منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ميلاد جديد (قصة قصيرة)

ميلاد جديد (قصة قصيرة)/ لحسن شعيب

0

ميلاد جديد (قصة قصيرة)

بقلم: لحسن شعيب

“قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبْجيلا

               كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

                يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا”

أحمد شوقي

تنويه: هذه قصة حقيقية، وهي مهداة لأستاذي رشيد غربال حفظه الله، وأمد في عمره.

“أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي…” كانت كلماتُ محمود درويش تنساب هادئة حزينةً بصوت مرسيل خليفة، وعلى نغمات عودِه في حجرة الدرس المطلة على الملاعب الرياضية في الطابق الأول من ثانوية زيد أوحماد بتنغير. أحضر الأستاذ رشيد العقاد آلة تسجيل عتيقة إلى الفصل، وألقمها شريطا قديما، ضغط زِرَّ التشغيل، فَصَمَتَ جميع التلاميذ وكأن على رؤوسهم الطير، وانطلقت كلمات الأغنية الحزينة تدفئ المشاعر في تلك الصبيحة الباردة. كان ذلك أولَ درسِ شعر باستعمال الوسائل التقنية يَحْضُرُه حسن، ولأن الأستاذ كان عميقا في تحليله للنص، واستعمل عقله وقلبه وحركاتِه مع آلة تسجيله، فإنَّ حسناً أجهش بالبكاء تعاطفا مع قصة ذلك الفلسطيني المغترب والمشرد، الذي حن إلى أمه وخبزها ولمستها، إلى أمه الأُمِّ وأمِّه الأرضِ، وكأنه يعيش أحداث تلك القصيدة شطرا شطرا وسطرا سطرا.

أَحَبَّ حسن حنون أستاذَه رشيد العقاد، وتعلق به تعلُّق الطفل بوالده، وكان لا يَدَّخِر جهدا ليثبت له تميزه، حتى غدا بعد عام من صحبة أستاذه عالِيَ الكعب في لغة الضاد. لم تكن في مؤسسته ولا في بيته مكتبةٌ، وكان مصدرَ مكتسباته ومعارفه أستاذُه يوم كان الأستاذُ مركز العملية التعليمية. لم يبلغْ ربيعه الثاني عشر إلا وكان يَخِزُهُ وخزا مرفوعٌ يُنصبُ أو واوٌ تقلب عنوة ياء، أو ذالٌ معجمة صارت دالا، كان يدركُ ذلك بالسليقة من دون قواعد ولا تعقيدات، وتلك مرتبةٌ عليا من مراتب التمكن من اللغة؛ وبدأ يَقْرِضُ أولى قصائده منذئذ. لقد تمكن الأستاذ العقاد بوسائل محدودة، لكن بإرادة صلبة أن ينشئ جيلا متعلما متمكنا من لغة الضاد، فقط من خلال الحصص المبرمجة لمادته دون جهد إضافي ولا أنشطة موازية.

كان رشيد أستاذا صارما منضبطا، لكنه كان قريبا من تلامذته محبا لهم، وكانت رسالتُه في الحياة أن ينقذ أولئك الأطفال من براثن الجهل، وكان وهو اليساريُّ الهوى يرى أنه من الحيف أن يجتمع عليهم الجهل والفقر معا، وكان يكثر من القول “لولا أبناء الفقراء لضاع العلم”. سأل تلامذته يوما: “هل توجد ديموقراطية في المغرب؟” فَعَمَّ الفصلَ سكونٌ طويلٌ، لأن المصطلح غريب عن الأطفال حينها، أجاب حسن: “نعم أستاذي”، عندها هوى بقبضته بكل قوة على مكتبه وصاح: “الديموزرواطية هي الموجودة في المغرب”. بقي ذلك المصطلح الذي نحته الأستاذ يومها لصيقا بعقل حسن؛ لكنه لم يفهم قصد أستاذه إلا بعد سنين.

