منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياسة والأخلاق أية علاقة؟

السياسة والأخلاق أية علاقة؟/الأستاذ يحي ملوك

0

السياسة والأخلاق أية علاقة؟

بقلم: الأستاذ يحي ملوك

مقدمة:

 منذ العهد الأول من فجر التاريخ الإسلامي تناثرت الكلمات في سماء مكة وأرضها تزاحم ما أصبح مألوفا عند سكان مكة من أفكار عف عليها الزمن، وأصبحت مألوفة بحكم العادة لتصبح عبادة.سنقوم بمعالجة موضوع الأخلاق والسياسة من منظور إسلامي،يستدعي ما كتب في الموضوع من منظور غربي.ولنا وقفة مع القيم الأخلاقية.

تعريفات:

 السياسة هي قيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شؤونها لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها.1

أما الأخلاق: ” إن الفعل لا يكون أخلاقيا إلا اذا أمكن تحويله تشريعا عاما لكل البشر وفي كل الظروف ودون الوقوع في أي ناقض ” 2 أي يشمل قطاعا كبيرا من الناس. لذلك فإن الأخلاق هي مجموعة القيم الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضا أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر. إن كشط الأخلاق من السياسة هي ما أوصلت سكان المعمور إلى أن تحل بهم الكوارث والأمراض والفقر و…..

الأخلاق السياسية في الإسلام

 تصدر النبي صلى الله عليه وسلم منبر التغيير بمعية الوحي المنزل عليه من الله ليشد من عضده ويرسم له خطواته. لا شك أن هذا التغيير الذي شق طريقه كان شاملا و جذريا. لكنه كان يصطحب معه أفكارا نيرة من زبدة ما علق بأذهان الشعراء و الحكماء وأصبح حديث المعجبين في عالم تتوق إليه أصحاب الضمائر الصافية.يطلع حديث عجيب فيه ثلاث روايات في الأولى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” 3. وفي رواية الإمام أحمد “صالح الأخلاق”. وفي الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم قال: “بعثت لأتمم حسن الخلق”.

اعتراف الإسلام بما لدى الروم من أخلاق سياسية

 روى الإمام مسلم رحمه الله أن رجلا روى في مجلس عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس». فقال عمرو: “لئن قلتَ ذلك إنّ فيهم لَخِصالا أرْبعاً: إنهم لَأَحْلَمُ الناس عند فتنة، وأسرعُهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوْشكُهم كَرَّةً بعد فَرَّةٍ، وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسةٌ حسنةٌ جميلة: وأمنعُهم من ظلم الملوك”.وهو ما يسمى في قاموسهم الآن بالديمقراطية. فهي التي تحمل هذه المزايا المذكورة على لسان سيدنا عمرو بن العاص.

السياسة بدون أخلاق:

 الاخلاق لها الأولوية في الفعل السياسي وهي تصاحب العظماء لأنهم يستحضرونها أمام أية فرصة سانحة للتغيير.لها مكانتها وأسبقيتها في مشاريع النهوض بالأمم والمجتمعات. لكن في المقابل ظهرت قصاصات من أشباه المثقفين والمتزلفين الذين يتبنون العكس، أي استبعاد الأخلاق من تدبير أمور الناس. كيف حدث هذا ؟

هناك جملة من التصورات التي ابتدعها الفيلسوف نيكولو ميكيافيلي الإيطالي، والتي لا زالت تعتبر ملاذا لحكام الجبر من بينها:

  • التزام السياسي بالفضائل أمر مضر بالحاكم الذي يمارس السياسة.
  • يرى ميكيافيلي بأن السياسي ليس ملزما بالوفاء بالعهود وإن كانت من مصلحته.
  • التضحية بالمبادئ من أجل المصالح.
  • ميكيافيلي فتح الباب لكل من أراد أن ينتهك القيم الأخلاقية في السياسة.
  • يكفي أن هتلر وموسولوني كانا من أشد المعجبين به.

و النتيجة الحتمية فإن ميكيافيلي يريد أن يعلم الأمير كيف يكون شريرا.

القيم الأساسية

 حينما نتحدث عن القيم الأخلاقية فإننا نكرس علاقة السياسة بالأخلاق. وقد ارتأيت هنا أن أكتفي بعرض أمهات القيم على مستوى الهيأة الحاكمة، وبذكر واحدة فقط على مستوى الهيأة المحكومة. هذه القيم هي: الحرية و العدل و الشورى والوسيلة النضالية.

الشورى

“فعندما نقبل الشورى مبدأً وندخل فيها فإنما نفعل ذلك لنخرج بِقرار. والمطلوبُ شرعا أن يحصل الإجماع وطِيبَةُ القلب ” 4

دعائم الدولة الإسلامية التي عليها تبنى هي في نفس الوقت مؤشرات لصلاحيتها في أداء الوظائف الهدفية والغائية التي من أجلها أسست، ومن أجلها كانت القومة أساسا: طاعة الله، وشورى أهل الشورى، وإرادة حزب الله.” 5

الشورى لم تكن منذ العهود الأولى للإسلام ثابتة على أفعال معينة وبأشكال معينة. إنما هي جوهر نستعمله في كل عصر بمضمونه الذي لا ينفك عن مدلوله مصداقا لقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} سورة الشورى 38. جاء بعد ذكر الشورى في هذه الآيات الكريمة ذكر الإنفاق وذكر ردِّ البغي وذكر الانتصار عليه. “والشورى نازلة من مقام الإمامة، من وجوبٍ إلى تأكيد إلى ندبٍ، في كل مستوى من مستويات الدولة والدعوة، كلُّ أصحاب رعية ومؤسسة تنتظمهم الشورى إلى أصغر وحدة في القرية النائية والأمر الجزئي “. 6

العدل

يقول الله جل وعلا: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِير} النساء آية 57.

