يا غريب (خاطرة)
بقلم: ديما مصطفى سكران
يا غريب، قُدر لك أن تموت قبل أن تقرأ أشعاري في عينيك الجميلتين… قُدر لأشعاري أن تحترق في صدري قبل أن تُكتب…
تسألني لماذا أضع يدي على فمي حين أضحك، لماذا أبقى مطبقة الشفتين، لماذا لا أصرخ حتى حين يعصر الألم عن جسدي آخر قطرة صبر، لماذا أكتفي بالأنين….
لأنني إذا تكلمت خرج من فمي هباب، ففي صدري فرن يا غريب، وقلبي مدخنة…. والنار المجوسية في داخلي لم تنطفئ منذ ألف عام، وإليها ألقي كل يوم أوراقي المحرمة، ولها تسجد كل يوم أقلامي ودواتي ودفاتري…
منذ ألف عام وصدري يحترق يا غريب، وفي فمي مقابر جماعية، وجثثٌ محترقة لرسائل، وكلمات تتأرجح كالنواسات على مشانق الخوف…
تسألني عن قلبٍ قُدّ من صخر، ولا تعلم أن خلف الصخر يا غريب ثمة ينابيع عذبة باردة تسبح فيها أسماك بحراشف ذهبية، وفيها يتراشق صبيان صغار، يغمر الماء كواحلهم، وعلى ضفافها تنق ضفادع ملونة… وفي فمي دخان… دخان أسود…
وكل يوم أجمع عن طاولات البوح أوراقي العزيزة، أطبقها، أرتبها، أضع لها عناوين جميلة، أودعها ظروفا مزينة، أربطها بخيطان من القش، أزينها بالزهر….. أقبلها… ثم أرمي بها إلى النار … فيخرج من قلبي هباب أسود…
وفي عتمة ذات ليلة سرقوا لي قلمي السحري يا غريب، ووضعوا لي عوضا عنه قلما من صوان… ومنذ ذلك الوقت، كلما كتبت تألمت أصابعي، وتألم قلبي… وتكسرت كلماتي….
قلمي يقتل الكلمات على الورق يا غريب، كلماتي تموت قبل أن تقال، تُلقى بلا حراك على السطور، كحوريات طعن في صدورهن غدرا… ويملأ النزيف الأوراق… على يدي دماء يا غريب، وفي قلبي دخان أسود….
والفراشة التي وعدتُها بالنور حين تخرج من شرنقتها، سحقتُها على جدار قلبي حين فردت جناحيها الغضين…
ليس ثمة متسع لبوح النساء في هذا العالم يا غريب، ألست تدري كم كتبتُ لك من رسائل مُغرقة بأشواقي، ثم علقتها على حبال الانتظار حتى يُجففها الوقار… وبعد حين… لملمتها.. وإذ بها كالحطب الجاف…
ألست تدري كم تفتقت على سطوري براعم التغزل بك دون أن أدري، كيف تسلقت كاللبلاب على قلمي، كيف تشعبت على ذراعي وتشابكت عند قلبي…. فمزقتُ أوراقي، وقطعت ذراعي، واقتلعت قلبي…
نحن النساء يا غريب كُتب علينا أن نختنق بالكلمات المحترقة، بالدخان، بالهباب…. وكُتب عليك أن تموت قبل أن تعرف كم أن عينيك جميلتين….
فالكلمات لا تذهب من تلقاء نفسها إذا لم يفتح لها البوح أبوابه، بل تجلس منتظرة ألف عام… ألف عام يا غريب، منذ ألف عام تعيش الكلمات في حلقي، تتعلق بأطراف قلمي، تأكل قلبي… وكلما كتبت تألمت أصابعي، وكلما ألقيت عليك تحية الصباح تألم حلقي، وكلما ضحكت خرج من فمي دخان…. دخان أسود…
وكلما جُن الليل، وتفتحت في روحي حقول البوح، وفاح العطر المحرم، عصبتُ رأسي وحملت الأوتاد المشتلعة، وضربتها في الحقول السحرية، وأضرمت النار…… موتي أيتها الحقول… ليس ثمة متسع في هذا الليل لقارورة عطر بهذا الحجم…. احترقي… مثل قلبي… مثل روحي…..