منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عن الشعر والنثر

عن الشعر والنثر/ أبو علي الصبيح

0

عن الشعر والنثر

بقلم: أبوعلي الصبيح

قلنا، ونقول منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا:
الشعرُ شعرٌ، والنثر نثرٌ، فلا يُعقل أن يكون الشعر نثرًا، ولا النثرُ شعر
……………….
أجدادُنا اخترعوا لنا، شيئًا أسمَوهُ الشِّعر:

وأصَّلوا له أصولًا.… وقعَّدوا له قَواعدَ.
وأسَّسوا له أسُسًا.… وقصَّدوه تقصِيدًا.
وَقَولَبوا له قَوالبَ … ونَمذَجُوا له نَماذجَ.
وَشَرَطُوا له شروطًا…. وقسَّمُوه أقسَامًا.
وحَبَّرُوه تَحبِيرًا…. وزَيَّنوه تزيِينًا.
ونَغَمُوه تنغيمًا … وَغنَّوه غِناءً.
ونسَّقوه تنسيقًا.… ؟وجمَّلوه تجميلًا.
( ومجَّدُوهُ تمجِيدًا، وقَدَّسوه تقديسًا ).
(بعد الكتاب الكريم والسُّنَّةِ المُشرَّفةِ ).
هو الكلام الموزون المقفى، والعذبُ المصفَّى.

فمن رغبَ (عن) هذا الشعر، فلا يتمحكَّن فيه، ويسمي نثره ( قصيدة )، لا تحقيرًا من شأنه ( هو ونثره )، ولكن ليسمِّه بأى اسمٍ شاء إلا أن يقول: قصيدة.
………………………………………
وقد عرَّفَ الشعر، ابن منظور في ( لسان العرب ) بقوله: ( هو النظم الموزون، وحده ما تركّب تركباً متعاضداً، وكان مقفى موزوناً، مقصوداً به ذلك. فما خلا من هذه القيود أو بعضها فلا يسمى (شعراً) ولا يُسمَّى قائله (شاعراً)، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزوناً، فليس بشعر لعدم القصد والتقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من (شعرت) إذا فطنت وعلمت، وسمي شاعراً؛ لفطنته وعلمه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يشعر به”، وعلى هذا فإن الشعر يشترط فيه أربعة أركان، المعنى والوزن والقافية والقصد)
……………
وأقول:
تعريف الشعر لدى العرب ارتبط بالنظرة الشكليّة، أي الاهتمام بالشكل الخارجي للشعر، وتمييزه عن النثر، وبناء على هذا تبيّن أنَّ الشعر كلام مركب وفق نسَق نَظْمي معيَّن، وإيقاع مضبوط، وملامح محددة، ونظام موسيقيّ خاص، وينفرد الشعر بجميعها، ولعل أهم ما يُميز الشعر عن النثر هو تحرر النثر من جميع هذه الأمور. اهـ.
…………………
بين شعراء وهم رجالٌ يفهمون ولا يمرُّ عليهم، أى ( دجلٍ ) ليعتبروه شعرًا
وتقول العرب: ( زغردي يا من لست بغارمة ) لم يعد الأدب مغترباً إلا باغتراب الأدباء وهم في بلدانهم، والمغترب بين الأعراق والأوطان والجنسيات وبلدان العالم، وقد عد أغلب الباحثين ظاهرة الاغتراب ظاهرة إنسانية اجتماعية وجدت في كل الثقافات والحضارات ولكن بنسب مختلفة والمعنى اللغوي الذي ورد في المعاجم لا يختلف عن إنه مفهوم النزوح والابتعاد عن الوطن لكن قراءة النصوص الأدبية وتشخيص مدلولاتها تلمح وتشير إلى جوانب ومضامين أخرى عن الغربة النفسية والروحية والحسية والفكرية والاجتماعية وربما تتمثل في غربة الناس من خلال قول ابن منظور: الغُرب بمعنى الذهاب والتخفي عن الناس وأيضا الغربة عن الأهل والأقرباء والغربة غربة الروح في عوالم صور شعرية يجسد معاني الغربة يبحث عن حلم ضائع أو عن أمل، شاعر الإحساس والمشاعر النقية عبر آهات الروح والجروح يبحث هنا وهناك كمغترب يتشوق لأحضان الوطن عبر بساتين الشوق والهيام والإلهام وباقة إحساس

يبقى الشعر على رغم تواريه خلف ظلال فنون أدبية

وتظل للوطن مكانته السامية، وتزداد سموًّا بما يحمله ذلك الوطن

فكم ذاد الشعر عن حدود الوطن، وكم سطَّرَ الشعراء حروفًا من ذهب فداء لترابه الطاهر، وكم رقصت القوافي فرحًا بتوهج الوطن، وكم سفحت الأشعار من بكائيات استحالت دموعًا تروي تراب الوطن.
واتخاذ الوطن ساحة للإبداع الشعري رسالة سامية يتلقاها الشعراء راية من رايات الفخر، ويبذلون الوسع لكي يرتقوا بكتاباتهم في هذا المضمار. وكم خلد الوطن على مدار التاريخ شعراء عشقوا تراب الوطن حنيناً وأنيناً وناضلوا وكافحوا مثل جندي باسل يبذل روحه ودمه فداء لوطنه..