كان الأستاذ رشيد متقشفا في لباسه، حتى إن تلاميذه يعرفون جميعا أن له سروالَيْ “قطيفة” بني وأسود، ومعطفا رماديا وجاكيتا أصفر، وهو المحبَّبُ إليه، فلا يُرى إلا بهذه الملابس، وكان له غليونٌ يحشوه أحيانا في فترات الاستراحة ويدخنه داخل الفصل، ويبدو ناقما على شيءٍ لما يتبينهُ تلامذته، غير أن ذلك لم يكن يُهِمُّ حسناً في شيء. كان ينظر إلى أستاذه بعين رضاً كليلة عن كل عيب، وكان مستعدّاً أن يفديه بروحه. لقد أحبه حد الجنون، وكان هو يفخرُ به، ويُعرب له عن ذلك؛ كان يمر بين الصفوف، ليتوقف قرب طاولة حسن، ويهمس له بعد عطلة دراسية: “توحشتك”، لم يكن حسن يعرف معناها، كان يفهم فقط الكلمة الفصيحة “اشتقت إليك”؛ كان الشعور قويا ومتبادلا على كل حال. ولا ينسى حسنٌ ما كتبه أستاذه في خانة الملاحظات في بيان نقطه، إذ كتب بخط جميل أمام نقطة اللغة العربية: “أفتخر بك”، وكانت تلك الجملة كاللؤلؤة وسط ملاحظات رتيبة عادية لبقية أساتذته.

نظر حسن إلى جدول حصصه في تلك البطاقة الحمراء التي تعلوها صورته، وعليها خاتم إدارة المؤسسة، ثم تفقد أسماء أساتذته لسنة 1987، لكنه لم يجد أستاذه للغة العربية، وكان يُمَنِّي النفس أن يظفر به للعام الثالث على التوالي؛ كانت مَحَبَّةُ حسن لأستاذه أقوى، وكان رشيد يرى في حسن تلميذا وابنا لم ينجبه، وكان يتنبأ له بمستقبل واعد، وكيف لا وقد ظهرت علامات نبوغه منذئذ. سأل حسنٌ عن أستاذه يمينا وشمالا، فلم تتأخر الإجابة: “انتقل الأستاذ رشيد إلى آسفي، وفي طريقه إليها تعرض لحادث سير، والتحق بالرفيق الأعلى”. لم يصدق حسن ما سمعه، فطفق يسأل مدير المؤسسة وبعض أساتذته، لكنهم للأسف أكدوا جميعا خبر مقتل أستاذه. كان الخبر أقوى من أن يتحمله، أظلمت الدنيا في عينيه، وفقد الشهية لكل شيء.

“نم يا حبيبي نم، إن أستاذك الآن في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولا تملك غير الدعاء له، أرجوك اهدأ ونم، إن بقيتَ هكذا ستهلك نفسك وتهلكنا معك يا حبيبي حسن” بهذه الكلمات كانت أمه كلثوم تخاطبه وهي تحتضنه محاوِلة التخفيف عنه كل مرة. لقد مضت شهور على رحيل أستاذه، وهو ما يزال يبكيه، وكان يستيقظ كل يوم في ساعة متأخرة من الليل، فيجلس ويبكي وينتحب، كان حدادُه على أستاذه أطولَ من حدادِه على أبيه. لقد نقش رشيد اسمه في قلوب تلامذته، وفي قلب حسن بشكل أكثر عمقا.

كَبُرَ حسنٌ وأخذته دروب الحياة، ونهل من مختلف العلوم وبلغات كثيرة، ثم حطَّ رحاله بمدينة الرباط، بعدما أصبح إطارا في وزارة التربية والتعليم، ولكنه لم ينس أستاذَه أبدا. كان يترحم عليه حين يسمعُ عذب البيان، ويقول: “هذا بفضل أمثال سي رشيد”، كما يترحم عليه أيضا حين يرى أو يسمع واحدا من عِلْيةِ القوم يتحدثُ في محفل كبير، ويرتكب مجازر في حق اللغة، وكان يقول: “هذه الخشب المسندة لم تحظ بأستاذ مثل العقاد”، وكان كلما ذبحَ أحدُهم لغة الضاد، يردد بيتي طوقان:

