منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“أم حسبتم”

"أم حسبتم"/ محمد القائم

0

“أم حسبتم”

بقلم: محمد القائم

أم حسبتم: ذكرت مرتين في سياق استنهاض الهمم، وشحذ عزائم الصاعدين للقمم، الطامعين في الصدارة وإمامة الأمم، كي لا يصيبهم الضعف والوهن، ويتوانوا في السير إلى الأمام. إذ المعول عليه إتيان العمل الذي يترتب عليه الأجر وهو الجمع بين الجهاد والصبر، وعدم الإكترات بما يصاب به المجاهد من قرح، فإن القرح يمس كلا الفريقين، مداولة بينهما من الحق سبحانه. وثالثة تفيد بعد الحث على القتال ليعذب الله الكافرين المعتدين على الحرم، المغتصبين للديار، بأيدي المومنين الصابرين المحتسبين، ليشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، التحذير من اتخاذ الوليجة قال الطاهر بن عاشور رحمه الله “( الوليجة ) فعيلة بمعنى مفعولة، أي الدخيلة، وهي الفَعلة التي يخفيها فاعلها، فكأنّه يُولجها، أي يُدخلها في مكمن بحيث لا تظهر، والمراد بها هنا: ما يشمل الخديعة وإغراء العدوّ بالمسلمين، وما يشمل اتّخاذ أولياء من أعداء الإسلام يُخلص إليهم ويفضَى إليهم بسر المسلمين، لأنّ تنكير وليجة } في سياق النفي يعمّ سائر أفرادها .

وفي زماننا ليست الهزيمة بكثرة الدمار، فإنه يحدث بالزلزال والإعصار، لكن الانهزام يبدأ بما يصيب الإرادة والإدارة من انهيار، وبقبول الذمم أن تباع بالدرهم والدولار، وبالتخاذل وعدم نصرة حماة الديار، وما النصر إلا من عند الله، ينصر من نصره، ومن سرى تبتل ليله في سبح النهار، وأعد العدة والعتاد واسباب الانتصار.

ويبقى المشترك بين الفئتين المتقاتلتين ما يلم بهم من ألم (إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما تالمون)، لكن الفرق في النية والرجاء (وترجون من الله ما لا يرجون)، شتان بين من يرجو الشهادة والفوز بالدرجات العلى في الجنة، ولقاء ربه والنظر إلى وجهه الكريم، وبين من يريد علوا في الأرض وفسادا، ويرجو عزا واستكبارا، لأنه لا يومن بالله وينكر اليوم الآخر إنكارا.

ويامن يرجو دخول الجنة، أين أنت من التهجد والتبتل في الدجنة، والدعاء والصيام الجنة، وابتغاؤك القوم “من الإنس والجنة” (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)، والجهاد بذل الجهد، ومواصلة الظلام بالضياء حتى يبلغ منك الجهد، والثبات نبات، والشجاعة صبر ساعة، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله الا إن نصر الله قريب).

حماة الدمار:

حين يسارع أفراد الأمة في نصرة المظلوم، ويهبون لإغاثة الملهوف ونجدة المكلوم، تأسيا بمن يحمل الكل ويكسب المعدوم، صلى الله عليه وسلم، فلتبشر بقرب خلاصها من أسباب المهانة والمذلة، ومسببي الحرج والهموم. ومن ينفس الكروب ويطبب الكلوم سواك يا حي يا قيوم.

ويا حبذا يوم الذمار، كلمة قالها أبو سفيان يوم باغته جيش الفاتحين، حسرة على عجزه عن حماية أهله وأنفته، وكان للعربي في جاهليته مروءة وكرم وكبرياء، يحمي المجد والذمار، ويحوط حرمه ووطنه، بل من قمة كرمه وشهامته عدم خذلان وإسلام الزميل، كما فعل أبو البختري الهاشمي الذي كان من ذوي المروءة الذين سعوا في نقض الصحيفة الظالمة، فخرج مكرها يوم بدر، فخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثلة من الهاشميين بالأمان وعدم القتل، فلقيه المجذر بن ذياذ فقال له استأسر، فقال له وزميلي، قال له: إنما أمرنا بك وحدك.فقال له المجذر‏:‏ لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك‏، قال‏:‏ لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعاً لا يتحدث عني نساء قريش بمكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة‏.‏
وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر‏:‏
لن يترك ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله

فيارب ارزق شباب الأمة مضاء العزيمة، واحفظهم من تعاطي أسباب الهزيمة، وأحي في قلوبهم الغيرة على الدين والعرض، كيما على الأعداء يغيروا وما علوا يتبروا، ومابأنفسهم وأمتهم يغيروا، فتعود للأمة خيريتها، وللإنسانية حرمتها، وللآدمية كرامتها، يا محيي ويا مغيث.

اللهم نصرك الذي وعدت المستضعفين من عليهم سيدي واجعلهم أئمة واجعلهم الوارثين، فأنت ترث الأرض ومن عليها وأنت خير الوارثين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.