منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عدل عمر وصبر فاطمة

عدل عمر وصبر فاطمة/ الأستاذة أمينة جابري

0

عدل عمر وصبر فاطمة

الأستاذة أمينة جابري

عدل عمر:

يقال إن  عمر كان يردد دوما قولته الشهيرة “من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء” فمن  عمر هذا ؟

إنه عمر بن عبد العزيز: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي هو ثامن الخلفاء الأمويين لقب بعمر الثاني. ولد سنة 61 هـ في المدينة المنورة، ونشأ فيها عند أخواله من آل عمر بن الخطاب، فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة في المدينة، وكان شديد الإقبال على طلب العلم. لما توفي والده أخذه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان، فخلطه بولده، وقدّمه على كثير منهم، وزوّجه ابنته فاطمة فكان له  منها ثلاثة من الأولاد.  وفي سنة 87هـ ولّاه الخليفة الوليد بن عبد الملك على إمارة المدينة المنورة، ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة 91هـ فصار واليًا على الحجاز كلها، ثم عُزل عنها وانتقل إلى دمشق.

فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قرّبه وجعله وزيرًا ومستشارًا له، ثم جعله ولي عهده، فلما مات سليمان سنة 99هـ تولى عمر الخلافة.

كانت سياسة عمر بن عبد العزيز في ميدان الإنفاق تقوم على أساس مبدأ الرشد الاقتصادي، أو ما يعبَّر عنه بمبدأ القوامة في الإنفاق، ومقتضاه البعد عن الإسراف والتبذير، والبُعد عن الشح والتقتير، ومن الخطوات التي اتخذها في هذا المجال:

انتقاء عماله من أهل الخير والصلاح:

إن الواسطة بين الخليفة والرعية في البلدان والأقاليم هم العمال والولاة لذا حرص الخليفة عمر بن عبد العزيز واعتنى عناية فائقة في اختيار من يمثله فيها، فقد وضع شروطا أهمها : التقوى، والأمانة، وحسن التدين أو حسن الخلق. فعلى سبيل المثال لا الحصر : لما عزل خالد بن الريان الذي كان رئيساً للحرس في عهد الوليد  وسليمان نظر عمر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن المهاجر الأنصاري فقال: والله إنك لتعلم يا عمرو أنه ما بيني وبينك قرابة إلا الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن أنه لا يراك فيه أحد فرأيتك تحسن الصلاة، خذ هذا السيف قد وليتك حرسي.

وكان يكتب إلى عماله: إياكم أن تستعملوا على شيء من أعمالنا إلا أهل القرآن، فإن لم يكن عند أهل القرآن خير فغيرهم أحرى بأن لا يكون عندهم خير.

التوسعة على العمال في الأرزاق:

أول إجراء إداري رأى فيه عمر الوقاية من الخيانة أن وسع على العمال في العطاء، رغم تقتيره على نفسه وأهله، فقد كان يوسع على عماله في النفقة، وبهذا يكون قد حقق أمرين هامين:

  • سد منفذ الخيانة، وما يدفع العمال من حاجة إلى الخيانة وسرقة أموال المسلمين.
  • ضمان فراغ الولاة والعمال والأمراء لأشغال المسلمين وحوائجهم.

منع الولاة والعمال من ممارسة التجارة :

قال في كتاب له إلى عماله: “نرى ألا يتجر إمام ولا يحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أموراً فيها عنت وإن حرص ألا يفعل، وذلك إدراك منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد الأمرين، إن لم يكن الاثنان معاً:

  • فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمور واحتياجات المسلمين.
  • وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أموراً ليست له من الحق شيء.

وبهذا القرار سد عمر منفذاً خطيراً قد يؤدي إلى فساد إداري قل ما تتوارى عواقبه.

وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب طويلة ودراسة واسعة، ما يصدق عمر بن عبد العزيز في نظرته الصادقة، وحكمته البالغة قال: إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا معسرة للجباية.

النهي عن الإسراف والتبذير:

فقد اتخذ قرارات تنص على الحرص الشديد على أموال المسلمين فكان أول إجراء له بعد توليه الخلافة هو انصرافه عن مظاهرها، إذ قربت إليه المراكب، ونصبت له سرادقات وحجر ، ووُضع له الفرش والوطاء ، لم يجلس عليها أحد قط، يجلس فيها الخليفة أوّل ما يوَلّى، فأمر بوضعها في بيت المال.

