من ثمار انتماء الفرد المؤمن للعمل الدعوي المنظم || بن سالم باهشام
من ثمار انتماء الفرد المؤمن للعمل الدعوي المنظم || بن سالم باهشام
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
خطبة الجمعة
من ثمار انتماء الفرد المؤمن للعمل الدعوي المنظم
بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا.
عباد الله، يقول الحق عز وجل في سورة هود: ﴿ قَالُوا۟ یَـٰشُعَیۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِیرࣰا مِّمَّا تَقُولُ، وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِینَا ضَعِیفࣰاۖ، وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَـٰكَۖ، وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡنَا بِعَزِیزࣲ* قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيَ أَعَزُّ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَاۤءَكُمۡ ظِهۡرِیًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِیطࣱ﴾ [هود 91 – 92]، أي قالوا: يا شعيب؛ ما نفقه كثيرًا مما تقول، وإننا لَنراك فينا ضعيفًا لست من الكبراء ولا من الرؤساء، ولولا مراعاة عشيرتك لقتلناك رجْمًا بالحجارة – وكان رهطه من أهل ملتهم -، وليس لك قَدْر واحترام في نفوسنا. قال: يا قوم أعشيرتي أعزُّ وأكرم عليكم من الله؟ ونبذتم أمر ربكم فجعلتموه خلف ظهوركم، لا تأتمرون به ولا تنتهون بنهيه، إن ربي بما تعملون محيط، لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة، وسيجازيكم عليها عاجلًا وآجلًا.
عباد الله، إنها قبيلة مدين، وقد بعث الله فيهم نبيه ورسوله ومصطفاه شعيب عليه السلام، ليدعوهم إلى الرجوع إلى الله تعالى، والتوبة النصوح، وبعد الانتهاء من نصحه لهم قالوا له على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيرا مما تحدثنا به، فجعلوا كلامه المشتمل على فنون الحكم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يفهم معناه، ولا يدرك فحواه. مع أنه عليه السلام، كما ورد في الحديث النبوي الشريف أنه (ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه) [ رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص]. (2/ 620)
ولم يكتف قومه بهذه الاستهانة التي بدت من خلال كلامهم، بل ازدادوا وقاحة فقالوا له: إنه لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، ولولا جماعتك لقتلناك رمیا بالأحجار، ولست عندنا بمكرم ولا محترم حتى نمتنع من رجمك.
عباد الله، بعدها انتقل نبي الله شعيب عليه السلام مع قومه العصاة المتجبرين إلى أسلوب التوبیخ، قائلا لهم: یا قوم، کیف تترکوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظاما لجناب الرب تبارك وتعالى، فهل عشيرتي أعز عندكم من الله وأکرم؟ وجعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه، ولا تعظمونه، كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به.
عباد الله، إن النفوس حين تفرغ من الإيمان الخالص، والقيم الرفيعة، والمثل العليا العالية، فإنها لا ترى من المصالح إلا المادية القريبة، والدنيوية الزائلة، ولا تعطي قيمة إلا للقيم الدنيوية، فلا ترى حُرمة يومئذ لدعوة كريمة، ولا لحقيقة كبيرة، ولا تتحرج عن البطش بالداعية الذي لا يريد بهم سوى الخير وسعادة الدارين، إلا أن تكون له عصبة تؤويه، وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه، أما حرمة الدين والحق والدعوة، فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية. تلك هي سنة الله في كل زمان ومكان .قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]، وقال تعالى في سورة الفتح: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23].
