منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الجابري والتشكيك في حقيقة القصص القرآني

0

لقد فعل الجابري خطيئته الكبرى – التي استحيى عتاة المستشرقين من الإتيان بنظير لها-  عندما  شكك في صحة جمع القرآن الكريم، مما سهل عليه الإتيان بكل خطيئة أخرى قد لا تخطر على بال في حق القرآن الكريم.

ففي النصف الأول من القرن الماضي تقدم محمد أحمد خلف الله بأطروحة جامعية تحت عنوان ) الفن القصصي في القرآن ( ذهب فيها إلى أن القصص القرآني صيغ صياغة فنية أدبية، وسيق في القرآن بغرض العبرة والعظة، وأنه لا علاقة للقصص الوارد في القرآن الكريم بالحقائق التاريخية، وبالتالي فليس لهذا القصص أي مصداقية تاريخية »وبعد معركة فكرية –  وصلت ذيولها إلى البرلمان المصري – أوقفت الرسالة ، و منعت مناقشتها و إجازتها..فلجأ خلف الله إلى موضوع آخر نال به درجة الدكتوراة.. « [1].

وبعد عقود من الزمن جاء الجابري ليكرر بشكل لا يليق به ما انتهى إليه، ونهي عنه، خلف الله، وفي ما يشبه نوعا من التهوين الذي يريد الجابري أن يخفف به على القارئ خطورة ما ستخطه يمينه يزعم أنه لن يهتم »هنا بتلك القضية التي شغلت و تشغل الدارسين للقصص القرآني في العصر الحديث و المعاصر . أعني بذلك مسألة العلاقة بين القصص القرآني والحقيقة التاريخية « [2]، قال الجابري هذا الكلام – الموهم – في المتن، وفي الهامش صرح بحقيقة ما يعتقده ما حيث تبنى ذهب إليه خلف الله بقوله :  » و مع أننا لا نختلف كثيرا حول هذه النتائج إلا أن طريقنا إليها يختلف عن طريق خلف الله ، كما أن دراستنا متحررة تماما من الجدل الذي دار حول موضوع القصص القرآني في ذلك الوقت « [3]، وكلام الجابري هذا صحيح تماما، لأنه فعلا قال بمثل ما قال به خلف الله أو أخطر منه، إلا أن طريقة الجابري تعتمد سبيل الغموض وطرح الأسئلة التشكيكية دون الجواب عنها، لتجنب الصدام ما أمكن، ولعل هذا الحرص على تجنب الصدام هو الذي يوقع الجابري في كثير من التناقضات كما مر في فصول سابقة وكما سنرى هنا أيضا.

ومن تلكم التناقضات في هذه المقام، قوله : إن »القصص القرآني هو نوع من ضرب المثل، و المثل لا يضرب لذاته و لا من أجل ذاته ، بل من أجل البيان ، من أجل العبرة ، من أجل البرهنة على صحة القضية التي يستشهد فيها بالمثل. وهكذا ، فكما يضرب القرآن المثل برجلين أو بجنتين من دون تحديد ، و كما يجري حوارا بين أهل الجنة و النار ، و القيامة لم تقم بعد…الخ ، فكذلك الشأن في ” قصص الأنبياء ” التي يذكرها…و الصدق في هذا المجال ، سواء تعلق الأمر بالمثل أو بالقصة لا يلتمس في مطابقة أو عدم مطابقة شخصيات القصة و المثل  للواقع التاريخي ، بل الصدق فيه مرجعه مخيال المستمع ومعهوده . فإذا كنا نعجب بمثل و ننفعل له فهو صادق بالنسبة إلينا ، أما صدقه في نفسه فلا يكون موضوع سؤال ما دام يثير فينا ذلك الانفعال المعبر عن الإعجاب والتصديق..«[4] .، وهكذا تنزل قيمة القصص القرآني عند الجابري إلى مستوى من يقوم ” بالحلقة في جامع الفنا ” فيجذب الناس إليه ويتجمهرون من حوله و كلهم آذان صاغية لما يذكره من الغرائب و العجائب المزوقة و المنمقة والمكذوبة يقينا ولكنها تصبح حقيقة يقينية بسبب ذلك الانفعال المعبر عن الإعجاب والتصديق !!! .

وكلام الجابري هذا يؤدي بنا إلى أن الذين كذبوا القرآن ورفضوه، و دعوا الناس إلى عدم الاستماع له لأنه مجرد أساطير تروى عن الأولين، لهم عذرهم ولا سلطان لأحد عليهم، لأن القرآن لم يحرك فيهم ذلك الانفعال المعبر عن الإعجاب و التصديق، وليس هناك ما يُستدل به على إن كان ما يذكر في القرآن الكريم حقائق تاريخية أو مجرد أمثال تضرب و أخبار تذكر، والخبر ما احتمل الصدق والكذب، ولا سبيل هنا إلى التفريق بينهما، فهل يوجد كلام أقبح من هذ الكلام في حق القرآن؟.