وكانت عادة الخلفاء قبله أن يأخذ ورثة الخليفة الميت ما استعمل من ثيابه وعطوره، ويُردّ الباقي إلى الخليفة الجديد، فلما استخلف عمر قال: “ما هذا لي ولا لسليمان، ولا لكم، ولكن يا مزاحم ضُمّ هذا كله إلى بيت مال المسلمين”.

كما سعى لتعويد أعوانه وولاته الاقتصادَ في أموال المسلمين، فعندما طلب والي المدينة أن يُصرف له شمعٌ أجابه عمر: ” لَعمري لقد عهدتك يا بن أم حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك، والسلام”. وكتب إليه أيضاً وقد طلب قراطيس للكتابة:[1] “… إذا جاءك كتابي هذا فأرقّ القلم واجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضرّ بيت مالهم.

محاسبته للولاة والعمال عن أموال بيت المال:

كان عمر بن عبد العزيز يتحسس أخبار ولاته ويراقبهم ويحاسبهم على تقصيرهم فقد كتب إلى أحدهم يقول: “لقد كثر شاكوك وقلّ شاكروك، فإما عدلت، وإما اعتزلت. والسلام”.

إن المتابعة الدقيقة من عمر لعماله وولاته والتوجيهات التفصيلية لهم حدت من فرص الفساد والإفساد، كما جعلتهم في حالة تيقظ دائم وخوف مستمر من الوقوع فيما يؤدي إلى التهمة والشبهة  ، حيث كانت توجيهاته وأوامره تقع في نفوسهم بمكان. فقد شجع ماديا ومعنويا العامة والخاصة على مراقبته، ومراقبة عماله، والإفصاح عن كل  ما لا يوافق الكتاب والسنة.

ترشيد الإنفاق الحربي:

خاضت الدولة الأموية حروباً خارجية وداخلية، فكلّفت ميزانية الدولة الشيء الكثير، حملة القسطنطينية في زمن سليمان بن عبد الملك، التي كلفت الكثير من الأموال والشهداء دون أن تفلح في تحقيق هدفها ، فما كان من عمر بعد استخلافه إلا أن أرسل كتاباً يأمر فيه مسلمة بن عبد الملك، قائد الحملة، بالعودة بعد أن أصاب الجيش ضيق شديد.

وقد حققت سيرة عمر وسياسته استقرار الأوضاع الداخلية، فتوقفت الحروب والفتن، لقد أسهم إيقاف الحروب والفتن في إيجاد مناخ عام من الراحة والطمأنينة، كان له دورفي النمو الاقتصادي للدولة، وتحسن أوضاع الطبقات الفقيرة والمحتاجة، بفضل الله، ولما بلغت سيرته الخوارج اجتمعوا وقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل.

قطع الامتيازات الخاصة بالخليفة وبأمراء الأُمويين

أعاد عمر القطائع والحقوق الخاصة إلى أصحابها، والحقوق العامة إلى بيت المال، وبدأ بنفسه وبآل بيته، فكان عمر لا يأخذ من بيت المال شيئاً، فقالوا له: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب، قال: “كان عمر لا مال له، وأنا مالي يغنيني[2]”.

هذه بعض سياسات عمر مع رعاياه، فكيف كانت سياسته مع رعيته في بيته والتي أوصى الحبيب المصطفى صلاة ربي وسلامه عليه بالرعية في الحديث الصحيح الذي يقول فيه ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته…”

صبرفاطمة بنت عبد الملك:

كانت فاطمة بنت عبد الملك وحيدة أمّها، إخوتها جميعًا من أبيها بلغ عددهم 16من الذكور و2 من الإناث، كان أبوها عبد الملك يحبّها حبًّا خاصًّا ويرعاها رعاية خاصّة، ودفع بها إلى العلماء والفقهاء فتعلّمت القرآن الكريم والحديث والشّعر والأدب والفقه والسّير، فغدت عالمة بالإضافة إلى الملك والجمال.

تميزت فاطمة بحسن شمائلها ورجاحة عقلها وفصاحة لسانها..، لذلك رغب في الزواج منها الأمراء الأمويون ، لكن والدها عبد الملك أحب أفضلهم عقلا وأكثرهم عزا وأنبلهم خلقا ابن أخيه عمر بن عبد العزيز.
حيث رأى فيه كل ما يجعله يسعى لتزويجه بها فقال له: قد زوجك أمير المؤمنين ببنته فاطمة فرد عليه عمر: وصلك الله يا أمير المؤمنين فقد أجزيت وكفيت.