عباد الله، من هنا تظهر أهمية العمل الإسلامي المنظم والمعتدل الذي لا عنف فيه ولا تشدد، وضرورة انتماء الفرد المؤمن له، فانتماؤك یا أيھا المؤمن، ويا أيتها المؤمنة، للجماعة الإسلامية المنظمة، تحفظ لك هیبتك وحرمتك وکرامتك، وبانتمائط هذا؛ تكون محصنا من شياطين الإنس والجن، فلا يجرؤ الأعداء علی إيذائك أو التطاول علیك في دم أو مال أو عرض، ما دمت منتميا للجماعة الإسلامية الفلانية، التي لها الوزن الفلاني، والسمعة الفلانية، والثقل الفلاني في الأوساط داخل البلد وخارجه، والذي حازت عليه بسبب مواقفها وسلوك أفرادها. وما دمت منتميا لها، فإن لك من تلك الجماعة الإسلامية ظهیرا ونصیرا، وحتى لو تجرأ أعداء الدين، فآذوا هذا المومن، أو هذه المؤمنة، في دم أو عرض، فإن إخوانه سينصفونه، وسيردون له مظلمته على نحو ما حدث حين اعتدى يهود بني قينقاع على حرمة امرأة مسلمة، روى ابن هشام، عن عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة، عن أبي عوانة ( أن امرأة من العرب، قدمت بجلب لها – وهو ما يجلب إلى السوق – للبيع، فباعته بسوق بني قينقاع – وهم یهود – وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على يهود بني قينقاع، فكان هؤلاء أول يهود نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم) [ سيرة ابن هشام 2/47)، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من الزمن حتى نزلوا على حكمه، وأُخرجوا من المدينة حتى لا يجاوروا الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجوا إلى أذرعات الشام، وهلك أكثرهم فيها، ولو كانت هذه المرأة وحدها دون وجود جماعة مسلمة منظمة ومتماسكة وراءها، أو كان المسلمون مشتتين وبدون قيادة مطاعة، – كما هو الشأن في زماننا الذين يقدرون بمليارين تقريبا، ولكنهم غثاء كغثاء السيل -، ودون كرامة أو هيبة، من سينتصر لهذه المرأة؟
عباد الله، وهذا نموذج ثان في زمن المعتصم العباسي، إذ لطم رومي امرأة مسلمة في عمورية، فاستنجدت بالمعتصم العباسي قائلة: وامعتصماه، فبلغه ذلك، فجهز جيشا ضخما، آخره عنده، وأوله في عمورية، لتأديب الروم على هذه الفِعلة القبيحة.
عباد الله، هذا هو شأن المسلم حين يكون في جماعة إسلامية منظمة ومتماسكة، أما إذا كان وحده، فإن الأعداء من الإنس والجن سیتربصون به الدوائر، وسيكيدون له بكل ما أوتوا من قوة ووسيلة، ولعل هذا هو السر في حرص الأعداء على أن يظل المسلمون منقسمين على أنفسهم؛ على صعيد الدول أولا، وعلى صعيد الأفراد ثانيا، واستعمالهم لكل الوسائل لتشويه صورة العمل الإسلامي المنظم المتماسك، ووصفه بالعنف والإرهاب كذبا وزورا، وغيرهما من الألقاب، حتى ينفر الناس منه، لأنهم یؤمنون أن السيطرة على المسلمين والمسلمات، وإذلالهم، ونهب ثرواتهم وخيرات بلادهم، وإفراغ قلوبهم من المعاني السامية للإسلام، كل ذلك لا يتم إلا في جوفي الفرقة والشقاق، ومن شعاراتهم في هذا الصدد ( فرق تسد).
