منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دورة الاستدراك (1)

دورة الاستدراك (1)/ لحسن بن علي الرحالي

0

دورة الاستدراك (1)
بقلم: لحسن بن علي الرحالي

تابعت مجريات أنباء نتائج الباكالوريا ليلة أمس، ورأيت كما رأى الناس جميعا انطباعات التلاميذ الناجحين والمستدركين وردود أفعالهم، والذي أدهشني أكثر هو تفاعل وانفعال أولياء الأمور بين مسرور وقلق وراض…

ثم عادت بي الذكرى إلى سنة 2007، يوم حصلت على شهادة الباكالوريا بمعدل متواضع جدا 11,70، وكان وقتها تعلق لوائح المعدلات في بهو الثانوية، يراها الغادي والرائح، والقريب والبعيد، والصديق والعدو ، تنشر كما تنشر صحف الناجين والمفقودين إثر بلاء نزل بالقوم…

كنت حينها أمتهن في وقت المصيف تجارة مربحة، أتناسى بها أنني تلميذ ينتظر نتائج مبهرة أو معجزة نازلة، لم أكن بذاك التلميذ المجد صراحة، لكنني أحب شيئا من المواد الدراسية وبعض أحوال المدرسين آنذاك، فمرة يغمرني شعور بالعلمية يأخذ بتلابيب عقلي حتى أصير أستاذا مبرزا في تخصص ما، أو موظفا في قطاع إداري أنتقم فيه من كل سنوات البؤس العلمي الذي عشته وعايشته، وتارة ثالثة يعظم في قلبي أنني سأصير نجما علميا في سماء هذه الأرض، وكثير وكثير من كل هذا الهراء الذي مر علي…

أعود بك لتسمع قصة النجاح أو بالأحرى نجاح العلم، لأنني كنت أستبعد تماما أن أنجح في الباكالوريا، لسبب بسيط جدا، هو أنني لم أعتد على النجاحات والاستحقاقات المدرسية لافتقادي للتوجيه والترشيد العلميين في أغلب فترات الابتدائي والاعدادي والثانوي كعادة غالب تلاميذ ذاك الزمان، لكن هناك سرا يحتجنني في صدري ويجثم على يميني يحركني مرة تلو الأخرى إلى الانصات لنداء الدراسة وما إليها….

ولا أخفيك أيها السامع أنني لم أحسن تهجئة الحروف إلا بعد أن بلغت المستوى الثالث ابتدائي، وأما الفرنسية فحدث ولا حرج، فإني لم أفرق بين حروفها إلا بعد أن بلغت السادس ابتدائي، حينها كان الأستاذ الوردي رحمه الله يقسو علي لفرط محبته لي، فأكلت عنده من العصى ما يأكل الطبل يوم العرس، فصرت أفرق بين g و j والحمد لله …

رغم أنني لم أتفوق في تهجئة الحروف وقراءة النصوص، إلا أنني -والحمد لربنا – كنت أحفظ سورا كبارا من القرآن الكريم، وقصائد يستصعبها حفاظ الشعر الكبار، وكل ذلك سماعا دون أن أقرأها من كتاب، فقد كنت أحضر مجالس القرآن في المسجد وأنصت وأحفظ، وبالتكرار ثبتت كلها في ذهني، حفظت البردة ، والهمزية، والمنفرجة، والناصرية وغيرها في مجلس سيدي الحاج عبد الله الفارسي رحمه الله، وكان يقربني إليه كأن الله أوزع إليه أن هذا الطفل من ذوي الحاجات الخاصة، وهو كذلك، فالذي يملك كل هذا المحفوظ ولا يدري كيف يجمع كلمة واحدة، لا شك أنه من ذوي الاحتياجات…

ولأضع معنى قريبا بين يديك فأنا كالذي يملك أموالا كثيرة لكنه سفيه في ترشيدها ومعرفة أصلها، كانت القراءة عندي عقبة قاصمة في بدايات حياتي، أتألم جدا حين أدخل إلى القسم، وأرى وأسمع تلاميذ في مثل سني يقرؤون من كراريسهم وأنا أحملق فيهم، رحم الله أستاذتي الدودي وسقى قبرها روحا وريحانا التي درستني في المستوى الأول ابتدائي حين طلبت مني أن أقرأ فقرة من ( القراءة) فوجمت في نفسي، وتغيرت ملامحي، وانطبعت في وجهي نظرات زملائي بالاستهزاء والتعجب، فبعد أن نظرت وبصرت، وبصرت ونظرت، وطأطأت رأسي ورفعته أنظر إليها نظر التعيس البئيس، أحسست حينها أنني لا أستحق مقعدا في تلك المدرسة، وأنني عالة على برامج التعليم، هجمت علي حينها خواطر نفسية طفولية بريئة لا أدري كيف أصفها الآن بعد أن تدنست مع مرور الزمن…

