الاسرار ذوات الأستار، أو استقبال ما حملت وأنجبت، ” الأيام حبلى، لا يدري الإنسان ما تلد له “.

الاستدراك هو تغيير الألفاظ الدالة على التقدير الخاص لوالديك وزوجك وأبناءك وأهلك ، الاستدراك تعلم ما فاتك في الدورة الفائتة من معجم الحب والاعجاب والمودة والرحمة وخفظ الجناح، وغيرها من أدبيات اجتياز الامتحانات.

الاستدراك استجابة للنداء المتكرر في الصلاة، فإن فوات حضورك في صلاة الظهر يعقبه استدراك في صلاة العصر، وفوات تركك للصلاة عامة يعقبه التزامك بها مرة أخرى واستدراك ما فاتك من جمالها وجلالها…ألم تسمع وترى أن النداءات في العبادات متكررة في الغالب، لإشعارك بمدى “الاستدراك”.

الاستدراك هو التأكد بأن ما فاتك لم يكن لك، وما كان لك لم يكن ليذهب عنك، وأن اختيارات ربنا لك في الأواخر أعظم وأفضل لك من الأوائل.

الاستدراك دورة جديدة لحياة أجمل مع الله، وفي الله، وإلى الله، تبدأها بالتخلي عن نواقص الدورة الماضية، وتعزيز مكتسباتها، ورفع مستوى التحدي فيها، واختيار الأنسب لاجتيازها، والمحافظة عليها، وعلى الله قصد السبيل.
……يتبع لاحقا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.