الأمن السياسي من خلال دراسة حديث “الدين النصيحة”
ذ. عبد الغني بوصليعة
الأمن السياسي من خلال دراسة
حديث”الدين النصيحة”
ذ. عبد الغني بوصليعة
أولا: نص الحديث:
أورد العلامة مسلم حديث “الدين النصيحة” في “كتاب الإيمان”، “باب بيان أن الدين النصيحة”، عن تميم الداري وهذا نصه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنْ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ. قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا. قَالَ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي. كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ” قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم1[1].
ثانيا: شواهد الحديث
وردت أحاديث في السنة النبوية أحاديث كثيرة في باب بيان النصيحة نذكر منها رواية الترمذي عن مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ القَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»: قال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ2[2].
ورواية أخرى لمسلم عَنْ جَرِيرٍ؛ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ3[3].
ثالثا: تخريج الحديث
وفيه التعريف براوي الحديث الصحابي تميم الداري رضي الله عنه، والمحدث الإمام مسلم، وطرق الحديث، أما المتن فذكرته آنفا.
راوي الحديث: هو الصحابي الجليل تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رضي الله عنه، “اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ إِلَى مَا نُسِبَ فَقَالَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَدٍّ مِنْ أَجْدَادِهِ وَهُوَ الدَّارُ بْنُ هَانِئٍ فانه تميم بن أوس بن خَارِجَةَ بْنِ سُورِ بِضَمِّ السِّينِ بْنِ جَذِيمَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بْنِ ذِرَاعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدَّارِ بْنِ هَانِئِ بْنِ جبيب بْنِ نِمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمَّا مَنْ قَالَ الدَّيْرِيُّ فَهُوَ نِسْبَةٌ إِلَى دَيْرٍ كَانَ تَمِيمٌ فِيهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وكان نصرانيا هكذا رواه أبو الحسين الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي النِّسْبَتَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الدَّارِيُّ بِالْأَلِفِ إِلَى دَارَيْنِ وَهُوَ مَكَانٌ عِنْدَ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ مَحَطُّ السُّفُنِ كَانَ يُجْلَبُ إِلَيْهِ الْعِطْرُ مِنَ الْهِنْدِ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْعَطَّارِ دَارِيٌّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بِالْيَاءِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ شَاذٌّ حَكَاهُ وَالَّذِي قَبْلَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ قَالَ وَصَوَّبَ بَعْضُهُمُ الدَّيْرِيَّ قُلْتُ وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ فَنُسِبَ إِلَى الْقَبِيلَةِ بِالْأَلِفِ وَإِلَى الدَّيْرِ بِالْيَاءِ لِاجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ فِيهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُوَطَّأِ دَارِيٌّ ولا ديري الا تميم وكنيته تَمِيمٍ أَبُو رُقَيَّةَ أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لِتَمِيمٍ وَيَدْخُلُ فِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ4[4].
المحدث: الإمام مسلم: هو صاحب المنقبة “أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القشيري النيسابوري. هو الإِمام الحافظ حجة الإِسلام، أحد حفاظ الدنيا، وكان أبو زرعة وأبو حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشائخ عصرهما”5[5]. قال عنه صاحب وفيات الأعيان، “صاحب الصحيح؛ أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن مسلمة القعنبي وغيرهم، وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها، وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين، وروى عنه الترمذي وكان من التقات. وقال محمد الماسرجسي، سمعت مسلم بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث. وقال الخطيب البغدادي: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه.. وتوفي مسلم المذكور عشية يوم الأحد ودفن بنصر أباذ ظاهر نيسابور يوم الاثنين لخمس، وقيل لست، بقين من شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وعمره خمس وخمسون سنة6[6]. وعرفه صاحب منة المنعم بأنه “الإمام الكبير، الحافظ المجود، الحجة الصادق أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح، والقشيري بضم ففتح، نسبة إلى بني قشير، بطن من بني عامر بن صعصعة، من هوازن.” وقال أيضا “اختلفت الأقوال في سنة ولادته ما بين 201 هـ، و 202 هـ، و 204 هـ، و 206 هـ. وقد ذكر الذهبي في التذكرة والسير أن مولده سنة 204 هـ ولكن مفتتحا بقوله: قيل: وجزم به ابن كثير وابن حجر وابن تغري بردي وغيرهم”. “أما موطنه فأعلى الزمجار بنيسابور، وكان مسكنه بها، وكانت من أهم مراكز علوم الحديث، واشتهرت بعلو الأسانيد، حتى وصفها الذهبي بـ “دار السنة والعوالي”7[7].