وهكذا تتعدد الحقائق عند الجابري، فلكل حقيقته[5]، وهذا ما يؤكد عليه في سياق حديثه عن الخلاف بين المسلمين و اليهود حول الذبيح المذكور في قوله تعالى :  » فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيِّ إِنِّيَ أَرَىا فِي الْمَنَامِ أَنـِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىا قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «[6]، فالحقيقة عند اليهود تقتضي أن الذبيح هو إسحاق، وللمؤرخين أيضا حقائقهم المؤكدة، ولكن الحقيقة القرآنية تقتضي أن » القرآن لا يشير إلى ميلاد إسحاق إلا بعد أن ذكر قصة الذبيح ، الشيء الذي يعني أن المعني هو إسماعيل . أما مسألة الحقيقة التاريخية فالانشغال بها هنا لا معنى له لأن المطروح هنا هو الحقيقة القرآنية ، كما أن المطروح بالنسبة إلى اليهود هو الحقيقة التوراتية ، و كلتاهما لا تخضعان لمقاييس الحقيقة عند المؤرخين « [7].

فليس في القرآن حقيقة مطلقة لأن الحقيقة عند الجابري وأمشباهه – وكما صرح بذلك أركون- أمر نسبي و » لأن المنطق التعددي يعبر بشكل أفضل عن مرونة الفكر البشري وحيويته«[8] ، وهكذا تصبح قصة نوح و إبراهيم و موسى و عيسى مجرد أمثال تضرب قد تصح و قد لا تصح، لأن » ما يجري في هذا القصص من حوار بين الأنبياء و أتباعهم من جهة، وخصومهم من جهة أخرى ، فهو في نظرنا كالحوار الذي يجري – في القرآن – بين أصحاب الجنة و أصحاب النار ، في وقت لم تقم فيه القيامة بعد « [9]، والأمر هنا موكول إلى أصحاب الحقائق التاريخية والبحث التاريخي، فالقرآن بين أيديهم ليحكموا عليه بالصدق أو بالكذب !! وقد فعلوا، عندما قالوا بأن الواقع التاريخي لا يؤكد زيارة إبراهيم عليه السلام لمكة [10]، وبالتالي فإن منهج الجابري يؤول إلى التكذيب بالقصص القرآني وعدم اعتبار ما ورد فيه  حقائق تاريخية.

ولكن المنطق التعددي يقتضي أن مجيء إبراهيم الخليل – عليه السلام – إلى مكة مثلا » يعتبر حقيقة لا تناقش بالنسبة للوعي الأسطوري أو المنغمس في الوعي الأسطوري . و لكنه لا يعني شيئا يذكر بالنسبة للوعي التاريخي الحديث الذي يضبط الوقائع ضبطا تاريخيا محققا « [11]، فهل هناك فرق بين هذا الذي ذهب إليه الجابري وأركون و غيرهما من صناديد الحداثيين ودعاة التغريب في العالم العربي والإسلامي وبين قول صناديد قريش »وَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إلآَّ إِفْكٌ اِفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ _اخَرُونَ فَقَدْ جَآءُواْ ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُواْ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىا عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً «[12].

ومما يؤكد جدية تشكيك الجابري في القصص القرآني وأنه اعتقاد يعتقده – وليس سبق قلم – ما ذكره عندما تحدث بعد ذلك عما ورد في القرآن الكريم مما يتعلق بالدعوة المحمدية حيث قال: » هذا في ما يتعلق بالأحداث التي يرويها القصص القرآني عن الأقوام الماضية ، أما ما ورد ، خلال حكاية ذلك ، مما يخص الدعوة المحمدية ، فهو حقائق تاريخية ، وردت في شأنها أخبار في كتب السيرة « [13]، فخلاصة كلام الجابري هذا تعني أنك إذا كنت تقرأ أيها المؤمن القرآن فعليك التمييز بين القصص المتعلق بالأمم السابقة وبين القصص المتعلق بالدعوة المحمدية، وعليك أن تعي أن القصص الأول لا يرد في القرآن على أنه حقائق تاريخية، بل هو قصص و أمثال للعبرة  والعظة، ليس لها أي وجود حقيقي في التاريخ البشري، أما القصص الثاني فهو حقائق تاريخية ، وردت في شأنها أخبار في كتب السيرة النبوية.

وقد فهمت للوهلة الأولى أن ابن إسحاق وابن هشام و غيرهما من رواة السيرة النبوية الشريفة أصدق قيلا عند الجابري من الله تعالى، ولكنه قام مشكورا بتصحيح هذا الفهم الخاطئ من جهتي، وبين لي أن هذه الأخبار الواردة في كتب السيرة ليست هي الدليل على صحة القصص الوارد في القرآن الكريم والمتعلق بالدعوة المحمدية، كلا » بل إن ما ورد منها في القرآن هو دليل الصحة فيها ، لأن القرآن منقول إلينا بالتواتر ، أما أخبار الرواة فهي أخبار آحاد ، معرضة للخطأ « [14].