عباد الله، على ضوء هذه الحقيقة، يمكن أن ندرك الهدف من أمر الله عز وجل للجماعة المسلمة بالوحدة ونبذ الفرقة والتنازع. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، و قال سبحانه وتعالى في نفس السورة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]، وقال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
عباد الله، قولوا لي بالله عليكم: كيف ننشد النصر على أنفسنا، وعلى أعداء الإسلام، ولم نأخذ بالأسباب، ومن أهم هذه الأسباب، أن نكون منظمين مجتمعين في جماعة إسلامية ربانية مجاهدة، استشرافا لتوحد الجماعات كلها، لتحقيق وحدة الجماعات الإسلامية، بل وحدة فعاليات المجتمع كله، بميثاق إسلامي، على أرضية إسلامية، استشرافا لتوحد الدول الإسلامية كلها، لتحقيق موعود الخلافة الراشدة الثانية التي وعدنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فيا أخي المؤمن، ويا أختي المؤمنة، إن بانتمائكما للعمل الإسلامي المنظم، وسعيكما الجاد لدعوة الآخرين لذلك، فإنكما بهذا العمل الجادّ، تكونان قد تأهلتما لتـأييد الله، واستجلبتما عون الله وتأييده ونصره، وذلك أن المسلمين مهما كانت كثرتهم، ومهما كانت ضخامة استعدادهم، محتاجون إلى عون وتأیید من الله عز وجل، خالق الأكوان، والذي بيده الأمر كله، لا سيما في هذا الوقت الذي ضربت فيه الجاهلية أطنابها بكل مكان، وأمسك أعداء الله بخناق العالم الإسلامي، ولم يعد هناك متنفس أو منقذ، وقد مضت سُنّة الله في الكون، أنه لا يتنزل نصره إلا أن يشاء، دون أن تكون هناك تضحيات وتكاليف، وأول هذه التكاليف، وتلك التضحيات، أن يجاهد المسلم نفسه وهواه، وأن يكون مع الجماعة، ينفذ ما تأمر به، و يجتنب ما تنهى عنه مما يخالف شرع الله وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، ولقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم الأنظار إلى هذا المعنى؛ حين قال فيما رواه الترمذي من حدیث بن عمر رضي الله عنهما حين قال: (ويد الله مع الجماعة، ومن شَذّ شُذّ إلى النار)، [ رواه الترمذي في سننه ج4/ص467 ح2167]، وفيما رواه ابن ماجه في سننه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (… فإن البركة مع الجماعة) [ابن ماجه في سننه ج2/ص1094 ح3287].
عباد الله، إن المؤمن لتجده في شوق ولهفة إلى كل عمل يكثر فيه أجره، ويعظم ثوابه، بل يبادر إلى كل وسيلة تفتح له مجال الأجر والثواب، وأعظم هذه الوسائل التي يبادر إليها المؤمن لينال الثواب الجزيل، والأجر الوفير، انضمامه إلى جماعة إسلامية ربانية مجاهدة منظمة ومتماسكة، تسعى لتربية الفرد للارتقاء به إلى مقام الإحسان، وهو أعلى مقام من الدين بعد الإسلام والإيمان. ولتحقق به العدل في إطار حمل هم الشأن العام، ذلك أن المسلم مع الجماعة، يجد الفرصة أمامه سانحة لتحصيل مزيد من الأجر والثواب، مما لا يستطيع تحقيقه لو كان وحده منفردا، فهو يسلم على المؤمنين وينصح لهم، ويلبي دعوتهم، ويشمت عاطسهم، ويعود مريضهم، ويشيع ميتهم، ويتفقد غائبهم، ويودع مسافرهم، ويستقبل قادمهم، ويقرض محتاجهم، ويفرج عن مكروبهم، ويهدي لهم، ويقبل هديتهم، ويشير عليهم، ويُعلّم جاهلهم، ويتعلم من عالمهم… إلى غير ذلك من هذه المجالات المؤدية إلى الأجر والثواب، أما إذا كان وحده، فأنى له أن يقوم بشيء من ذلك؟ والمجال أمامه مغلق أو مسدود، ومن أمثلة ثمار هذا العمل المنظم، الذهاب إلى أداء شعيرة الحج أو العمرة، فلنضع مقارنة بين الفرد المنضم إلى جماعة إسلامية منظمة، وآخر منفردا، فشتان بين حج وعمرة هذا وذاك، فأما المنضوي تحت جماعة منظمة، فسيسافر مع إخوانه من بلده، وسيلتقي مع الآخرين من كل بلد من المغرب كله، ولهم برنامج تربوي محكم، لا تضيع فيه فترة ولو وجيزة من فترات الحج أو العمرة، فيزداد الأجر، ويعظم الثواب، ويستنير بنور إخوته، وذلك بصحبته لهم، في حين أن المنفرد، قد يلتقي مع أفراد لا برنامج لهم، وبذلك يجد أمامه الشيطان اللعين وأعوانه متربصين به وهو في تلك البقاع الطاهرة، ولقد أقسم لعنه الله على الله ليضلن العباد، وليقعدن لهم على الصراط المستقيم، قال تعالى على لسان إبليس اللعين في سورة الأعراف: ﴿ (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16، 17]، قال الغزالي رحمه الله : (المقصود بالصراط المستقيم طريق الحج).
