منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إنكار الأحاديث الصحيحة المشكلة (4) القضايا الجزئية في الانتصار

ذ. يحي زركيط

0

إنكار الأحاديث الصحيحة المشكلة (4) القضايا الجزئية في الانتصار

بقلم: ذ. يحي زركيط

إن استشكال الأحاديث الصحيحة أمر جائز إذا كان غرضه التفهم ورفع ما قد ينقدح في الذهن من تعارض بينها وبين قطعيات الدين والعقل. لكن ما هو مرفوض أن يتحول الاستشكال إلى ذريعة لإنكارها ومطية للطعن في السنة وحجيتها.

ولا شك أن وقوع الالتباس والاشتباه في بعض نصوص الوحي أمر ممكن ومتوقع، لما في ذلك من الحِكم الخفية والمقاصد الشرعية. وقد جعل الله سبحانه سؤال أهل الذكر والراسخين في العلم سبيلا للعلم وإزالة ما أشكل على الفهم. يقول الشيخ المعلمي اليماني: “‌استشكال ‌النص لا يعني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبوابا من الجهاد يرفعهم الله به درجات.”[1]

لكن خصوم السنة النبوية في عصرنا لمّا قصر بهم حبل العلم بدقائق الإسناد وقواعد الجرح والتعديل، وضاقت عليهم مسالك معرفة العلل ومصطلح الحديث، جعلوها فوضى وجرأة على المتون، ينكرون ماشاؤوا بلا ضابط ولا حاكم. وقد جعل الشاطبي من أوصاف الزائغين عن طريق الحق: “ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها: كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة، وكذلك حديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.”[2]

فبالإضافة إلى كثير من الأحاديث الصحيحة التي شكك فيها الأقدمون خصوصا ما اندرج منها تحت باب الاعتقادات كمسألة الشفاعة والمعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وسلم وأحاديث صفات الله عز وجل وعذاب القبر، صار التشكيك في عصرنا يشمل كل أبواب العلم، حتى الأحاديث المتعلقة بالعبادات والمعاملات والأخلاق والسير والمناقب والأحاديث التي تضمنت إشارات إلى علوم الفلك والطب وخلق الإنسان وغيرها، فكل من لم يرُق له حديث أو لم يوافق هوى في نفسه صار عنده محل تشكيك وإنكار.[3]

أما أسباب إنكار الأحاديث الصحيحة بدعوى الاستشكال فمردها في الغالب إلى أمرين:

الأول: الغلط في فهم المستشكِل لمراد النبي صلى الله عليه وسلم في ما له ارتباط بدلالات الألفاظ وفهم السياق وسبب الورود.

الثاني: توهم التعارض والتناقض بين الحديث المشكل وبين آيات القرآن والعقل وحقائق العلم الحديث والحس والتاريخ. وهذا التوهم ناتج عن تحكيم العقل وجعله المقياس الأول والأخير في قبول الأحاديث أو ردّها.

إن هذه الأحاديث التي أنكرها المتعجلون لم يخف على علماء الأمة ما قد تتضمنه متونها من إشكال أو خفاء معنى أو تعارض ظاهري بينها وبين نص شرعي أو دليل من العقل، لكن تريثهم في الإنكار راجع إلى أمور أجملها الشيخ محمد أبو شهبة في أربعة وهي:

  • قد يكون متن الحديث متشابها غير مفهوم العبارة فلا محل – مع هذا الاحتمال – لتحكيم النقد العقلي المجرد في المتن، إذ مثل هذا المتشابه مما لا تستقل العقول بإدراكه، ولا يدرك المراد منه إلا من الله أو عن رسوله المبلغ عنه، والواجب إما الإيمان به كما ورد مع تفويض علم حقيقته إلى الله والتنزيه عن الظاهر المستحيل، وإما التأويل بما يوافق العقل وما أحكم من النقل، وذلك مثل أحاديث الصفات ونحوها.
  • ‌‌وقد يكون متن الحديث ليس من قبيل الحقيقة بل من قبيل المجاز، فرفضه – باعتبار حمله على الحقيقة استنادا إلى أن العقل أو الحس والمشاهدة لا تقره مع إمكان حمله على المجاز المقبول لغة وشرعا – تهجم وتنكر لقواعد البحث العلمي الصحيح، وذلك مثل حديث ذهاب الشمس بعد غروبها وسجودها تحت العرش المروي في الصحيح.
  • وقد يكون متن الحديث من قبيل المغيبات كأحوال القيامة واليوم الآخر فردها – تحكيما للعقل فيها وبناء على قياس الغائب على الشاهد – ليس من الإنصاف، وذلك كالأحاديث الواردة في صفة الجنة ونعيمها والنار وعذابها ونحو ذلك.
  • وقد يكون متن الحديث من الأخبار التي كشف العلم عن مساتيرها واعتبرت من المعجزات النبوية إلى أن جاءت الأيام بتصديقها.”[4]

وقد كفانا المتقدمون بدفع كثير من الشبهات عن الأحاديث المشكلة التي اتخذها أهل الأهواء منفذا للطعن في الدين، فكتب ابن قتيبة الدينوري (ت 276ه) “تأويل مختلف الحديث”، والطحاوي (ت361ه) كتاب “شرح مشكل الآثار”، ومحمد بن فورك (ت 406هـ)”مشكل الحديث وبيانه”، وغيرهم كثير.

