الوطنية بين ضيق الانتماء واتساع الرسالة
بقلم: عز الدين صمبة
الحمد لله الذي وسعت رحمته كلّ شيء، وامتدّت حكمته لتقيم ميزان العدل في الأرض، وجعل من القيم نورا يُهتدى به في ظلمات التباس المفاهيم، نحمده سبحانه على نعمة الانتماء إلى أمة حملت رسالة الهداية والعدل، ونسأله أن يرزقنا بصيرة تحسن فهم المعاني قبل إطلاق الأحكام، وأن يجعلنا من أهل الإنصاف في القول والعمل.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، الذي جاء ليُتمّم مكارم الأخلاق، ويؤسس لفهم إنساني راق يتجاوز العصبيات الضيقة إلى رحابة الإيمان، وعلى آله وصحبه الذين جسّدوا معنى الأخوّة الصادقة، فجمعوا بين حبّ الأوطان والانفتاح على قضايا الإنسان، فكانوا مثالا في التوازن بين الانتماء والرسالة.
أما بعد؛ فإن الحديث عن الوطنية في واقعنا اليوم هو حديث عن مفهوم كاد أن يُختزل في ضيق يبعده عن جوهره الأخلاقي والإنساني. إذ كثيرا ما يُفهم الانتماء للوطن بمعزل عن الانتماء للقيم الكبرى، وكأن الإنسان يُطلب منه أن يحصر إحساسه ومشاعره ومسؤوليته واهتماماته داخل حدود جغرافية، بينما يغيب عن هذا التصور أن القيم بطبيعتها تتجاوز الحدود، وأن الإيمان حين يكون حيّا لا يعرف الانغلاق على الألم أو الصمت عن الظلم.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في معنى الوطنية، لا لنفيها أو إضعافها، بل لإعادتها إلى أصلها الصحيح الذي يجمع بين حب الأرض، وحمل الرسالة، والوفاء للقيم الإنسانية العادلة، حتى لا تتحول إلى مفهوم ضيق يُخاصم الفطرة، بل تبقى إطارا جامعا للبناء والإصلاح والشهادة على الحق حيث كان.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾[1]
هذه الآية تؤسس لمبدأ جوهري في التصور الإسلامي، وهو أن الإيمان لا يكتمل إلا بالقيام بالعدل والشهادة به، حيث يتحول الإنسان المؤمن من مجرد منتم إلى فاعل أخلاقي مسؤول، ينحاز للحق ويقوم بالقسط حيث كان.
وإذا كان هذا هو الأصل القيمي الذي يوجه سلوك الإنسان داخل مجتمعه وخارجه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تُفهم الوطنية في ضوء هذا التوجيه؟ وهل يمكن أن تُختزل في حدود الانتماء الضيق، أم ينبغي أن تتسع لتستوعب هذا البعد التربوي القائم على العدل والشهادة بالحق؟
وعليه، تطرح مسألة “الوطنية” اليوم إشكالا عميقا يتجاوز حدود التعريفات البسيطة والشعارات المتداولة، إذ كثيرا ما يُختزل هذا المفهوم في طاعة صامتة، أو انغلاق داخل حدود جغرافية ضيقة، بينما يُنظر إلى كل تعبير عن الانتماء الإنساني أو التضامن مع قضايا الأمة على أنه خروج عن مقتضى الوطنية.
هذا الفهم المختزل لا يعكس حقيقة المفهوم في عمقه القيمي والإنساني. فالوطن، في دلالته الأولى، ”هو تعبير عن واجب الإنسان نحو وطنه “[2]، و” قيام الفرد بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام“[3]، فالوطن هوالحضن الذي ينشأ فيه الإنسان ويشعر فيه بالأمان والانتماء، وليس مجرد مساحة جغرافية، بل كيان يجمع بين التاريخ والهوية والثقافة. وقد عُرّف الوطن في بأنه : ” البلد الذي تسكنه أمة يشعر المرء بارتباطه بها وانتمائه إليها“[4]. وهذا التعريف يُبرز أن العلاقة بين الإنسان ووطنه ليست علاقة مادية فحسب، بل علاقة وجدانية تتجاوز المكان إلى معاني الولاء والانتماء والهوية المشتركة.
ومن هذا المنظور، فإن الوطنية ليست مجرد ارتباط ترابي بالأرض، ولا هي ولاء شكلي للحدود، بل هي منظومة قيم تجمع بين حب المكان، والالتزام تجاه الإنسان، والإسهام في البناء والإصلاح.
وفي التصور الإسلامي، يتجلى هذا المعنى بصورة متوازنة، حيث لا يُفصل فيه بين الانتماء للوطن والالتزام القيمي، بل يتكاملان. والانتماء الوطني جزء من المسؤولية الشرعية تجاه المجتمع، تجسده محبة الفرد لوطنه وبلده، وقيامه بحقوق وطنه المشروعة ووفاؤه بها، مما يجعل الوطنية ممارسة عملية لا مجرد شعور عاطفي.
وعليه، فإن الوطنية في هذا التصور لا تقف عند حدود المشاعر، بل تتحول إلى سلوك يحفظ الأمن، ويبني المجتمع، ويحترم الجوار، ويسعى للنفع، ويعمل على التقدم والازدهار.
القضية إذن، ليست جغرافية، بل أخلاقية وإنسانية، حيث يصبح حسن السلوك ولين المعشر جزءا من هوية الإنسان.
