منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطاب القرآني وجماليات الامتداد – الدلالي للملفوظ

جواد عامر

0

الخطاب القرآني وجماليات الامتداد

الدلالي للملفوظ

جواد عامر /المغرب

أعجز الخطاب القرآني أرباب الفصاحة واللسن ببلاغته التي وقف منها أفصح العرب موقف ذهول وتحير، فوجد له حلاوة وطلاوة وإغداقا وإثمار وعلوا لا يعلى عليه، فقد أحسوه شعرا بنغمه وجرسه وإيقاعه لكنه لم يكن كالشعر الذي ينظمونه واستشعروه سجعا تتحد فواصله وتنبس بنغم موسيقي مطرب لكنه لم يكن كسجع كهانهم، فأدركوا ضعفهم أمام سحر قرآن خاطبهم بنفس سننهم ومعجمهم، لكنه كان مختلفا عما جرت عليه عادات القول عندهم، بل إنه خاطبهم بما تستطيع عقولهم استيعابه مستقى من بيئتهم فحضر النخل والعرجون والأوتاد والجمل والجبل وغيرها من ظواهر الطبيعة المرئية، فكان وجه الإعجازالذي تقبلته النفوس وأدركته العقول بلاغي المنحى يوافق البيئة العربية التي مازتها الفصاحة والبلاغة وروح التنافس بين الخطباء والشعراء في أيهم أجود واحسن، فجاء القرآن على نفس الهدي السائد في البيئة ليكون تلقيه محمولا على نفس المنهج والدأب وهذا في حد ذاته يعد وجها من وجوه الإعجاز، غير أن الخطاب القرآني وهو الخطاب الصالح لكل زمان ومكان يحتاج إلى أن يمد أغصان إعجازه خارج أسوار العصر الذي نزل فيه، فكان لابد له من ممارسة امتداداته بنفس الخطاب لكن بنسق إعجازي يتلاءم مع العصر الجديد، عصر العلم والتقنية.

لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرآن كتاب لا تنقضي عجائبه ولابد أن من أعاجيب هذا الكتاب أنه استطاع أن يخاطب روح كل عصرحسب سماته التي تصنعها متغيرات التاريخ، فلما كان القرن العشرون والواحد والعشرون قرنا علم ورقمية وتقدم تكنولوجي هائل في شتى مناحي العلوم، كان لابد للخطاب القرآني أن يتكلم بلغة العلم والرقم ليكون حجة على أهل هذا الزمان مما نأت عنهم العربية وبعدت عنهم الصلة ببلاغتها وبيانها، إذ هم أهل حفظ وترديد للقول دون ذائقة وسجية تدرك مناحي وضع اللفظ ولما وضع وفهم وإدراك لتواؤم اللفظ ومعناه وعلم بدور الصوت في اللفظ وفي النسق والنص كله، فهي من مثل هذا بعيدة كل البعد حسبها أن تدرك بعض المعاني التي وقف عندها أهل التفسير، لذلك كان لابد للخطاب القرآني من طريق آخر يسلكه حتى يتناسب إعجازه مع روح العصر الجديد، فكانت تلك الومضات العلمية المدهشة والأبنية الخاضعة للمنطق الرقمي وسائل تثبت إعجازه لأهل هذا الزمان في كل الأرض، وتؤكد الربوبية والألوهية والوحدانية لله تعالى.

لقد زخر القرآن في كثير من سوره وآياته بومضات إعجازية باهرة كانت سببا في إسلام علماء كبار في العالم وتتوالى الاجتهادات اليوم في الكشف عن مناح أخرى سواء في إعجازه العلمي أو الرقمي غير أن المثير في الأمر هو أن القرآن الذي أعجز العرب ببلاغته وبيانه هو نفسه الذي أظهر إعجازه في ألوان العلوم وصنوفها بنفس الخطاب ونفس اللغة ونفس النسق، فلم يحتج القرآن مطلقا أن يغير من جلده شيئا وههنا مكمن رائع من مكامن الإعجاز الرباني، فالقرآن الذي خاطب العربي بقوله تعالى { والجبال أوتادا } [ٍالنبأ 7]، من باب التشبيه البليغ لينقل صورة الجبل على هيئة الوتد الذي يغرس في الأرض لشد سبب الخيمة إليه حين ضربها، يتلقاه العربي بذائقة بيانية تدرك طبيعة الصورة وتفطن إلى مرادها هي نفسها العبارة التي أخفت حقيقة جيولوجية أدركها العلم الحديث تقول بانغراس الجزء الأعظم من الجبل في الأرض ليكون وسيلة لشد الأرض من الميد كما هو حال الوتد يشد الخيمة ويمنع عنها السقوط، فيكون التلقي بين العربي مالك الفصاحة وإنسان العصر الحديث مختلفا أحدهما يحكمه الذوق اللغوي والآخر يسيجه الفكر العلمي وكلاهما تلقيان يحققان الغاية نفسها وهي الإعجاز.

