من أعظم الجهاد (الجزء الأول)
منذ أن خلق الله الإنسان على وجه الأرض و السجال قائم بين الحق والباطل، فتارة ينتصر الحق وأخرى ينهزم، عندما يغفل الإنسان أو يسهو أو يضعف.
و ليس شرطا أن يحارب صاحب الحق بسيف أو سلاح، فالجهاد غير مقتصر في ساحة المعركة على السنان، كما أن المجاهدين من أهل الحق غلبتهم ليست دائما في ما يملكون من ذخيرة هائلة أو سلاح متطور، و لا في عددهم و عدتهم، بل قوتهم في قول الحق والصدح به جهرا أمام أهل الباطل.
و عن أنواع الجهاد فقد قسمه ابن القيم رحمه الله إلى أربع مراتب: جهاد النفس وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار وجهاد المنافقين، يقول الإمام ابن القيم:
— ( وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب، بالقلب واللسان والمال والنفس، و جهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باللسان ).
ما يهمنا في هذا المقال هو الجهاد باللسان، و له مجالات و مراتب متنوعة منها:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولا أو كتابة؛ قول كلمة عدل، وصرخة بحق، وصدح برأي أوموقف حتى يتم فضح ظالم أومتورط في قضية ما.
من حديث حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة قال:
( عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل؟ قال أنا يا رسول الله، قال : كلمة حق عند سلطان جائر ).
رواه النسائي و ابن ماجة و أحمد.
ولعل الجهاد بالقرآن هو أعلى منزلة في الجهاد بالكلمة. قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم ( فلا تطع الكافرين، وجاهدهم به جهادا كبيرا ) — الفرقان — 52 . أي جاهدهم بالقرآن، وهذه نزلت في مكة حيث لم يؤمر بعد على حمل السيف، وكان الجهاد مقتصرا على التبليغ بالحجة والبيان والقرآن.
نعود إلى عصر النبوة الأول في بداية الدعوة لنأخذ نموذجا من الجهاد بالكلمة والجهر بالحق أمام أهل الباطل.
كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أول من جهر بالقرآن في مكة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يجرؤ على الجهر بالقرآن سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصر ابن مسعود على أن يصدح بالقرآن أمام المشركين رغم تحذيرات الصحابه عن القيام بذلك لأنهم يعلمون النتيجة وهي — في نظرهم — القتل . قرر الذهاب نحو المشركين مقدما على أعظم الجهاد: كلمة حق متمثلة في تلاوة القرآن. وجهره بالقرآن فيه أمر بمعروف، لأنه أراد إسماع كلام الله لتلك القلوب المقفلة، و فيه نهي عن المنكر لأن تلك العقول وقفت ومنعت نشر رسالة الحق التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في السيرة أن ابن مسعود دخل على قريش في أنديتها وقرأ عليهم سورة الرحمن رافعا بها صوته، فجعلوا يضربونه وقد أثروا في وجهه ثم انصرف إلى أصحابه وقالوا له هذا الذي خشينا عليك.
الجهاد بالكلام هو قول كلمة حق، ونصح أمام شخص مسؤول يضيع حقوق و متطلبات من هم تحت إمرته و مسؤوليته.
الجهر بكلمة حق باللسان يعتبر عملا له مكانته عند الله، و هو في درجة تغيير المنكر باللسان لمن لم يستطع باليد، وله تأثيره فيمن سيسمعه وخصوصا إذا كان المتلقي صاحب بطش أو سطوة على حقوق العباد، أو له مكانة و سلطة داخل المجتمع تجعله يتصرف بعلو و تجبر وكبرياء، فتكون درجة و قيمة الجهاد بالكلمة بحسب قيمة السلطة والمكانة أوالدرجة التي يتمكن فيها الشخص الموجه إليه الكلام، ولعل أعلاها أن يكون في درجة سلطان.
إلا أن الجهاد باللسان هو عمل وتصرف على من أراد القيام به أن يتسلح و يتحلى ببعض الصفات أهمها؛ الاعتماد و الإيمان القوي بالله تعالى، الحكمة والبلاغة في الأسلوب، الحصول على علم ومعلومات في موضوع الكلمة والجرأة والشجاعة والإتيان بالحجج و الأدلة.
و لمن جاهد بلسانه، يكون أجره وثوابه مرتفعا بقدر ما تحقق للعباد من نفع و خير نتيجة ذلك الجهاد، وبقدر ما أصاب المجاهد بكلامه من ضرر مادي أو معنوي، وبقدر ما تعرض له من أذى و مخاطر، ولعل أعلى درجة الضرر التي قد تصيبه هي القتل، وهنا ترتفع المكانة إلى مستوى الشهادة.
روى الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فنهاه وأمره، فقتله )
…..يتبع