منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وردة من ورق (قصة قصيرة)

وردة من ورق (قصة قصيرة)/ فيحاء نابلسي

0

وردة من ورق (قصة قصيرة)

فيحاء نابلسي

 

لم تكن سوسن المتدثرة بلحافها غافية,كانت تترقب أنفاس الصباح وتراقب زوجها من طرف خفي بعيني قناص يترصد هدفه ليطلق رصاصته في اللحظة المناسبة.
يُفترض بالصباحات أن يكنّ بدايات!
أضحكتها الخاطرة.
الصباح بداية النور, بداية النهار , بداية الحكايات, وأحيانا يأتي بالنهايات¸ أليس هو نهاية العتمة, نهاية الليل ونهاية الحكايات أيضا!
على أية حال ليس هناك ثمّة فرق شاسع بين البدايات والنهايات, كل بداية تحمل في ذيلها نهاية , وكل نهاية تفتح باباً لبداية جديدة .
البدايات جميلة وكذلك بعض النهايات أيضا, المشكلة فقط في هذا البرزخ الطويل بينهما, عندما تعلق, فيه فلا أنت قادر على استعادة حلاوة البداية وتخشى مرارة النهاية فلا تجد خطاك إلى الخلاص, فتبقى عالقا في برزخ بين الحياة والموت.
” فلسفة من تحت اللحاف” هههههه
هاهو يخرج ملابسه, يتحرك بهدوء بالغ, لا يبدو عليه الارتباك! ربما لا يشعر بشيء يدعوه لذلك.
قصة حبهما بدأت أيضا ذات صباح.
كانا جيرانا, عبرا معا من الطفولة إلى الفتوة إلى الشباب.
وذات صباح بدءا طريقا واحدا , سارا معا خطوة خطوة.
كيف توقف كل هذا؟ من الذي خطا خطوة خارج المسار حتى تفرقت بهما السبل؟
بدأ يقفل أزرار قميصه, يمسّدُ الأكتاف ويشدّ الياقة , يهندمها.
وجهه مستبشر وكأنه يدندن في أعماقه لحنا مرحا!
” هزّي أم حسين هزّي” ههههههه
أم حسن وأم حسين سمعتا عن رحلات القطار, جهزتا صرّة زاد كبيرة وانطلقتا إلى المحطة, صعدتا إلى العربة الأخيرة, لم تكن عالقة بالقطار, انطلق القطار وبقيت العربة في مكانها, فتحت أم حسن وأم حسين الصرّة وبدأتا بتناول الزاد, المالح والحامض والحلو ! أم حسين تقول :” كأنه القطار واقف بأرضه ! ترانا ما نهزّ يا أم حسن!” ردت أم حسن :” إشو عليه , هاي أكلنا الأكلات , هزّي أنت أم حسين هزّي.”
كادت تفلت منها ضحكة.
كتمت أنفاسها كي لا ينتبه, ربما لن يسمعها حتى لو قهقهت, هو في شغل عنها مستغرق في تأنقه.
سنوات وهي تهزّ وتهزّ وعربتها عالقة على السكة , النكتة التي كانت تغرورق عيناها لها بالدموع أصبح مذاقها مريرا في حلقها.
كان على أحدهما أن يدفع العربة لتكمل طريقها, ربما ظنّ كلّ واحد منهما أنّ على الأخر أن يقوم بذلك, ربما لم يكن لدى أي منهما وقتا, كانا يدوران معا بين حجري رحى يطحنان العمر والعافية ويحثوان الدراهم وسقط المتاع. لم يفطنا إلى أن عربتهما توقفت منذ زمن.
ولكن أي عافية تتبقى لامرأة ,تعمل أكثر من نصف يومها خارج بيتها, لتدفع عربة؟ كانت هي بحاجة لمن يدفعها , لمن يسندها كي تبقى واقفة على قدميها.