ولما خاطب القرآن العربي بقوله تعالى { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } [يس 39]، يكون قد رسم صورة بلاغية قائمة على تشبيه جميل للقمر الذي يمر عبر أطوار يغدو فيها هلالا مقوسا مصفرا كحال عرجون النخل حين يصير يبسا فيتقوس ويصفر حتى تخاله العين هلالا معلقا في النخل، إنه خطاب يستقي الصورة من البيئة العربية التي يميزها النخل وطلعه النضيد وعرجونه وأكمامه، فيكون الخطاب متلائما مع ماهو سائد في بيئة العربي وفي نفس الآن يحقق إعجازه العلمي المتعلق بأطوار القمر التي يعرفها أهل الفلك ليمهد بذلك لما سيأتي من إعجاز باهر في الآية الموالية يقول تعالى { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [ يس40].

ولما ذكر الله تعالى أمر الصعود في السماء قرنه بضيق الصدر فقال تعالى: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصَّعَّدُ في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } [الأنعام 125]، فالصورة البلاغية تحمل المتلقي العربي على الإحساس بهذا الضيق لمن هو خارج دائرة الإسلام كمثل صاعد إلى الجبل يجد من تلاحق الأنفاس وتواليها مشقة على صدره وهو أمر لا يخفى على الرجل العربي الذي سلك الفيافي وصعد الجبال لإاول صورة لهذه المشقة تكمن في اللهث المتسارع، لكن الصورة تمنح تهويلا أكبر كانت العرب تعلم أن إتيانه يكون لأمر جلل لأنه يحمل على المبالغة، فالصعود في السماء أكبرمن صعدة الجبال ما يزيد ذلك الإحساس بالضيق أكثر، إنها نفس العبارة القرآنية التي أخفت حقيقة علمية باهرة كشفها العلم الحديث تقول بنقص الأوكسجين في الطبقات العليا ما يسبب أضرارا بليغة بأجهزة الجسم لحد الانفجار فتجاوز 25000 قدم سيكون حتما فناء للإنسان بعد تضيق أوردته وانفجارها،فالضغط الجوي يقل مع الارتفاع ما ينقص الأوكسجين لذا فمعروف عند أهل العلم في هذا الباب أن الصعود لأكثر من ارتفاع 10000 قدم سيسبب ضيقا في التنفس لكن تجاوز رقم 25000 فلن يكون هناك تنفس على الإطلاق، ما يعني موت الإنسان في هذا الارتفاع.

ولما يقول الله تعالى {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور40]، فقد تلقى العربي الآية محمولة على ظاهر الكلام من باب تقريب صورة الجاهل الكافر الذي يسير خبط عشواء بغير اهتداء لأنه يقلد غيره من أهل الكفر والضلال، فهو في ظلمات لايستطيع أن يرى فيها يده إذا ما اخرجها غير أن الآية تحمل إعجازا علميا مذهلا أثبته علم المحيطات والبحار من وجود موج داخلي غير الموج الظاهر على سطح البحر بفعل حركة الرياح ووجود ظلمات تتراكب فوق بعضها البعض إذ كلما تجاوز الغوص مسافة تحت الماء إلا وازدادت الظلمة حتى إن أهل العلم كشفوا عن وجود كائنات بحرية تعيش في هذه الظلمة لا إبصار لديها وإنما تعتمد على حواس أخرى فسبحان الخالق بديع الصنع.

وفي مجال الرقم فقد اثبت المشتغلون في المجال تناسقا فريدا من نوعه للاستعمالات الرقمية سواء على مستوى الحرف أو المفردة القرآنية أو تناسق الترتيب بين السور، وذكروا أمثلة كثيرة من هذا الباب كعدد أيام الشهر التي توافق اثنا شر وعدد الأيام التي توافق عدد أيام السنة وتوافق الكلمات المتضادة كالدنيا 115 مرة والآخرة 115 والحر 40 مرة والبرد 40 مرة والملائكة ومشتقاتها 88 مرة والشياطين ومشتقاتها 88مرة وغير ذلك كثير مما تم إحصاؤه وعن فواتح السور ذكر أهل العلم أن الحروف المقطعة تتردد بشكل أكبر على طول السورة ويكون الحرف الأول أكثر من الثاني وهذا أكثر مما يليه إلا [يس] فلا يقاس عليها هذا التردد للحرفين ولهذا جاءت الياء قبل السين وهذا من بديع القرآن وجماله الرقمي الذي يدل على أنه كتاب من الله سبحانه نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

إن هذه الأمثلة التي سقناها غيض من فيض في الخطاب القرآني تدل على أن القرآن كلام معجز في كل ناحية، استطاع أن يمتد ملفوظه ونسقه التعبيري إلى كل العصور بدون استثناء متمتعا بجماليات فريدة يعلو بها ولا يُعْلى عليها ما يجعله خطابا كونيا للناس كافة، مصداقا لقوله تعالى { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } [ الفرقان 1]، ليظل التلقي القرآني متخذا أنساقا تتواءم مع طبيعة التاريخ وأنماط الثقافة التي يوجهها التفكير السائد في البيئة الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.