وأكاد أبعث سيبويه من البلى

               وذويه من أهل القرون الأُولى

فأرى حماراً بعد ذلك كلّه

           رفَعَ المضاف إليه والمفعولا

في فبراير 2013، كان حسن يحضر مؤتمرا علميا حول قضايا التربية والتكوين رفقة زملائه في إحدى الجامعات، وكان ضيوف المؤتمر بعد عشائهم في الفندق يتسامرون في غرفهم، أو يذهبون ليتجولوا في المدينة ويحتسوا قهوة في مكان ما؛ وفي آخر ليلة رأى أن يستريح في غرفته مع زميله عبد الصادق، ويتسامرا ويستعيدا ذكرياتهما في تنغير، خصوصا بعدما علم أن زميله كان تلميذا ثم أستاذا بالمؤسسة التي بصمت مساره التعليمي نهاية الثمانينيات. استعرضا أساتذتهما وذكرياتهما في تلك البلدة النائية، سأل حسن زميله عن أفضل أستاذ درسه اللغة العربية، فكان الجواب “رشيد العقاد”، هناك عاد شريط الذكريات ليمر أمامه بكل تفاصيله الحزينة.

– هل دَرَّسَك رشيد العقاد؟ أنا أيضا كنتُ تلميذه، إنه أفضلُ أستاذ بلا منازع، ليرحمه الله رحمة واسعة، على ما علم وربى واحتضن، وليرفع الله مقامه في أعلى درجات القرب عنده.

– آمين، آمين، لكن الأستاذَ العقاد حَيٌّ يُرزَقُ..

– لا يمكن، لقد علم الجميع في تنغير أنه مات في حادث سير، حتى مدير المؤسسة أكد الخبر، لعلك تتحدث عن أستاذ آخر، وربما هناك تشابه في الاسم..

– اسمع، لقد كان أستاذي ثم زميلي في المؤسسة، كان متوسط القامة مائلا للسمرة، له لحية دائرية “ڭادومة”، ويدخن غليونا، ويرتدي جاكيتا أصفر أغلب الوقت..

– إنه تماما كما ذكرتَ، فهل تقصد أن خبر موته كان زائفا؟

– بكل تأكيد، ظننتُ أنا أيضا أنه مات، واكتشفته حيا بعد سبعة عشر عاما، وأنت الآن وجدْتَ أستاذك، ولكن بعد ست وعشرين سنة.. إنه زمن طويل جدا.. لقد التقيتُه آخر مرة الأسبوع الماضي وشربنا معا شايا في المقهى الأدبي في آسفي.

هاتف عبد الصادق الأستاذَ العقاد، وأخبره بكل الحكاية، ثم ناول الهاتف حسنا، وبعد أن ألقى التحية أجهش بالبكاء، ولم يستطع أن يقول كلمة؛ كان الموقف أقوى من أن يتحمله. اعتذر عبد الصادق لأستاذهما، ووعده باتصال آخر في الغد، بينما انخرط حسن في هستيريا من البكاء والنحيب، واختلطت عليه كل المشاعر، وانعقد لسانه، لكنه قال بأنه مازال غير مصدق للخبر، ولن يصدقه حتى يرى أستاذه بأم عينيه.

تقدم حسن مع عبد الصادق بهدوء يرافقهما مدير المؤسسة، تقدم الثلاثة في الممر المؤدي لحجرة درس الأستاذ بآسفي، كان صوته الجهوري يخترق صمت المكان، طرق المديرُ البابَ، فأطل منه الأستاذ العقاد بوجهه الصبوح الذي تزينه ڭادومته المليحة، وبجاكيته الأصفر. صاح حسن: “إنه هو، لم يتغير كثيرا”، صافح رشيد مدير المؤسسة، وتلميذه عبد الصادق، ثم ارتمى حسن بين أحضان أستاذه، عانقه طويلا وقبل رأسه ويده، وبكى بين أحضانه مثل طفل صغير، عساه يروي ظمأ ست وعشرين سنة من الغياب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.