منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحضانة تحت المجهر: حين يُعاقَب الالتزام ويُكافَأ الغياب

مريم رحو

0

الحضانة تحت المجهر: حين يُعاقَب الالتزام ويُكافَأ الغياب

بقلم: مريم رحو

تقوم قواعد الحضانة في التشريعات الأسرية على مبدأ جوهري مفاده أن مصلحة الطفل الفضلى هي الغاية الأولى والأسمى بعد انفصال الوالدين. غير أن الممارسة العملية تكشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني ومقاصده، فجوة أفرزت واقعًا مختلًا تُمارَس فيه الحضانة كواجب صارم على الأم، بينما يُتعامل مع الزيارة كحق غير مشروط للأب.

هذا الاختلال لا يمس طرفًا بعينه فقط، بل يمس جوهر العدالة الأسرية، ويطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول من نحمي فعليًا بالقانون: النص أم الإنسان؟

غياب أبوي بلا أثر قانوني

في عدد غير قليل من الحالات، ينقطع الأب عن ممارسة حق الزيارة لسنوات طويلة. انقطاع كامل عن حياة الطفل، دون متابعة، دون توثيق، ودون أي أثر قانوني يُذكر.

هذا الغياب، رغم ما يخلّفه من آثار نفسية وعاطفية عميقة على الطفل، لا يُعد إخلالًا يستوجب المساءلة، ولا يُسجَّل كقرينة تقصير، ولا يُؤخذ بعين الاعتبار عند عودة مفاجئة لممارسة الحق.

وهنا يبرز خلل جوهري:

كيف يُعترف بحق الزيارة دون ربطه بالانتظام والاستمرارية وتحمل المسؤولية؟

فالحق، متى انفصل عن الالتزام، يفقد مضمونه القانوني، ويتحول إلى امتياز عابر يخضع للرغبة لا للواجب.

تجريم الغياب العارض للأم

في المقابل، تُتابَع الأم الحاضنة جنحيًا إذا تعذر تنفيذ الزيارة في يوم محدد، حتى وإن كان ذلك بعد سنوات من انقطاع الأب، وحتى في غياب سوء النية أو التعمد.

ويُسجَّل هنا عدم تناسب صارخ بين الفعل والجزاء:

  • غياب طويل ومتكرر للأب لا يترتب عنه أي أثر قانوني،
  • وغياب ظرفي أو عارض للأم يُقابَل بالمتابعة والعقاب.

هذا الوضع يُخالف المبادئ العامة للعدالة، وعلى رأسها:

  • مبدأ التناسب،
  • ومبدأ المساواة أمام القانون،
  • ومبدأ مراعاة السياق والآثار الواقعية.

مصلحة الطفل… مبدأ مُهمَل في التطبيق

رغم أن مصلحة الطفل تُعد حجر الأساس في قوانين الأسرة، إلا أنها في هذه القضايا تُختزل في إجراء شكلي.

فالطفل لا يُستمع إليه، ولا يُقيَّم أثر الانقطاع الطويل، ولا تُراعى هشاشته النفسية عند فرض زيارة مفاجئة بعد غياب ممتد.

وهكذا، يتحول الطفل من صاحب مصلحة محمية قانونًا، إلى وسيلة لتفعيل النص، لا غاية لتطبيقه.

الحضانة بين الحق والتهديد

إن تحميل الأم وحدها عبء الاستقرار، مع إبقائها تحت تهديد المتابعة الجنحية، يُحوّل الحضانة من نظام حماية إلى نظام ضغط.

تُطالَب الأم بأن تكون متاحة دائمًا، حاضرة على الدوام، مجمدة لحياتها، لتعويض غياب لم تكن هي سببه.

وهذا الواقع لا ينسجم مع فلسفة قانون الأسرة، ولا مع مقاصده الحمائية، بل يخلق تمييزًا غير معلن في التطبيق، يُكافَأ فيه الغياب، ويُعاقَب فيه الالتزام.

خلاصة

إن حق الزيارة لا يمكن أن يُمارَس بمعزل عن الاستمرارية والمسؤولية،

ولا يجوز تجريم الأم دون مساءلة حقيقية عن الغياب الأبوي الطويل.

فالحضانة ليست عبئًا جنائيًا،

والزيارة ليست حقًا بلا ذاكرة،

والعدالة لا تتحقق بتطبيق النصوص في فراغ،

بل بإنصاف الواقع الإنساني الذي وُجدت من أجله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.