سند الحديث: وقد روي هذا الحديث في الباب عن ابْنِ عُمَرَ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَجَرِيرٍ، وَحَكِيمِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، وَثَوْبَانَ “أما حديث بن عمر فأخرجه البزار، وأما حديث تميم الداري فأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود، وأما حديث جرير فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث حكيم بن أبي يزيد عن أبيه فلينظر من أخرجه، وأما حديث ثوبان فأخرجه الطبراني في الأوسط8[8].
رابعا: الإطار الأمني العام الذي تناوله الحديث
يتحدث النص عن مكانة النصيحة في الإسلام، ودورها في بناء العلاقة الأمنية الأفقية والعمودية، وطرق تفعيلها على المستوى الديني والسياسي والاجتماعي، وعن انفراد المجتمع المسلم بأليات الاشتغال عن المجتمعات الأخرى.
خامسا: بعض أصول الأمن السياسي التي تعضد هذا الحديث
ورد في القرآن الكريم بعض الآيات التي تناولت مفهوم النصح والنصيحة والتي لا يختلف باحث في مسألة معالجة مفهوم ودراسته استحضار ما يقويه من النصوص التي تعززه، وهذه بعض الآيات الكريمة التي عالجت نفس الموضوع على لسان الأنبياء والمصلحين في القرآن العظيم، غير الآية عشرون من سورة الأعراف، والتي ذكرها الله لبيان مناهج، وأساليب، وأليات، التضليل الأمني. وهذه بعض الآيات البيات، قال الله عز وجل91:
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، سورة الأعراف، الآية 20.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ سورة الأعراف، الآية 67.
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ سورة الأعراف، الآية 78.
﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}﴾ سورة التوبة، الآية 92.
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ سورة يوسف، الآية11.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ سورة القصص، الآية 11.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ سورة القصص، الآية19.
﴿الذين أمنوا ولم يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) سورة الأنعام، 82.
سادسا: شرح مفردات الحديث
أوتي الأمين جوامع الكلم، لذلك فكل كلمة وردت في حديثه، وإن كانت بلسان عربي مبين تحتاج إلى البيان والمزيد من الفهم، فكل كلمة لها دلالتها اللغوية والشرعية في الحديث. فكلمة الدين الواردة في الحديث مثلا: تعني الوضعية والحالُ. قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: سأَلت أَعرابيّاً عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَوْ لَقِيتَنِي عَلَى دِينٍ غَيْرِ هَذِهِ لأَخبرتك. والدِّين: مَا يَتَدَيَّنُ بِهِ الرَّجُلُ. والدِّينُ: السُّلْطَانُ. والدِّين: الوَرَعُ. والدِّين: الْقَهْرُ10[9]. وقد يعني الدين الأمن والأمانة وَيُقَالُ: مَا كَانَ فلانٌ أَميناً وَلَقَدْ أَمُنَ يأْمُنُ أَمانةً. ورجلٌ أَمينٌ وأُمّانٌ أَي لَهُ دينٌ، وَقِيلَ: مأْمونٌ بِهِ ثِقَةٌ؛ قَالَ الأَعشى:
ولَقَدْ شَهِدْتُ التّاجرَ الأُمّانَ … مَوْروداً شرابُهْ11[10].
أما كلمة النصيحة: ف” تحتمل أن تكون مشتقة من نصحت العسل، إذا صفيته، ويحتمل أن تكون من النصح وهي الخياطة، والإِبرة المِنصحة، والنِّصاح الخيط الذي يخاط به، والناصح الخياط. فمعناه أنه يلم شعث أخيه كما تلم المِنصحة خِرَق الثوب، قال نِفطويه: يقال نصح الشيء، إذا خَلَصَ، ونصح له القول، أي أخلصه له. وهذا الذي قال نِفطويه يرجع إلى الاشتقاق الأول لأنه يصفو لأخيه كما يصفو العسل12[11].قال القاضي عياض: قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة يُعَبَّر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصُرُها. ومعناها في اللغة: الإخلاص، من قولهم: نصحت العسل إذا صفيته. وقال أبو بكر الصوفي: النصح: فعل الشيء الذى به الصلاح والملاءمة مأخوذ من النصاح وهو الخيط”13[12]. ويرى تاج الدين الفاكهاني أنه “جعل النصيحة كل الدين، وكأنه لا دين إلا النصيحة؛ على طريق المبالغة”14[13].