و يرسخ التوجيه النبوي هذا البعد الإنساني حين شبّه النبي ﷺ المؤمنين بالجسد الواحد، فقال: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»[5]. وهذا التصور يُسقط الحدود الضيقة حين يتعلق الأمر بالإنسان والعدل.
وقد تجلى حب الوطن في السيرة النبوية في أسمى صوره، إذ كان النبي ﷺ شديد الحنين إلى مكة، حين قال ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: « وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْت ». [6] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: « مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ». [7] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وقد أشار ابن بطال إلى أن تعجيل سيره ﷺ عند رؤيتها هو ”من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق للأحبة والأهل ويؤكد الحنين إلى الوطن، وفي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة“.[8] وهذا يدل على أن حب الوطن فطرة إنسانية أقرها الإسلام ولم ينفها.
غير أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يكمن في أصل الوطنية، بل في طريقة فهمها، حيث برزت ثلاثة اختزالات خطيرة:
اختزالها في الانتماء الضيق، وفصلها عن الانتماء الإنساني الأوسع، وتحويلها إلى أداة ضبط بدل أن تكون إطارا للإصلاح والمساءلة.
وفي هذا السياق، يتضح أن إعادة الاعتبار لمفهوم الوطنية لا تقتصر على تحريره من الاختزال الإقصائي فحسب، بل تشمل أيضا ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر بوصفها أساس البناء الحضاري، حيث لا يُنظر إلى الرأي المختلف باعتباره تهديدا، بل باعتباره عنصرا من عناصر التكامل الفكري والاجتماعي، لأن الأوطان في حقيقتها لا تُبنى بالصوت الواحد، ولا تزدهر بالرأي الأحادي، بل تتسع للرأي الآخر بوصفه جزءا من نسيجها الحيّ، حيث يتحول الاختلاف من مصدر توتر وقلق إلى مصدر إغناء وإحياء، فـ” نعم“ و”لا“ ليستا نقيضين يُقصي أحدهما الآخر، بل هما أداتان لبناء الوعي حين توضعان في موضعهما الصحيح؛ فـ”نعم“ تُقال حين يكون البناء والإصلاح والتوافق والنجاح والرقي، و”لا“ تُقال حين يكون الانحراف أو الظلم أو الخطأ، وبذلك لا تكون المعارضة هدما، ولا تكون الموافقة خضوعا، بل يصبح الاثنان معا جزءا من توازن يحمي الوطن من الاستبداد الفكري ويصونه من الفوضى.
ومن هنا، فإن قوة الأوطان لا تُقاس بإلغاء ”لا“، بل بحسن توظيفها، كما لا تُقاس بتضخيم ”نعم“، بل بوعي سياقها، لأن الوطن الذي يُغلق باب النقد يفقد قدرته على الإصلاح، والوطن الذي يُشيطن الاختلاف يفقد قدرته على التطور، في حين أن الوطن الذي يُحسن إدارة التعدد يحول الرأي المختلف إلى طاقة بناء، لا إلى سبب صراع.
وبهذا تتحول الكلمة من أداة صراع إلى أداة وعي، ومن وسيلة إقصاء إلى وسيلة تقويم.
إن الوطنية في صورتها الناضجة ليست نقيضا للانفتاح القيمي، بل هي أساس له. فهي تعني أن يكون الإنسان وفيا لوطنه من خلال الإسهام في تطويره، وفي الوقت نفسه منفتحا على قضايا الإنسان باعتباره جزءا من منظومة أخلاقية أوسع.
وهنا يظهر التوازن المطلوب: حبّ صادق للأرض، دون تعصب أعمى، وانتماء محلي دون انغلاق قاتل، ومسؤولية وطنية دون التخلي عن البعد الإنساني.
ومن ثمّ، فإن الوطن الحقيقي هو مشروع قيم، وفضاء إنسانية، وإطار لبناء المعاني الكبرى. وحين تُفهم الوطنية بهذا المعنى، تتحول من شعار إلى مسؤولية، ومن انتماء ضيق إلى رسالة إنسانية.
وفي ختام هذا الموضوع، نخلص إلى أن الوطنية في معناها الحق ليست انغلاقا يضيّق الأفق، ولا شعارا يُرفع دون مضمون، بل هي انتماء واع يتأسس على القيم، ويتجلى في العدل والإصلاح، وينفتح على قضايا الإنسان حيث كان، دون أن يفقد جذوره أو هويته. إنها توازن دقيق بين حب الوطن وخدمة الأمة، وبين الانتماء للمكان والوفاء للرسالة.
وإذا كان هذا هو الأفق الذي ينبغي أن تُفهم فيه الوطنية، فإن خير من جسّد هذا المعنى وأرسى دعائمه هو نبينا محمد ﷺ، الذي جمع بين أصدق الحب لوطنه، وأوسع الرحمة للعالمين، فكان نموذجا في التوازن بين الانتماء والرسالة، وبين الخصوصية والانفتاح.
فاللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، الذي بعثته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
[1] سورة المائدة، الآية 8.
[2] الانتماء في ظل التشريع الإسلامي، د. عبد االله النجار، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، ص(86).
[3] حب الوطن (من منظور شرعي)، د. زيد بن عبد الكريم الزيد، ط1417 ،1هـ، ص(22)
[4] معجم المصطلحات السياسية الدولية، د. أحمد زكي بدوي، دار الكتاب المصري، القاهرة، الطبعة الأولى 1410هـ ص(93).
[5] أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586) واللفظ له
[6] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
[7] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
[8] شرح صحيح البخاري، لابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري والقرطبي، تحقيق / أبو تميم ياسر بن إبراهيم، ط2 .