عاشت فاطمة في رغد وحب وعطاء مع زوجها في سكينة ومودة ورحمة،. وقدر الله لفاطمة بنت عبد الملك أن يجتمع لها ما لم يجتمع لكثير من نساء الأرض من العظمة والجاه والزواج السعيد ، وفيها قال وضاح اليمن:

بنتُ الخليـفة والخليفة جَدُّهـا               أختُ الخلائف والخليفة بعلُها

فَرِحتْ قوابلُهـا بهـا وتبـاشرتْ             وكذاك كانوا في المَسرَّة أهلُها.

حياة فاطمة بنت عبد الملك تتغير:

حين توفي أخوها سليمان بن عبد الملك آلت الخلافة إلى زوجها عمر بن عبد العزيزالذي لم يكن راغبا فيها ولا آبها لتيجانها أو زخرفها بل اعتبرها هماً كبيراً وقع على عاتقه ، فحينما سمع بهذا النبأ ذهب للجامع الأموي معتليا المنبر يخاطب الناس ويتوسل اليهم أن يعفوه من الخلافة ، ولكن ازدادوا تمسكا به لما رأوا فيه من رجاحة عقل وسمو أخلاق وحسن الصفات. عندما وصل إلى بيته وقد حمل هما وحزنا مما يقع على أكتافه من أعباء ومصاعب الخلافة . خرجت فاطمة تبارك لزوجها مبتهجة مسرورة ، لتفاجأ به مهموما يذرف الدموع ولا يقوى لسانه على وصف الحال فتهدئ من نفسه وتسأله عما أصابه وهو اليوم خليفة للمسلمين الآمر المطاع ، فيجيبها بصوت يملؤه البكاء: يا فاطمة لقد أصبت كربا ففكرت بالفقير الجائع والمسكين الضعيف والمظلوم المقهور ، فعلمت أن الله عز وجل سائلي عنهم يوم القيامة، حينئذ استوعبت أنها أمام حفيد الفاروق.

فقال لها بعد ذلك يا فاطمة : اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد(وكان عندها جوهر لم ير مثله أَمَرَ لها به أبوها)[3].اختارت فاطمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة كما جاء في قوله سبحانه”يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) “[4]. قالت: لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه، فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين.

تحولت حياة سيدة القصور فاطمة من منعمة إلى امرأة بسيطة تغسل ثوب زوجها وتعجن وتطهو الطعام ، راضية النفس سليمة الصدر سعيدة باختيارها .

وفى فترة وجيزة من توليه الخلافة تغير نظام الحكم الأموي إيجابـًا، خلال عامين وخمسة أشهر وأربعة أيام من صبر فاطمة بنت عبد الملك وعدل عمر بن عبد العزيز و توفيقا من الله، عم الخير على أرجاء البلاد من أقاصي الشرق عند نهر سيحون إلى أقاصي الغرب في المغرب والأندلس حتى إن هذا العهد كان العاملون على توزيع الصدقات يطوفون في البلاد فلا يجدوا من يقبلها.

خاتمة

تميزت خلافة عمر بن عبد العزيز بعدد من المميزات، منها: العدلُ والمساواة، وردُّ المظالم التي كان أسلافه من بني أمية قد ارتكبوها، وعزلُ جميع الولاة الظالمين ومعاقبتُهم، كما أعاد العمل بالشورى، ولذلك عدّه كثير من العلماء خامس الخلفاء الراشدين، كما اهتم بالعلوم الشرعية، وأمر بتدوين الحديث النبوي الشريف… ،إنجازات لم تهنأ بها فاطمة  حتى فوجئت  بقتل زوجها مسمومًا سنة 101هـ، فتولى يزيد بن عبد الملك الخلافة من بعده.


 1 ـ  أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز

2ـ السياسة الاقتصادية والمالية لعمر بن عبد العزيز، بشير كمال بشير عابدين.

[3] ـ جلال الدين السيوطي

[4] ـ الأحزاب 29ـ28

المرجع المعتمد للدكتور علي محمد الصلابي، الخليفة الراشد والمصلح الكبير عمر بن عبد العزيز، دار ابن كثير، دمشق، ص 306:296

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.