رحيل شيخ من شيوخ القرآن والتربية
منار الاسلام
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وببالغ الحزن والأسى، تلقّت أسرة موقع منار الإسلام نبأ وفاة أحد أعلام التربية والتعليم العتيق بالمغرب، وشيخ مدرسة أولاد الشيخ العتيقة بإقليم قلعة السراغنة، وأحد منارات الزهد والورع؛ الشيخ الفقيه سعيد الصديقي رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح الجنان وألهم ذويه الصبر والسلوان.
انتقل الفقيد إلى جوار ربه يوم الأحد 26 محرم 1448 الموافق ل 12 يوليوز سنة 2026 بإحدى المصحات بالبيضاء بعد عمرٍ مبارك قضاه في خدمة القرآن الكريم والدعوة إلى الله، وتعليم العلوم الشرعية.

وجدير بالتذكير بأن الفقيد رحمه الله تعالى، سليل بيت علم وقرآن. نهل من النبع الصافي لكبار علماء المغرب، وتأثر بالمدارس العلمية الكبرى، ومن أبرز من أخذ عنهم علمياً وتربوياً العلامة الحاج الحسين أبو الحق (فقيه مدرسة إيكونكا)، والشيخ الفقيه الأديب محمد الدادسي الملقب بالحاج الغالي وغيره، ودرس بمدرسة لحنيبلات بآسفي، ثم بمدرسة أولاد الشيخ بقلعة السراغنة، وكان رحمه الله نموذجًا للعالم العامل، والمربي الصادق، والداعية المخلص، إذ أمضى أكثر من ثلاثة عقود في تعليم الناس أمور دينهم، ونشر العلم والمعرفة، وتحفيظ كتاب الله تعالى، صابرًا محتسبًا، لا يبتغي إلا وجه الله الكريم. فكانت حياته كلها بذلًا وعطاءً، وجهادًا بالكلمة والتعليم والتربية، حتى صار مدرسةً تخرّج على يديه أجيال من حفظة القرآن وطلبة العلم والدعاة.
لقد احتل الشيخ الصديقي مكانة مرموقة في أوساط قبائل تساوت وإقليم السراغنة فلم يقتصر دوره على التعليم والإرشاد في محراب التدريس، بل كان قاضي النوازل ومصلح ذات البين، يلجأ إليه الصغير والكبير لفض النزاعات وحل الخصومات لما يتمتع به من هيبة علمية وقبول ووقار، وضرب أروع الأمثلة في العفة والاستغناء عن سؤال الناس، فكان ينفق على طلبة العلم ويقوم على شؤونهم من خيرات أرضه ومحاصيله الزراعية، ولا سيما الزيتون، مؤثرًا الكسب الحلال، محافظًا على كرامة طالب العلم، مؤمنًا بأن خدمة القرآن وأهله عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى. فجمع بين شرف العلم، وصدق الدعوة، ونبل الأخلاق، وعفة النفس، وكرم اليد، فقد كان الفقيد غفر الله له وأسكنه فسيح الجنان يجمع في طريقته بين الرسوخ العلمي المتين في الفقه واللغة، وبين التربية الروحية وتزكية النفوس على منهاج النبوة، مشتهراً بين طلابه بالكرم الحاتمي والإيثار الشديد مع الغرباء وأهل العلم.

وتعد مدرسة أولاد الشيخ العتيقة الواقعة شرق مدينة قلعة السراغنة، من أهم الاثار التي خلفها الشيخ رحمه الله تعالى والتي ستخلد ذكره في الصالحين، فقد كانت حصناً من حصون الهوية الإسلامية وتدريس العلوم الشرعية والقراءات، ونموذجا يحتذى في التأسيس لتعليم في كنف الأمة، فقد احتضنت أزيد من 160 طالباً من مختلف أنحاء المغرب، كان رحمه الله تعالى يتكفل برعايتهم، وتدريسهم، وتأمين قوتهم وفراشهم بمعية ثلة من المحسنين.

ومما يجدر التذكير به أن الفقيد رحمه الله تعالى أوذي في طريق الدعوة إلى الله كما أوذي كل صالح مصلح، وعالم معلم، ينشد الإصلاح والتغيير، ويصدع بكلمة الحق بحرية واستقلالية، حيث تم توقيفه من خطبة الجمعة سنة 2017 دون سبب ولم يثنه ذلك عن مواصلة المسير، وحينما هب أهل القبيلة برجالها ونسائها وأطفالها لنصرته والتضامن معه ولم يرضوا عنه بديلا، تعرضوا جميعا لتعنيف مادي وحشي ومتابعات قضائية ظالمة تقبل الله من الجميع.
لقد رحل الشيخ سعيد الصديقي عن هذه الدنيا الفانية، لكن سيرته العطرة وآثاره المباركة ستظل حية في تلاميذه، وفي كل من نهل من علمه، وانتفع بتوجيهه، وسار على نهجه. وإن خير ما يخلّده بعد رحيله علمٌ يُنتفع به، وطلابٌ ربّاهم، وقرآنٌ غرسه في الصدور، ودعواتٌ صادقة تلهج بها الألسن له في حياته وبعد مماته، رحم الله الشيخ سعيد الصديقي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وألحقه بالصالحين، وجعل ذريته وتلامذته خير خلف لخير سلف.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