وصار مشكل الحديث علما مستقلا من علوم الحديث، “إنما يكمل للقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقه، الغواصون على ‌المعاني ‌الدقيقة.”[5]

إن الاستعجال في إنكار الأحاديث الصحيحة بداعي الاستشكال، قد نجم عنه أولاً الطعنُ في رواة الأحاديث وازدراؤهم ورميهم بأبشع النعوت، ثم انتقل الأمر إلى الطعن في السنة بأكملها، والدعوة إلى تجاوزها والتخلص منها.

ولا عجب أن يخرج في عصرنا أمثال صاحب كتاب (دين السلطان)، الذي ادعى أن أغلب ما ورد في الصحيحين يخالف القرآن الكريم. فبعد دراسته لمتون تلك الأحاديث التي تُعدّ بالآلاف، لم يجد سوى (489) حديثا يتوافق متنها مع معاني القرآن، مع عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قالها قطعا[6]. والنتيجة التي خلص إليها: “إذًا فكل الأحاديث المنسوبة للرسول الكريم والتي برهنتُ لكم في هذا الكتاب أنها غالبا ما تناقض كتاب الله، كما تناقض بعضها أحيانا، مصادر أغلبها من التوراة والإنجيل المحرفتين، مع عدم وجود ما يشهد لها في كتاب الله، علما أن كل الأحاديث التي تناولتُ بحثها فقط من الصحيحين (صحيح البخاري ومسلم).”[7]

هذه الجرأة على السنة النبوية وهذه الحملات المسعورة على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كانت محفزا لعدد من العلماء المخلصين للقيام بواجبهم في نصرة الدين وإبطال شبه المتحاملين و تضليل العابثين وسفسطات الجاهلين.

يقول الدكتور أحمد القُصير:”ولما كانت نصوص الوحيين فيها محكم ومتشابه فقد نفذ من تلك النصوص المتشابهة أعداء الإسلام؛ ليثيروا الشبهات حول القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تارة بالطعن فيهما، وتارة بالتشكيك وإثارة الشبه حولهما، يريدون بذلك تضليل الأمة، وصدها عن دينها القويم، كما أخبر سبحانه عنهم بقوله: ﴿فَأَمَّا اَلذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ اُبْتِغَاءَ اَلْفِتْنَةِ﴾ آل عمران: 7، إلا أن الله رد كيدهم في نحورهم؛ فهيأ لكتابه وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – رجالا أفذاذا من علماء المسلمين، ينفون عنهما انتحال المبطلين وتحريف الغالين، فكشفوا زيف تلك الشبه والأكاذيب، وأزاحوا الستار عن خطرها وكيدها… وبينوا أن نصوص الوحيين حق وصدق، لا تتعارض ولا تتناقض، وقد ألفوا في ذلك تصانيف عدة، اتخذها من جاء بعدهم قدوة.”[8]

وهذه بعض كتابات المنتصرين للسنة حول قضية الأحاديث الصحيحة المطعون فيها:

  1. “دفاع عن السُنَّة ورد شبه المُسْتَشْرِقِينَ والكتاب المعاصرين” محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة ط. الثانية 1406هـ/1986م.
  2. “كيف نتعامل مع السنة النبوية: معالم وضوابط” يوسف القرضاوي، دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة مصر ط.2 1411ه.
  3. “دراسة نقدية في علم مشكل الحديث” إبراهيم العسعس، المكتب الإسلامي بيروت ط. الأولى 1416ه.
  4. “ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر” مقبل بن هادي الوادعي، دار الآثار صنعاء ط. الثانية 1420ه/1999م.
  5. “العقلانيون ومشكلتهم مع أحاديث الفتن” مبارك البراك، دار الإيمان الإسكندرية ط. الثانية 1420ه/1999م.
  6. “إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان: دراسة تأصيلية تطبيقية تبين المنهج العلمي في الإجابة عن الإشكالات التي ربما تعرض في بعض الأحاديث” علي بن عبد الله الصياح، دار المحدث الرياض ط. الأولى 1425ه.
  7. “الأحاديث المُشْكِلة الواردة في تفسير القرآنِ الكريم: عرض ودراسة” أحمد بن عبد العزيز بن مُقرن القُصير دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ط. الأولى 1430ه.ـ
  8. “جهود المحدثين في نقد متن الحديث” محمد طاهر الجوابي، نشر مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله تونس (د.ط)
  9. الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة (ردٌّ على مصطفى محمود) عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم الحميد، طُبع على نفقة بعض المحسنين ط. الأولى 1421.

[1]  الأنوار الكاشفة ص 223.

[2]  الاعتصام، إبراهيم بن موسى الشاطبي تح: سليم بن عيد الهلالي دار ابن عفان، السعودية ط. الأولى، 1412هـ/1992م. ج1/294.

[3]  انظر الأحاديث الصحيحة المطعون فيها في كتاب (أضواء على السنة) و(دين السلطان).

[4]  دفاع عن السنة 43-45.

[5]  مقدمة ابن الصلاح ص284.

[6] دين السلطان ص 240.

[7]  المرجع نفسه ص 713.

[8]  الأحاديث المُشْكِلة الواردة في تفسير القرآنِ الكريم: عرض ودراسة، أحمد بن عبد العزيز بن مُقرن القُصير، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ط. الأولى 1430هـ. ص 5-6

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.