إن كتابة الشعر والكتابة الشعرية في الثقافة العربيه ليس من باب التعلق بقدر ما يشكل الموضوع حضورا قويا في الهوية الثقافية الشعرية العربية والإنسانية. ولعل سؤال تطور الأشكال التعبيرية أمر هام، كما أن الكتابة الشعرية على العمود ليس ردا على الفكرة القائلة بنفي هذا النوع من الشعر، بدعوى كونه لا يجاري العصر، في الوقت الذي يشكل حضوره علامة بارزة في كثير من البلدان العربية، وإنما أمر السؤال بين الأنواع الشعرية عن درجة علاقة الشعر بالوجدان الثقافي العربي، ما دامت اللغة العربية تحقق نوعا من التشابه بين الأقطار في منجزها الشعري وتحولاته.
لقد كان عرض السؤال عن هذا النوع من الشعر حاضرا في نفسي بل يعيد طرح أسئلة جديدة عن وظيفة الشعر وقضاياه، وعن الشعر العربي في علاقته بالتجارب غير العربية فارسية ويابانية وغربية عموما…

وهنا يتشكل السؤال الأكبر: هل بات لزاما علينا أن نقتفي “الأرض الخراب “و آثار الغرب بحجة تفوقه المادي ؟ وهل علينا أن نقرأ كتاب سوزان برنار لنكتب الشعر ؟ وهل علينا أن نمجد قصيدة النثر لنتجاوز تاريخ انكسارنا العربي، بدءاً بأولى القضايا التي انعكست على الشعر، فكان تكسير بنية القصيدة، ثم قصيدة النثر وقصيدة من أشكال أخرى، مما سمح للشعر أن يطرح على نفسه أسئلة جديدة لا تعدو أن تكون، ما الشعر ؟

وبالسؤال نبحث عن أجوبة يكون أهمها تربية الحس الجمالي لا غير، وهو عند العرب لا يتحقق إلا بما يقدمه الشعر في لبوس تخييلي وموسيقي تكويني فيه، هو إيقاعه مع الإنشاد كشعور أساس في بنية العقل العربي، ولا أظن شعر الغرب يخلو منه بدليل الموروث اليوناني والإغريقي والذي جاء أغلبه شعرا ونظما.

وإذ لا أخالف دعاة الحداثة الرأي إطلاقا، بل العكس من ذلك، تثير الحداثة سؤالا مهما يستحق منا أن ننتبه إليه، وهو توجيه على كثير من الأهمية، إذ أصبح الشاعر ملزما أن يكون مطلعا على التجارب الإنسانية يستوعبها وينصهر فيها ويبتكر أساليب جديدة، وهو أمر لا مراء فيه يفيد الشعر العربي ولا يضره رغم ما يمكن أن يقال دفاعا عن الهوية والخصوصية.

كل ذلك حصل ويحصل باستمرار منذ أن تحقق الانفتاح اطلاعاً وترجمة على الحضارات الأخرى – وبلاد الشام والجزيره وفلسطين باب الحداثة بشهادة الغير-. والأسماء كثيرة ممن دافعوا عن التجارب الشعرية الحديثة. وهذا لم يمنع القصيدة التقليدية أن تعيش رغما، بل أصبحت تستعيد قوتها، ما دام الشعر العربي الحديث والمعاصر شكلا تعبيرا لم يستطع أن يغير من وجه الوطن العربي،بل أصبح الانكسار النفسي سمة هذا العصر، ذلك الانكسار الذي يحجب رؤية الجمال كقيمة إنسانية… ولذلك صارت القصيدة الحديثة مهوى السؤال عن ماهية الشعر ؟
وإذ لا يمكن أن ننكر دور الرواد، أو ننكر ما يجب على الشعراء المحدثين من كثرة الاطلاع على النماذج المختلفة والمتنوعة، فأمر ذلك تم الحسم فيه منذ زمن
لكن كيف أمكن للقصيدة العمودية أن تستمر، لولا تعلق النفس العربية بسر تحمله ككينونة ووجود؟
وليس العربي مجبرا أن ينقل تجربة غيره ليحقق وجوده من خلال قصيدة لا تحمله، وما ” أزهار الشر ” لبودلير سوى تجل لثقافة عصره الفلسفية من نتشوية وهيجيلية وماركسية، ليصبح أمير الشعراء كما سيسمى أحمد شوقي أيضا أميرا للشعراء في ظروف عصر النهضة، والفرق واضح بين الرجلين.

فأن نطلع على غيرنا لا يزيد الشعر إلا قوة ونضارة، فمثلا كلما قرأتَ لمحمود درويش انتابك سلسبيل الامتداد كما مع الشاعر محمود درويش الذي يقول في “على هذه الأرض ما يستحق الحياه الشاعر الذي يكتب بلا قضيه في قصيدته ليس شاعر

ومثل هذا الشعر العذب يغري بالتواصل بين الشاعر والمتلقي، لكنه في شعرنا العربي لا يزال يمتح من فلسفة هي في بداية التشكل بناء على قدرة الانسان العربي المتعثرة وعسر القابلية للتحول كما يعكس ذلك المناخ التنموي العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا. ذلك الاحساس الذي لم يتخلص بعد من رواسب الخيمة والعمود في زمن لغة “تيك”بتعبيرنا المعاصر. ويبقى الشعر الحديث وحده يصنع تاريخه الفني والجمالي قسرا، وفي غفلة عن الأذواق التي تجره إلى الماضي، في الوقت الذي تسع الحداثة كل الأشكال التعبيرية، كما تسع القصيدة العمودية كل الحداثة…

إن الأمر ليس سهلا أن نقرأه على عجل. في الوقت الذي نرى أسئلة المروق الشعري تترى خارج الأبنية التركيبية والدلالية والتوقيعية، دفاعا عن حداثة ظل بابها مفروما خارج مرجعه…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.