سابعا: الدروس الأمنية المستفادة من الحديث
ضم هذا الحديث دروسا أمينة عملية يمكن الاختصار على بعض منها وإلا فهذا الحديث فقد جمع أبواب الأمن من الناحية الفعلية ودستر قواعد الإصلاح الأمني الصحيح. وهذه بعض الدروس:
- حرص القيادة الإسلامية على سلامة الوضع الأمني العام للمجتمع الإسلامي، عن طريق التناصح.
- تقديم الرؤية الأمنية الصائبة التي تليق بإصلاح المجتمعات.
- تحميل المسؤولية الأمنية لرواد الإصلاحات الأمنية.
- السبق الأمني عن طريق النصيحة لعلاج المشكل أو الفساد قبل تفشيه في المجتمع.
- وضع الحواجز والذروع الأمنية المانعة من التفكك المجتمعي.
- بناء سياج أمني عن طريق آلية التناصح لحفظ المجتمع الإسلامي من الإنفلاتات الأمنية.
ثامنا: أليات الدولة الأمينة من خلال الحديث
يتحدث المجتمع المعاصر عن أليات الاشتغال الديموقراطي على اعتبار أن الديمقراطية آلية ناجحة ليحكم الشعب نفسه بنفسه، بأسلوب متحضر تتفق فيه الأغلبية على تسيير الدولة وتقسيم ثروتها بالسوية، وعزل الدين عن السياسة وتعميم الإلحاد، كبديل عن المفهوم الكلاسيكي الأوروبي، حيث كان “ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”.
في حين أن أليات الاشتغال الأمني في الدول الإسلامية تنطلق من مفهوم الشورى لكونه مفهوما شاملا لحياة الفرد والمجتمع والدولة، حيث ذكر في القرآن الكريم والسنة النبوية، وتم تفعيلة في المجتمع المدني والحكم الإسلامي، وخاصة الراشدي والعمري، ويتفرع عنه مفهوم النصيحة بضوابطه الخمسة التابعة لمقصد الأمن الكلي ” الدين النصيحة”.
تاسعا: تنصيص الحديث على مَأْسَسَة الأمن عن طريق التناصح.
تناول الحديث مفاهيم أمنية عميقة لبناء مجتمع أمني إنساني متراحم، ومؤكدا على اتباع الخطط الأمنية الناجعة على مستوى الفرد والمجتمع، ضرورة أمنية ستفشل حتما إن لم تنطلق من النصيحة. كما بين أن قوة الدولة في المجتمع الإسلامي تنطلق من الحوافز الأمنية المنبعثة من الوازع الديني بالنصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وترجمتها إلى مؤسسات أمنية تحفظ الأمن الديني والسياسي والمجتمعي.
فعلى مستوى الأمن الفردي “كانت الدولة ترتب شؤون الأمن المادي والاجتماعي والجهادي لتوفر للمؤمن وسط جماعة المؤمنين ظروفا مواتية لينشد الغاية التي من أجلها خلق، ألا وهي الاستعداد للدار الآخرة بالعمل الصالح، والتهيؤ لمعرفة الله بصفاء القلب، وإخلاص كل ذلك من شوائب النفس والطغيان بالعلم النافع علم الكتاب والسنة”15[14].
وعلى مستوى الأمن الجماعي، “كانت دولة الإسلام وسلطة التنفيذ الإسلامية، كانت يد القوة مساعدة ومواتية ومنبثقة عن يد الرحمة الممتدة للضال والعاني والشقي بتيهانه وضياعه بالمودة والأخوة الباذلة الرفيقة.. الدولة كان يبرر وجودها ويدعمها ويعطيها الشرعية قيامها بوظيفتها في تنظيم مقتضيات التعايش اليومي على العدل، وتنظيم مقتضيات الأمن الاجتماعي على التكافل، وتنظيم أسباب الأمن من العدو المحيط المتربص بالتعبئة الدائمة لجند الله”، وبالموازاة مع الدولة “كانت الدعوة إلى الله ترسم للمؤمن ولجماعة المؤمنين طريق طاعة الله والتقرب منه والتزكي من الخبائث لمناجاته والاستعداد للقائه في دار البقاء”16[15]، للأمن في المعاد.