إذا غاب العدل حضر الظلم والجور والاستبداد. و”العدل مروءة عظيمة “.7

ونذكر هنا بالحديث – لأهميته في الموضوع – الذي رواه الإمام أحمد عن مَعْقِلٍ بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يلبَث الجَوْرُ بعدي إلا قليلا حتى يَطْلُعَ. فكلما طلع من الجَوْرِ شيء ذهب من العدل مثلُه، حتى يُولَدَ في الجَوْرِ من لا يعرفُ غيرَه. ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولَد في العدل من لا يعرفُ غيْره.

الحرية:

 “الحرية هي إمكانية الفرد دون أي جبر أو شرط أو ضغط خارجي على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة أمكانيات موجودة.”8.فالحرية قيمة تاريخية تحكم على الدولة أنها مستبدة أو أنها تكفل حرية الرأي والفكر والانتقاد والرقابة على الأشخاص والمؤسسات.

 هناك دول قد تحصنت ضد الاستبداد البشري، وهناك دول تترنح بين الاستبداد والحرية.. وهناك دول شمولية لا مكان فيها للاختيار أو التعبير أو التفكير إنما هناك رأي واحد على حد تعبير القرآن الكريم على لسان فرعون: {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } سورة غافر 29.

الأمر الذي نبه إليه الكواكبي قبل أكثر من مائة عام في نص لا يزال يحتفظ بحيويته ودفئه حتى اللحظة الراهنة “إن الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, هو يقلب القيم الأخلاقية رأسا على عقب ليغدو طالب الحق فاجرا وتارك حقه مطيعا، والمشتكي المتظلم مفسدا، والنبيه المدقق ملحدا، والخامل المسكين صالحا أمينا. 9

 الوسيلة النضالية

 لا يمكن التحدث بالتفصيل وملء الورقات الطوال عن ما جناه علينا فساد الأخلاق السياسية في الحكم، و إنما وجب كذلك التعرض إلى غياب النضال السياسي من لدن الشعوب التي وقعت تحت الأسر من قبل حكامها المستبدين.ويعتبر هذا عين الإنصاف في تحميل المسؤولية لكل الأطراف التي أسهمت في فساد القيم السياسية.فالوسيلة النضالية تتجلى في تأطير الشعب وتربيته و الدفع به إلى معرفة ما له و ما عليه. فإذا سلب حريته فإنه أولى به ألا يسكت و لا يستكين بل عليه أن يحتج بدون عنف وأن ينوع في أساليب الاحتجاج حتى يقتنع الكل بضرورة التغيير لاسترداد ما ضاع، فيلجأ إلى الحلقة الأخيرة من النضال،أي النزول إلى الشوارع في إضراب عام يشل حركة الفساد القائم.

ماذا يصنع الأمير إذا ضاقت عليه الفرص المتاحة لاستحضار الأخلاق السياسية ؟

لا بد وأن يكون الساسي حكيما، ولكي ينجح في مهامه ينبغي أن يسعى جاهدا من أجل التوفيق بين المبادئ والمصالح.ولا يستهين بأي منهما. وكون الأمير على سدة الحكم يحتاج إلى براعة ذهنية ومرونة تكتيكية للتوغل في الواقع المعقد. روى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن العاص قوله: “ليس العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر ولكن العاقل هو الذي يعرف خير الشرين”.وهو ما شرحه علماؤنا الكبار في التفريق بين المفاسد وقبول المفسدة الصغرى و تجنب الكبرى.

خاتمة

 إن موضوع الأخلاق السياسية لا زالت فصوله لم تكتمل بعد. فالتغيير عنوان للقيم الأخلاقية في مجال السياسة. فسياسة بدون قيم عبث وترك الحبل على الغارب. أما السياسة فهي كالقطار لا يمكن له الإقلاع في سفر طويل يحمل معه المسافرين والبضائع إلا بوجود قاطرات.السياسة بدون أخلاق سياسة جافة مشينة تهوي بأصحابها إلى مكان سحيق. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، و سيكون بعدي خلفاء فيكثرون، قالوا يا رسول الله، فما تأمرنا ؟ قال:” أوفوا ببيعة الأول فالأول،ثم أعطوهم حقهم، و اسألوا الذي لكم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم ” متفق عليه. وبهذا نختم بهذه الشهادة العظيمة والتي لها علاقة بالحديث الشريف بقوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } سورة القلم آية 4.

مراجع:

  • ويكيبيديا
  • تأسيس ميتافزيقا الأخلاق لايمانويل كانت
  • رواه البيهقي
  • كتاب:جماعة المسلمين و رابطتها الطبعة ب د ف ص97.
  • سنة الله للإمام عبد السلام ياسين، ب د ف ص 308
  • كتاب الإحسان 2 ص 141
  • مجلة الجماعة العدد الأول ص 41
  • موقع ويكيبيديا
  • للكاتب السوري أكرم البني في مقال نشر في الجزيرة: جدل العلاقة بين الأخلاق والسياسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.