يفتح درجاً, يصدر صريرا , يمسكه بهدوء , يخشى أن يوقظها, يخرج جوربا أبيض, ههههه لا يعرف أن الجوارب البيضاء لم تعد رائجة ! ما زال عالقا في زمن التسعينات!
جدتها ماتت وهي تنوح على رفيق عمرها! ” يا عمود البيت وسراجه , يا ظلي وسندي” رحلت وما جفّ دمعها عليه!
كم من الدموع ستذرف هي عليه إذا رحل؟
ليس عمود البيت ولا سراجه, ليس ظلها ولا سندها, تعمل مثلها مثله وربما تكسب أكثر منه وتنفق كما ينفق وزيادة, كشريكان في شركة واحدة.
من الخبيث الذي سمى الزوج شريك حياة؟
الشركاء لا تجمعهم المحبة, تجمعهم المصلحة, وتبقى الشراكة ما بقيت المصلحة.
جدّها لم يكن لجدتها شريكا, كان راعيا وحاميا ومعينا, وكان لديها الوقت لتحبه , كل الوقت وكل العمر, لم تكن تلهث معه وراء القرش, كانت حياتهم بسيطة وحلوة, ” زمن الأول حوّل” ! هل تراهم كانوا هم الأصح؟
عبقت في الغرفة رائحة العطر,هههه, يضع اللمسات الأخيرة, عطر جديد لبداية جديدة ههههه .
قبل شهرين غرست له وردة في حديقتهما المقفرة , أغدقت عليها العطربسخاء وزينتها له حتى فُتن بها وشغلته,أيقظت في نفسه أحاسيس غافية ظنتها ماتت منذ زمن بعيد, فجرت في أعماقه ينابيع حسبتها جفت وغارت, لكنها كانت وردة من ورق, لا تنمو ولا تزهر, ليتها كانت وردة حقيقية , أتراها تربتهما تنبت الورود من جديد؟
يمشط شعره , يرجله بزيت عطري, يوزع ما تبقى من خصلات يغطي ما عرّى الزمن من رأسه.
يهذّب حاجبيه ويبتسم للمرآة, مايزال على قدر من الوسامة.
يزيح طرف الستارة,يترقب الشروق, يستشرف بداية جديدة.
عبرتها مسحة أسى, أشفقت عليه وأشفقت على نفسها, كان يليق بهما صباحاً بهياً كهذا الصباح,
عشرون سنة مرّت, كل يوم تشرق الشمس من مكان وتغرب في مكان وهما يشرقان ويغربان في المكان نفسه , حفرت الرتابة فيه جبّا عميقا غار فيه الحب والشغف واللذة.
والأن يريد أن يفرّ بجلده, يحسب أنه يجني العسل من غير لسع النحل!
ابتلعت غصتها ونهضت جالسة في الفراش.
باغتته يقظتها, لكنه استدرك المفاجأة.
_ ” صباح الخير, إلى أين العزم؟”
_ ” صباح النور, مشوار قريب, لي حاجة أقضيها ”
_ ” الأن ! في هذا الوقت!”
_ ” هكذا جاءت.”
_ ” من هي ؟”
_ ” لا أحد , أقصد هكذا جاءت الأمور.”
_ ” ستتأخر؟”
_ ” نعم …. لا … ربما قليلا… حسب الظروف.”
_ “كنت أريد أن أقول لك شيئا.”
_ ” الأن؟”
_ ” ليس لديك وقت ؟”
_ ” لا أبدا , قولي .”
_ ” أنا دعاء.”
بدا كمن داس على أرض رطبة, استعاد توازنه بسرعة, توهجّ وجهه بحمرة المفاجأة, تلفت حائرا وكأنه يقف في أرض ملغومة.
حدقت في عينيه بنظرة ثابتة, هذه هي اللحظة التي تنتظرها من شهرين, تأملت اختلاجات قسماته , وبر وجهه ينتصب كقط يتأهب للهجوم,
_” أنا دعاء التي تحدثك على الفايس منذ شهرين!”
أطلقت عيارها المدوّي وانزلقت تحت ظلمة اللحاف من جديد.
ليس لنا هذا الشروق.
كانت وردة من ورق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.