بعد هذه النكسة المؤلمة، شعرت أستاذتي بشيء ما أريد أن أقوله لها ، فاستوقفتني وأشارت إلى تلميذ آخر أن يقرأ، فبدأ منطلقا يسارع الحروف ويخيطها حرفا حرفا، وأنا مسمر في هيأة أهل الجماجم، أشخص في ضباب قراءتي وريح عقلي المنهب، وكيفما كان هذا الموقف، فإن أستاذتي أنقدتني من مزيد همسات التلاميذ واستغرابهم لتلميذ يحسب منهم وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب….

عدت إلى المنزل حينها وأنا أجر أديال الخيبة والندامة، وأندب حظي العثر، ونحس اليوم الذي دخلت فيه إلى هذه المدرسة، فأنا لم أعتد إلا على لوح أردد ما فيه حتى أحفظه دون أن أعلم تفاصيله، وأحضر الحزب الراتب فأسمع وأعي…

في ليلة ذلك اليوم المشؤوم ساعدتني أختي أمينة لأقرأ نص المذياع من كتاب القراءة، فكانت تقرأ لي وأعيد ما تقرأ لكن دون جدوى، ثم طلبت منها أن تقرأها مرات متعددة علني أعقلها ففعلت -جزاها الله- بلا فائدة، كأنها تسكب الماء على اليقطين..

انصرفت إلى حالي، وتأكدت أنني لا أصلح لمثل هذا، وفكرت أن لا أعود مرة أخرى إلى المدرسة، أتخيل في ليلي نظرات معلمتي فيهجع نومي ويأرق، وهمسات أوغاد التلاميذ الذين بجانبي، سامحني الله وإياهم، هم -في نظري- في تلك اللحظة أوغاد، لأن الجهل عدو العلم دائما، لا يعرف عمرا ولا زيدا ، ولا سنا ولا جيلا …

عدت إلى المدرسة في اليوم التالي، وأنا في غاية التسليم لما سيحصل مرة أخرى، فبدأنا- والعياذ بالله- بالقراءة، أصابني مغص شديد في بطني، وأوجمت نفسي،وخرص لساني، وشخصت عيناي… إلاهي إلى من تكلني، إلى قريب ملكته أمري، أم إلى بعيد يتجهمني.

بدأ كل واحد يقرأ نصيبه من فقرات النص، وكنت ألقي سمعي إليهم جميعا، لأتذكر الكلمات والحركات وأشكالها وأماكنها لعلي أحفظها، فلما وصل دوري … قلت – والله غفور- كلاما لا أظنه من مكتوب الإنس، خلطت بين الحروف والكلمات، وما بقي في ذهني من قراءة أختي، فصار ذلك النص يظهر لي كأنه جوقة من حثالى اللقطاء من الكلمات، لا تبغي واحدة لتستقيم مع أخرى…
هل كنت تنتظر أن أخبرك أن الله أوحى إلي بعلم خاص، فقرأت كما يقرأ الناس، وأنني قد انتصرت على جهالتي، واجتزت ما كان من ندامتي، لا لا أبدا، لم يكن شيء من هذا-مع الأسف-.

لم أجد طريقا لقراءة النصوص إلا أن أحفظها بعد سماعها، فكذلك كان الحال، والله المستعان…

لكنني أحمد لمعلمتي رحمها الله وعطر ضريحها، أنها كانت تحبني جدا، وترأف بي، وتعلم أنني وإن كنت لا أحسن تهجي الحروف، إلا أنني حاولت مرارا وتكرارا فلم أفلح، وتقدر مجهودي البسيط لأسعدها ولو لمرة في قراءة كلام منظم.

ولا أنسى لها في حياتي أنها أشعرتني مرة بالشموخ أمام سائر زملائي لأنني رسمت مسجدا في درس التربية الفنية، ولونته فأحسنت تلوينه، فأبهرها ذلك، أو قد خيل إلي ذلك، فأقامتني أمام السبورة لأرفع كتابي عاليا لينظر إليه أربعون تلميذا في قاعة طويلة تكاد لا ترى آخرها.

هذا الموقف منها لا يمكن أن أنساه، لأنها أشعرتني بالتقدير والاعتزاز والفخر، على الأقل أظهرت موهبة كنت أجهلها، قد يكون ما رسمته ليس بشيء، أو قد تكون فعلت ذلك مجاملة لطفل شبع من التنكيل والاستهزاء، لكن طريقة تقبلها لما رسمت، وتشجيعها لي، جعلني أحس أنني أتوج بجائزة نوبل أو أكثر منها ….

يتبع لاحقا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.