نزهة (قصة قصيرة)
بقلم: فيحاء نابلسي
بدا الأمر عاديّا للوهلة الأولى، شباب الحارة ذاهبون في رحلة تخييم.
لم يحرّك المشهد في نفوسنا شيئاً.
كنّا أربعة رفاق. أنا حسين وأصدقائي خالد وسليم ومصطفى، تابعنا طريقنا إلى مقهى الحي تاركين الشباب في صخبهم وحواراتهم، عندما فاجأنا صديق آخر لنا يركضُ متلهّفاً وهو يتساءل: ” وصل الباص؟”
تلفّتنا باتجاه الشباب وهززنا برؤوسنا فوقفَ صاحبنا يلتقط أنفاسه ليقول لنا:
” تعالوا روحو معنا، المكان بيجنّن! نهر وشجر كأنّك في الجنة!”
التفتنا إلى بعضنا البعض ضاحكين.
” لم نخطط للرحلة !”
” لا تحتاج تخطيط، تبقى عشر دقائق على وصول الحافلة، أحضروا أي شيء على عجل والحقوا بنا، هيّا.”
كان الأمر مايزال في طور دعابة عندما بدأت مخيلاتنا تمطرنا بالصور.
مياه النهر الباردة، القفز من فوق الأشجار العالية، مواقد الشواء، المبيت بين الأشجار وسماع أصوات ليل الغابة.
” كأنك في الجنّة” العبارة التي قدحت شرارة الحماسة في رؤوسنا ودفعتنا للإنطلاق على عجل لتوضيب اللوازم.
“رحنا بعجلة ورجعنا بخجلة” قالها خالد وهو ينظر إلى الحافلة الصغيرة المكتظة بالركاب.
وقفنا أمامها والخيبة بادية على وجوهنا :
” ليس لنا مكان!” قالها سليم وهو يستدير عائداً أدراجه عندما قفز السائق وصاح بنا:
” دبروا حالكم, لزّوا على بعض، المكان قريب استحملوا شوي.”
كنا نعلم يقيناً أنّ المكان يبعد قرابة الساعة ولكن عبارة ” كأنك في الجنة” التي ألهبت رؤوسنا قد اشتعلت إلى حدٍ لم يعد بالامكان اطفاؤها.
تسلّلنا أنا وسليم وخالد بين الركاب أمّا مصطفى فقد انسحب عائدا وهو يقول:
” أنا ما بروح هيك روحة.”
ولكن بعد أن اجتازنا كيلو متراً تقريباً فوجئنا برأس مصطفى يتدلى عن ظهر الحافلة وهو يقول:
” إذا انصهرت على الصاج ارفعوني شوي شوي، لا تنزعوني نزع!”
ضحك الجميع وضحكنا معهم بعيوننا فقط, فلم يكن هناك أيّ مجال لأجسادنا لتتحرّك أو حتى تهتزّ. كنّا بالكاد نتنفّسّ.
أنا وحسين كنا نتقاسم نصف مقعد، أما سليم فقد كان رأسهُ ملتصقاً بسقف الحافلة وقدميه مثبتتان على العتبة بينما يتشبّثُ بكلتي يديه بمقبض الباب خشية أن يُفتح فجأة ويهوي في أحد الوديان المجاورة للطريق الملتوي كالأفعى.
مجرد عبور ذلك الطريق كان متعة في حدَّ ذاته، لوحة ساحرة رسمتها ريشة خلّاق مبدع. الجلسة غير المريحة لم تمنعنا من تأمّل المشهد الخلّاب, أحراش الجبال تناوبت بين خمسة درجات للون الأخضر التقطتها أبصارنا بالرغم من انسياب الحافلة على الدروب الخطرة. على حين التفاتة التقت عيوننا وتبادلنا الابتسام،عرفنا لاحقاً أنّ الفكرة ذاتها كانت تطوف في رؤسنا نحن الثلاثة.
لم نكن نشعرُ بالإستياء!
ضيق المكان،خضخضة الحافلة، ولا حتى تيبّسُ أطرافنا جعلنا نتأفّفُ أو نتعجّلُ الوصول.
هذه هي إذاً!
هذه هي الشرارة التي تضيئ الطريق إلى الغايات العظيمة!
كلّ ما نظنّهُ عسيراً ومرهقا إذاً يمكننا احتماله وتجاوزه.
النهوض فجراً للصلاة، توجيهاتُ الأهل الباعثة غالباً على الملل، جهد التعلم ومسؤوليات العمل، اختلافنا وخلافاتنا مع من حولنا، وأشياء كثيرة بدت لنا وقتها كالغيوم البيضاء التي تعدو فوقنا نحو الجنوب.
عندما شارفنا على الوصول قال سليم بأنه لم يعد يشعر بركبتيه وأنّه ربما يحتاج أياماً حتى يقدر على فرد جسمه والوقوف منتصباً، ولكن لدهشة الجميع كان هو نفسه أوّل من قفز في النهر حتى قبل أن يُنهي الشباب نقل أغراضهم من الحافلة.
في الخمسة دقائق الأولى وبعد دورة قصيرة جالت أبصارنا فيها على المكان، كنا قد نسينا تماما كلّ انزعاجٍ وضيق أصابنا في الطريق ولم يكن يطوف في بالنا سوى احساسٌ واحد، كان السائق محقّاً، “الرحلة قريبة والمكان يستحقّ.”
حتى أؤلئك الذين حظوا بمقاعد مريحة لم يكونوا أكثر ابتهاجاً منّا لحظة الوصول.
أربعون سنة مرّت منذ ذلك اليوم، خضنا حياتنا بطولها وعرضها،عبرتنا خيبات مريرة، تجاوزنا بضع عقبات، وعقبات أخرى أرهقتنا، امتحنت صبرنا و إيماننا, زارتنا الأفراحُ والأحزان، والصحّة والمرض، لكنّنا في كل مرّة نلتقي كنّا نذكرُ تلك النزهة، فقط لنذكّرّ بعضنا بأنّ الرحلة قريبة، وأنّهُ لا همّ للمسافر إلّا الوصول!