فبالله عليكم هل رأيتم عبثا وتخبطا تناقضا كهذا ؟ مرة يعتبر الجابري القصص القرآني المتعلق بالدعوة المحمدية حقائق تاريخية بدليل أنها وردت في شأنها أخبار في كتب السيرة النبوية، ثم ينقض غزله بالقول إن ما ورد منها في القرآن هو دليل الصحة عليها، فما الدليل.؟

إذا كان القرآن عند الجابري هو الدليل على صحة ما ورد في كتب السيرة فلم كان دليلا هنا ولم يكن دليلا فيما ورد فيه من قصص الأنبياء السابقين ؟ فهل كان الجابري يعي خطورة هذه النتائج  التي يؤدي إليها  كلامه المضطرب في ميزان الدين و العقل معا ؟ ما سبب هذا التخبط ؟ هل هو التعجل في إخراج عمل ثقافي كبير لجمهور عريض ينتظره بغض النظر عن جودة المنتوج، لأن سمعة الكاتب و شهرته قد تغطي على كل نقص ؟ أم أن السبب في ذلك هو حرص الجابري على إرضاء قرائه المتنوعين، والذين فيهم إسلاميون ويساريون وعلمانيون وليبراليون، ولذلك نجده مرة يخاطب هؤلاء بما يرضيهم ثم ينقض غزله ليرضي آخرين وهكذا.

ربما لذلك نجد الجابري بعد أن كان القصص القرآني عنده مجرد أمثال تضرب بغرض العبرة و العظة و الصدق فيه مرجعه مخيال المستمع و معهوده و ما يحدثه فيه من انفعال يعبر به المتلقي عن الإعجاب و التصديق، أصبح هذا القصص حقائق تاريخية، لأن » القصص القرآني ليس قصصا خياليا بل هو قصص يتحدث عن وقائع ” تاريخية ” تدخل ضمن معهود العرب . و لم يكن العرب أعرابا ” أميين ” كلهم ، بل كان منهم يهود ونصارى في مكة و يثرب و شمال الجزيرة العربية و شرقها و غربها ، و كان منهم ” خبراء ” في الأنساب و “متخصصون ” في القصص : قصص نوح و الطوفان و فرعون، و أنبياء بني إسرائيل . كل ذلك كان يدخل ضمن معهود العرب الثقافي و الفكري، إضافة إلى قصص عاد و ثمود و أقوام آخرين ممن لم يرد ذكرهم في التوراة« [15].

الجديد في هذا النص – عند الجابري – هو أن قصص الأنبياء في القرآن أصبحت حقائق تاريخية، شهد لها بالصحة وجود يهود و نصارى في مكة و المدينة و شمال الجزيرة العربية وشرقها و غربها، سمعوا بالقرآن الكريم يذكر قصص الأولين دون أن يتعرضوا له بالتشكيك، أو على الأقل لم يصلنا اعتراضهم، وهكذا كما استشهد الجابري سابقا على صحة القصص القرآني المتعلق بالدعوة المحمدية بما ورد في كتب السيرة النبوية يستشهد هنا على صحة القصص القرآني المتعلق بالأمم السابقة بوجود خبراء  في الأنساب و متخصصين في قصص الأمم السابقة، فالقرآن عند الجابري هو الحجة و لكن الاحتجاج به يتوقف على ما يشهد له بالصحة، وهذا قمة التخبط والعبث والاضطراب !!!.

[1] رد افتراءات الجابري ، ص 87 .

[2] التعريف بالقرآن ، ص 259 .

[3] نفس المرجع و الصفحة .

[4] نفس المرجع ، ص 257 – 258 .

[5] يزعم محمد أركون أن : »الحق نفسه خاضع للتاريخية : إذ تتغير وجوههووظائفه بتغير نظرة العقل إليه ، وكذلك يتغير العقل بدوره بتغير النتائج ووجوه الحق التي يستبينها ويتعقلها ويعتمد عليها ليواصل منازعته الحق بالحق للحق «  . !! أين هو الفكر الإسلامي ، ص ix .

[6] سورة الصافات ، الآية 102 .

[7] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 66 .

[8] الإسلام ، أوروبا ، الغرب رهانات المعنى و إرادات الهيمنة لمحمد أركون ترجمة هشام صالح دار الساقي الطبعة الثانية بيروت لبنان سنة 2001 ص 86 .

[9] التعريف بالقرآن ، ص 270 .

[10] زعم ذلك أركون في كتابه ،الإسلام ، أوروبا ، الغرب رهانات المعنى و إرادات الهيمنة  ص  71 – 72 .

[11] نفس المرجع ، ص 75 .

[12] سورة الفرقان ، الآية 4 – 5 .

[13] التعريف بالقرآن ، ص 270 .

[14] نفس المرجع و الصفحة .

[15] نفس المرجع ، ص 259 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.