أما على مستوى الحوافز الأمنية فقد كانت الأعمال الأمنية التي يقوم بها رجال الأمن في أطار التناصح بين المسلمين، ترتكز على مبدإ إخلاص العمل لله، وجعل وازع السلطان خاضعا لوازع القران، حيث تتماشى المشاريع الحكومية في تطبيق الأمن إلى ما يمليه التصور المسلم من القرآن والسنة، وإن تمت المخالفة لمساطير الأمن، في هذه الحالة، يبق “كل جهد تبذله الجماعة لإقرار الأمن في الأرض وتدبير شؤون الدنيا وكفاية المعاش لا معنى له في سلم القيم الإسلامية إن لم تكن الدعوة إلى الله هي قبلة الدولة”17[16].
عاشرا: القيم الأمنية التي تناولها الحديث
تضمن الحديث قيمة أمنية شاملة هي قيمة “النصيحة”، والتي تفيد التراتبية في مسألة الإصلاح الأمني، كما تفيد استمرار العلاقة الأمنية بين لحمة المجتمع المسلم وتماسكها بالنصيحة. كما تداخلت معها قيم أمنية أخرى دون أن ترد في الحديث ولكن يقف عندها قوي النظر والعامل عند ممارسة الفعل الأمني.
- النصح لله: ويقتضي تعظيم الله ومحبة الله والحب في الله والبغض في الله، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، للأمن من عذابه.
- النصح لكتابه: العمل به، وتأمينه من تحريف الغالين وتأويل المبطلين.
- النصح لرسوله: محبته وطاعته واتباعه.
- النصح لأئمة المسلمين: حملهم على ما يحفظ الأمن في الحال والمآل. والسبب في ذلك راجع إلى التصور الأمني لمنظور الحكم في الإسلام، فقد وضع الله، “عزة السلطان لكيلا يُغير بعضُ الناس على بعض، ولكيلا يأكلَ شديدُ القوم ضعيفَهم. حتى إذا استتب الأمن وتمكن السلطان في الأرض تميز سلطان الإسلام عن السلطان الطبيعي”18[17].
- النصح لعامتهم: العمل على توفير الأمن الاجتماعي بما يحفظ كلياتهم الخمس، لذلك يرى المتخصصون في إصلاح المجتمعات، “إن من مهمات دولة الإسلام أن تعين المسلمين بتنظيم دنياهم على تنظيم أخراهم. وعلى الدعوة أن تعالج الأمر من جانب الآخرة، فتصرف الهمم والذمم إلى التقوى وبناء المعاد لكيلا يخرب التسابق إلى المتاع أنصباء الناس من الدنيا. فإن اعتداء هذا على نصيب هذا، واعتداء طبقة على نصيب طبقة، واعتداء قوم على نصيب قوم يحل الفوضى الاجتماعية محل الأمن، ويسبب البغي، ويفسد العلاقات السياسية، ويؤذن بخراب العمران. وبذلك يخرب آخرة الجميع. والعياذ بالله”19[18].
إحدى عشر: أسلوب الحديث ونظمه
تربع الحديث على عرش البلاغة العربية حيث اشتمل على جوامع الكلم، وفصاحته، وبيان الخطاب، وقوته، ومشروع الأمن وفاعليته.
إثنا عشرة: خاتمة
في الختام يجب التنبيه إلى أن الأحاديث الواردة في السنة النبوية تحمل في طياتها أساليب العمل والتغيير الأمني للمجتمعات المعاصرة، بل ورد فيها الضمان الأمني لمن استطاع الغوص في بحرها وسبر معاني نصوصها، على مستوى الحكامة الأمنية للفرد والمجتمع وبناء الأمن الإنساني، كما وجب تنيه المؤمنين إلى عدم خلط المفاهيم الأمنية عند التفكير أو العمل لإقامة الأمن المسلم، ففي النص القرآني﴿الذين أمنوا ولم يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (سورة الأنعام، الآية82). في هذه الآية الكريمة جمع الله بين الأمن والعدل، فإنه لا يتحقق الأمن مع وجود الظلم، وأنه لا أمن الظالمين حتى وإن تلبس الظلم بالأمن، أما إذا كان الظلم صراحا فبالأولى إقامة الأمن ضده، لذلك كانت الهداية الإلهية في إرسال الرسل للسلامة من التظالم، سلامة تحقق الأمن في الدنيا من بطش المستكبرين والأمن من سوء الانقلاب الأمني في المعاد.
ثلاثة عشر: المصادر والمراجع
- صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 – 261 هـ). المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة)، ثم صورته دار إحياء التراث العربي ببيروت، وغيرها)، عام النشر: (1374 هـ – 1955 م)، ج1، ص74.
- سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت 279هـ). بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّصِيحَةِ. تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية،(1395 هـ – 1975).
- مسلم. ج1، ص 75.
- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ). الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392م، ج1، ص 142.
- 5 المُعْلم بفوائد مسلم، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (ت 536هـ)، تحقيق، فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، والمؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، والمؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة, الطبعة: الثانية، 1988م ، والجزء الثالث صدر بتاريخ 1991م، ج1، ص157.
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (ت 681ه)، تحقيق إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة 1، ج5، ص(194-195).
- منة المنعم في شرح صحيح مسلم، صفي الرحمن المباركفوري، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض ، الطبعة: الأولى، (1420ه-1999م)، ج1، ص13.
- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت 1353 هـ). دار الكتب العلمية – بيروت، ج 6 ، ص 45.
- هذه الآيات برواية الإمام ورش عن نافع
- لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ). دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ. ج 13، ص 170.
- نفس المصدر ، ج 13، ص 170.
- المُعْلم بفوائد مسلم، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (ت 536هـ)،المحقق: فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة، الطبعة: الثانية، (1988م)، والجزء الثالث صدر بتاريخ (1991م).ج 1، ص 293.
- إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت 544هـ)، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، (1419 هـ – 1998 م). ج1، ص306.
- رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني (ت 734هـ). تحقيق ودراسة: نور الدين طالب، الناشر: دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1431 هـ – 2010 م، ج1، ص346.
- عبد السلام ياسين . مكتبة سراج، مجلة الجماعة، العدد 3 ،ص 4.
- عبد السلام ياسين . مكتبة سراج، مجلة الجماعة، العدد 3 ،ص 4. بتصرف
- سنة الله ، عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، ص 306.
- جماعة المسلمين ورابطتها، عبد السلام ياسن. مكتبة سراج، الطبعة الثانية، (1439ه، 2018م) ص 32.
- في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، الطبعة الرابعة، (1439ه / 2018م)، ص210.
[1] صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (206 – 261 هـ). المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة)، ثم صورته دار إحياء التراث العربي ببيروت، وغيرها)، عام النشر: (1374 هـ – 1955 م)، ج1، ص74.
[2] سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت 279هـ). بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّصِيحَةِ. تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية،(1395 هـ – 1975).
[3] مسلم. ج1، ص 75.
[4] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ). الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392م، ج1، ص 142.
[5] المُعْلم بفوائد مسلم، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (ت 536هـ)، تحقيق، فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، والمؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، والمؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة, الطبعة: الثانية، 1988م ، والجزء الثالث صدر بتاريخ 1991م، ج1، ص157.
[6] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (ت 681ه)، تحقيق إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة 1، ج5، ص(194-195).
[7] منة المنعم في شرح صحيح مسلم، صفي الرحمن المباركفوري، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض ، الطبعة: الأولى، (1420ه-1999م)، ج1، ص13.
[8] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت 1353 هـ). دار الكتب العلمية – بيروت، ج 6 ، ص 45.
1 هذه الآيات برواية الإمام ورش عن نافع
[9] لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ). دار صادر – بيروت، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ. ج 13، ص 170.
[10] نفس المصدر ، ج 13، ص 170.
[11] المُعْلم بفوائد مسلم، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (ت 536هـ)،المحقق: فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر، الدار التونسية للنشر، المؤسّسة الوطنية للكتاب بالجزائر، المؤسّسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدّراسات بيت الحكمة، الطبعة: الثانية، (1988م)، والجزء الثالث صدر بتاريخ (1991م).ج 1، ص 293.
[12] إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (ت 544هـ)، المحقق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، الطبعة: الأولى، (1419 هـ – 1998 م). ج1، ص306.
[13] رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني (ت 734هـ). تحقيق ودراسة: نور الدين طالب، الناشر: دار النوادر، سوريا، الطبعة: الأولى، 1431 هـ – 2010 م، ج1، ص346.
[14] عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، مجلة الجماعة، العدد 3 ،ص 4.
[15] عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، مجلة الجماعة، العدد 3 ،ص 4. بتصرف
[16] سنة الله ، عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، ص 306.
[17] جماعة المسلمين ورابطتها، عبد السلام ياسن. مكتبة سراج، الطبعة الثانية، (1439ه، 2018م) ص 32.
[18] في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، عبد السلام ياسين. مكتبة سراج، الطبعة الرابعة، (1439ه / 2018م)، ص210.