منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يا إلهي!

يا إلهي!/ د. عبد القادر الدحمني

0

يا إلهي!

د. عبد القادر الدحمني

يا إلهي!
ماذا أفعل بأرقام هواتف من ماتوا؟!
لم أمتلك الجرأة الكافية كي أحذف رقما واحدا..
فكأنني أساعد الموت على ذلك المحو الصارم لوجود إنسان..
أَمُرُّ عليها وأنا أبحث عن رقم صديق، أو أتعثر بنفس الاسم وأجدني أوشك على الاتصال..
في كل مرة تكتظ عيناي بالدموع لأنني أتوقع أن تكون هناك إمكانية كرامة أن يجيب الميت؛ فأسأله عن أحواله هناك، وعن الأجواء، ويسألني عما فعلنا بعده، وهل يا ترى نتذكره، فأتيه في الحكي المنتفش بالدنيا، وأكبح رغبته في أن ينبهني إلى الضروري، والمهم، والدائم.. لكن صوت الدنيا ضاج وقوي ومسيطر.. فلا فرصة له.
كذلك هي الحياة، كم من رقم ينبعث فجأة ليذكِّرَنا وينغِّصَ علينا “اطمئناننا” الخادع، و”أمْنَنَا” الزائف، ويقصفَ رُكونَنا إلى أمل لا يحبُّ أن يزاحمه همّ أو شاغل آخر..
في كل مرة أعزم على حذف الأرقام، أتوجس من الأمر، وأقول إنه بدون شك، نوع من الخيانة والنكران، إنه خديعة تتلفَّع ببرغماتية مقيتة، ومنطق جاف يريد أن يدفن “وجودا” رمزيا في مقبرة النسيان..
أعتبر العثور على تلك الأرقام زيارات وفاء، ووقوفا، ولو عابرا، لأحباب مضوا، يطلّون فجأة للسؤال، والتماس دعوة، وتقديم نصح، وتذكر موقف، وإعطاء عبرة، أو دفقة نور وإخاء، أو إسناد روحي في مواجهة موقف..
إنها نوافذ مقابل دار الجيران، نفتحها على استحياء، مع التحية، وغض البصر تعففا، والحديث العابر عن الطقس وشغب العيال، وأحوال مريض، ومواعيد أعراس وأسفار..
السلام عليكم سادتي وأحبابي هناك، رفع الله مقامكم وألحقنا بكم مسلمين، ورزقنا الله من يتذكرنا فيدعو لنا ويتشفع..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.