منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أصول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

أصول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف/ بلال فيصل البحر

0

أصول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

بلال فيصل البحر (*)

قد تنازع الناس في حكم الاجتماع للاحتفال بالمولد الشريف، فمن غالٍ تعسَّفَ في منعه وشدَّدْ، ومن مُسرفٍ أطلقَ جوازه ولم يُقيّدْ، والحق الحقيق بالقبول، التوسط فيه بين خُطَّتي الإفراط والتفريط، فإنه إن كان الاحتفالُ به على ما كان يصنعه الفاطميون وغلاة المتصوفة من الرقص والنوح والتواجد فهو منكر ولا يستريب فيه عالم، وإن كان هو الاجتماع على العلم والذكر والنشيد فهو حسن في أظهر قولي العلماء.

وقد استخرج الحافظُ ابن حجر لعمل المولد أصلاً انتزعه من خبر صوم اليهود في عاشوراء، لأنه يوم نـجّى الله فيه موسى عليه السلام، وتقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وقوله: (نحن أحق بهم من موسى) فدلَّ على أن الأصل في أيام الله المعظّمة، أنه يُتَقرّبُ إليه فيها بالطاعات شكراً، ولا ريب أن يوم مولده عليه السلام من أعظم أيام الله، واختار جماعة من المحققين أنه أعظمها بإطلاق كما يأتي، ومن هنا حسُن إحياؤه بالطاعة.

ويقويه الأصل الثاني الذي استخرجه الجلالُ السيوطي، وهو ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: (ذاك يومٌ ولدتُ فيه) وهذا الذي يقال له عند الأصوليين (دلالة التنبيه) فإنه عليه الصلاة والسلام نبَّه على إحياء اليوم الذي ولِدَ فيه بالطاعة من صوم ونحوه، وإلا لم يكنْ قوله هذا جواباً عن سؤال السائل، كما هو ظاهر.

وهو أيضاً من أسلوب الحكيم عند البلاغيين، لأنه لم يقل صوموه، فينحصر الصوم في الإثنين دون غيره، بل أجاب السائلَ بـما يدلُّه على هذا الأصل ويُرشدُه إليه، وهو التقرب بالطاعة في الأيام المعظّمة، كيوم مولده عليه الصلاة والسلام، وإن اتّفقَ كونُه في غير يوم الإثنين، فتأمله.

ومن هنا استُشكِلَ ما حُكي عن ابن عاشر المالكي رحمه الله، فإنه أنكر على ابن عبّاد حين رآه صائماً يومَ المولد، وعلَّله بأنه يومُ فرحٍ وسرورٍ، واستحسن تركَ صومه الشيخُ زروق وأبو عبد الله القوري وغيرهم.

ووجه الإشكال أن إنكاره هذا في مقابلة النص كما مرّ، وكونُه يومَ فرحٍ لا ينافي صومَه فإن الفرح والسرور يقع بالتعبّد كما يقع بالمرح، وقد نبّه الكتاب العزيز على أن الأصل في النعم الشكر بالعبادة والقربة إلى الـمُنعِم تعالى فقال: (ألم تَرَ أنّ الفُلكَ تجري في البحر بنعمت الله ليُريكم من آياته إنّ في ذلك لآياتٍ لكلّ صَبّارٍ شكور) وذكر الشكر على آياته فقال: (ألم تَرَ أنّ الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إنّ في ذلك لآياتٍ لكلّ صَبّارٍ شكور).

بل أرشد سبحانه وتعالى إلى وجوب شكره لخصوص أيامه العظيمة التي هي من أعظم النعم فقال: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلماتِ إلى النور وذَكِّرهم بأيامِ الله إنّ في ذلك لآياتٍ لكلّ صبّارٍ شكور) فنبّه على أن أيامه العظيمة تقابل بالشكر الذي يقع بالطاعات، ولا ريب أن يوم مولده عليه الصلاة والسلام من أعظم أيام الله تعالى، فهذه النصوص أصل في الاحتفال بالمولد شكراً كما هو ظاهر.

فالذي يتّجه أنه إنما أنكر عليه لأنه لم يصُمْهُ على جهة الشكر، بل على جهة المقابلة والمعاندة لـمَنْ يفرح ويحتفل به، كما هو مشاهد من بعض غلاة المنكرين الذين يتعمدون لجهلهم إظهارَ عدم المبالاة بـهذا اليوم العظيم على سبيل المقابلة بالمعاندة لـمن يحتفل به.!

وهو غاية الجفاء، وقد ذكر العلامة أبو القاسم السهيلي عن الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي في (تفسيره) أن إبليسَ لعنهُ اللهُ رَنّ أربعَ رَنّاتٍ رَنّةً حين لُعن ورَنّةً حين أُهْبِطَ ورَنّةً حين وُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورَنّةً حين أُنزلتْ فاتحةُ الكتاب، قال والرَّنينُ والنّخَارُ من عَمَلِ الشيطان، فمن تعمد إظهار الحزن أو عدم الفرح والسرور أو أظهر عدم المبالاة في يوم مولده عليه الصلاة والسلام فقد أشبه عمله هذا عملَ إبليس لعنه الله.

والمقصود إظهار الشكر لله في هذا اليوم العظيم إما بعبادة وإما بالفرح، ومعلوم أن الصوم وغيره من الطاعات تقع شكراً لله على نعمة جلبها كما يقع على نقمة دفعها، وهذا معروف في عادات الناس فلا وجه لإنكاره.


(*) مقتطف من كتاب المختصر اللطيف في حكم عمل المولد الشريف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.