عباد الله، أَتذكّر في موسم الحج الفارط، إذ اتصل بي هاتفيا أحد الإخوة، وأخبرني أن مجموعة من المؤمنین قد وزعوا أحزاب القرآن، ليقرأ كل واحد خمسة أحزاب، وكان من نصيبي الحزب السادس وما بعده، وستكون القراءة متحدة مع الأخ الواقف بجبل عرفة، وسندعو جميعا بعد الختم، فيا لها من أرواح متحدة لا تحجبها المسافات، ويا لها من قلوب منسجمة ونفوس مطمئنة، وتصور موحد، كل واحد يدعو لإخوانه على ظهر الغيب، متضرعين إلى الله، خاشعين له، منكسرة قلوبهم، وياحسرة عليك يا أخي، ويا حسرة عليك يا أختي، إن بقيتم منفردين منعزلين، بل إن انضمام كل واحد منكم إلى إخوتكم، وعبادتكم الله معهم، يحدد لكم حتى كيف ستكون خاتمتكم عند خروج الروح إلى بارئها، واسمعوا إلى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه، لتعرف كيف يتم ذلك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) [أخرجه مسلم (4/2206 رقم 2878)].
فیا أخي في الله، یا عبد الله، و یا أختی في الله، یا أمة الله، ماهي الحالة التي ترضي كل واحد منكما أن يموت عليها، هل تريد أن تموت وأنت في معصية، إما تنظر إلى المحرمات، أو تجلس في أماكن الحرام، أو تتعامل بالحرام، أم تريد أن تموت وأنت تذكر الله، أو تقرأ القرآن، أو تدعو إلى الله، أو تستمع إلى كلام الله، أو تجالس الذاكرين من أهل الله؟ إن الحالة التي تريد أن تموت عليها أخي، أختي، متوقفة على من تجالس، فقد نقل شمس الدين الذهبي في کتاب الكبائر: ( أن مجاهد رحمه الله، وهو من التابعين، من تلامذة الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما قال: “ما من ميت يموت، إلا مُثّل له جلساؤه الذين كان يجالسهم، فاحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاهُك، ثم مات، فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب. فقال عوض كلمة الإخلاص: شاهك، وهذا كما جاء في إنسان آخر ممن كان يجالس شُرّاب الخمر، أنه حين حضره الموت، فجاءه إنسان يلقنه الشهادة، فقال له: اُشرب واسقني، ثم مات، فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم).
عباد الله، إنه إن لم يكن في كينونتك مع المؤمنين المنتظمين في جماعة إسلامية إلا هذه الفائدة، وهي أن جلساءك الذين كنت تجالسهم في الدنيا سيمثلون لك عند الاحتضار، لكانت نعمة عظمى، وخيرا كثيرا عليك وعلى أهلك وذريتك، وإلا فالخسارة على من لم يختر الصالحين، ولم يبحث عن الصالحين، ولم يجالس الصالحين، ماذا سيفعل عندما تخرج العينان لشدة سكرات الموت، وترتخي اليدان، وتبرد الرجلان، ويثقل اللسان؟ قال تعالى في سورة الواقعة:﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾[الواقعة: 83 – 85]، فمن سينفعك حينها يا عبد الله، ويا أمة الله، أين أحبابك؟ أين أصدقاؤك؟ أين رفقاؤك؟ وتخرج الروح، ويغلق سجلك، فمن سينفعك يوم القيامة، يوم يفر الزوج من زوجته، والابن من أبيه وأمه، والآباء من أبنائهم، كل واحد يقول: نفسي نفسي، قال تعالى في سورة عبس: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34 – 37]، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
.