منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نفوس ملوثة| تأملات في سورة الهمزة

نفوس ملوثة| تأملات في سورة الهمزة/ للأستاذة زهرة سليمان أوشن

0

نفوس ملوثة| تأملات في سورة الهمزة

للأستاذة زهرة سليمان أوشن

من ليبيا

يجلس مع الناس أو هكذا يبدو، لكنه في داخله يشعر أنه الأعلى مقاما والأسمى قدرا، ينظر إلى من حوله من عليائه وقد سولت له نفسه أنه أجل وأرفع .
كيف لا ؟ وهو صاحب الجاه والسلطان، والنفوذ والمال .

لذا فلن يمنعه حياؤه ولا مروءته من أن يعير غيره ويسلط عليهم سيف لسانه ليكلمهم به، ربما ليوحي لبعض ممن هم على شاكلته أنهم أقل شأنا وأحط منزلة، وهو يراهم كذلك لأن المقياس عنده أرصدة وحسابات، ممتلكات وعقارات، وهم قليلوا المال ضعيفوا الحال .
تلك بعض التفاصيل حاولنا أن نرسم لها صورة تعبرعن بعض من البشر زين له سوء عمله و أصابه تضخم الأنا فتمدد حضوره عنده فإذا به يرى نفسه كبيرا ويرى الناس صغارا، وهو في حقيقته محط للؤم ومأوى للخبث، لذا كان كثيرا ما ينفث سمومه، فتسمع في كلماته السخرية والتحقير، وتشاهد في حركاته الغمز واللمز .

صاحب هذه الصورة القبيحة والمشاهد المخزية رسمت ظلاله المعوجة من خلال سورة الهمزة، السورة المكية ذات الآيات التسع . يقول فيها الله تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9

وقد بدأت السورة بالتهديد بالويل، وفي هذه الكلمة ما فيها من نذير ووعيد، ولا شك أن صاحب هذه الصفات القبيحة أهل لهذا العذاب الأليم، لعظمة ما اقترفه من السخرية بالناس وانتقاص أقدارهم حتى تحول إلى كتلة هامزة لامزة .,, وصيغة المبالغة : ( همزة لمزة )، تدل على استمراره وإصراره على صنيعه القبيح، وتبجحه بهذا العمل المقيت خاصة مع المؤمنين الصادقين وأصحاب الرسالة المصلحين .

ولهذا الجرم الشنيع ما يقابله من العذاب الشديد، لذا جاءت الآيات رهيبة مخيفة للحديث عن الجزاء المحتوم لصاحب هذه الأخلاق المذمومة، فهو سينال الويل وينبذ في الحطمة، تلك النار التي ستحطم جوارحه التي كان يرسل منها لسعاته اللاذعة للتعريض بعباد الله وانتهاك حرمات أعراضهم، فكان مصيره أن يقذف ويرمى في جهنم التي ستحطم كبرياه المزعوم، ويأتي في السياق حديث مفزع عن هذه النار فهي الحطمة وهي نار الله الموقدة، فإذا كانت نار الدنيا ترتجف منها القلوب وتقشعر منها الأبدان، فكيف وهذه نار الآخرة التي أعدت لهؤلاء المتكبرين، ويكفي أن تنسب لله للدلالة على هولها وعظمتها .
ولأن الجزاء من جنس العمل، وهذا العمل منطلقه قلب سقيم جعل صاحبه مغرورا، متعاليا ينتهك أعراض المؤمنين ويسخر مهم، لذا فإن تلك النار الموقدة ستطلع على فؤاده لتصل إلى أعماقه وتحرق مستقر السوء فيه .

وزيادة في النكاية بصاحب الهمز واللمز فإن هذه النار ستكون مغلقة عليه لا ينقذه فيها أحد ولا يسأل عنه فيها أحد،ثم هو موثوق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام، وهو الذي كان يظن نفسه كريم ابن كرام، ولعله وهو في حاله المخزي هذا يسأل عن ماله وسلطانه الذي وهم أنه سيخلد معه، ولكن هيهات .

وإيقاع السورة والتشديد المتكرر في عديد كلماتها : ( عدده، لينبذن تطلع ،ممددة )، ترسل إشارات بلاغية على هول العذاب الذي سيلاقيه صاحب هذه الأعمال الخسيسة.

ولا شك أن الآيات في هذه السورة بكل إيحاءاتها وظلالها ترسم صورة قبيحة لتشنيع بالمستوى الهابط لهذه النفوس المريضة المتعالية وتحذر من انتشار هذه الآفات في المجتمع لأنها ممزقة لنسيجه، مؤذنة بسقوطه .

كما أنها تسكب السكينة في قلوب المصلحين، أهل الحق والرشاد الذين عادة ما يسدد هؤلاء الخبثاء سهامهم إليهم تعريضا وسخرية، فتذكرهم الآيات أن الله ليس بغافل عما يعمله هؤلاء المجرمون الظالمون وأن لهم موعد للذل والعذاب لن يخلفوه .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.