منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وجهي جميلٌ كالقمر(قصة قصيرة)

وجهي جميلٌ كالقمر(قصة قصيرة)/ فيحاء نابلسي

0

وجهي جميلٌ كالقمر(قصة قصيرة)

بقلم: فيحاء نابلسي

كم ذاتٍ تقبعُ في صدورنا! من هذا الذي يديرُ أشرعتنا تُجاه هذا المسار أو ذاك ! تَرانا نخطو يساراً ونمضي في دربً يُخيّلُ إلينا أنّه الأكمل، فتأتي من أعماقنا تلك الأصوات، تراودنا، تُقلّبُ علينا الأمور، فلا نلبث حتى نلتفت يميناً ماضين في دربٍ أخر!

أمرٌ يثير الدهشة والضحك!

فتحت مريمُ جوالها وضغطت على أيقونة الكاميرا الأماميّة، فتحت عينيها دهشة! أطرقت ساهمة، تبسمّت باستسلام، هذا ما أصبحت عليه الآن، خدين متهدلين كعنقود عنبٍ في أواخر الصيف، نسي صاحب الكرم قطافه فتدلت حباته بعد أن أنهكتها سياط الصيف.

كان وجهها كتفاحة لوحتها شمس نيسان الخجولة، يشّعُ ألقاً ونضارة، ولّت أغلبها مع كيلوات كثيرة خسرتها في حمية طويلة وقاسية، أكسبتها قدّاً أهيف وشيئاً من الشحوب مع بضعة خطوط على جانبي الفم وتحت العيون.

ارتاحت من ثقلٍ نغّص عليها حياتها لسنوات،حرمها من كثير من المسرّات، ولكن هذه الخطوط التي تلمحُ إلى سنين مازال أمامها عمراً لتصل إليها، أفسدت عليها فرحتها بالإنجاز الكبير.

لا يمكنك الفوز بالجائزة الكبرى في كل شيء، عليك أن تتقبّل بعض الخسائر على طريق النجاح.

إعلانات مراكز التجميل تعدُ بالكثير، جميعها تؤكّدُ أن تلك الحقن السحريّة تعيدُ ما ولّى من ألقِ الأيام الفتيّة، وتدحرُ بقوتها سهام الزمن وخطوط الأيام.

انتشت الفكرة في بالها وأينعت خيالات بهيّة، وجه ممتلئ، مشدود، وبشرة، زاهية تلائمُ عمرها، ونظرات اعجاب كثيرة تغبط حسنها .

غير أن خيالات الحُسن والجمال لم تكن تستأثرُ بخاطرها كلّه، ففي زاوية مظلمة من وجدانها كانت تتململ أمّ علي، تطلُ برأسها على استحياء، تهمسُ بشكواها بأنين خافت وتنسحب تاركة مريم تخطو خطوة للأمام وتعودُ خطوات للخلف، تدير الأمر في وجدانها وتفكّر .

أم عليّ المطلّقة التي تعيل قاصرتين، داهمها المرض على حين غفلة فاستغنى عن خدماتها صاحب العمل الذي كانت تكسب من ورشته ما يقيم أودَ أسرتها ويؤويها. مالكة الغرفة التي تعيش فيها، أمهلتها حتى نهاية الأسبوع فقط، بعد أن صبرت عليها شهراً من غير أجرة.

أنسب بيت استطاعت ايجاده أم علّي، طلب صاحبه أجرة نصف سنة مقدّماً، مبلغاَ لا تملك منه حتى أحاده!

منذ سمعت مريم بقصتها وصورتها هي وبناتها لا تفارق خيالها. تأوي إلى فراشها، تجد نفسها تفكر بها، تتخيلها مع ابنتيها تفترش مقعداً في الحديقة كما يفعل بعض المشرّدين، تجلسُ إلى طاولة الغداء فتتخيلها أمامها تمدّ يدها إلى الخواء .

تراجع مريم نفسها، لو دفعت ما ادخرت للحقن أجاراً لسكن تلك المسكينة، هل ستحلّ بذلك كل مشاكل المشردين المبعثرين على الأرصفة. مستحيل، ولكن، تقول مريم في نفسها، شيءٌ حسن أن نجعل البؤساء ينقصون واحداً.

وفرضاً لو أعطتها المال، ماذا ستفعلُ بعد ستة شهور؟  هل ستتمكن من توفير مبلغ أخر لتدفعه لها كلّ مرّة؟ أو  ربما يفتح الله لأمّ علي بابا آخر، من يدري بتدابير الله من يوم إلى يوم؟

والأحلام التي راودتها كلّما كان ما تجمعه يزداد ويوشك أن يصل إلى المبلغ المطلوب، هل ستتلاشى كلّها كفقاعة صابون؟ أم ستؤجلها لحين ميسرة؟

كانت شاشة الجوّال قد أظلمت بينما مريم شاردة في حساباتها عندما أيقظها من شرودها اتصال:

” مرحبا مدام، معك مركز الجمال الباهر، حجزنا لك موعداً لجلسة البوتكس بعد يوم غد في الساعة الرابعة مساء، هل يناسبك؟”

” آه !  لا لا !”

” أي توقيتٍ يناسبك مدام؟ يمكننا التأجيل إذا أحببت .”

” لا ! أعتقد أني بحاجة للتفكير في الأمر، سأتصل بكم عندما أقرّر.”

” في خدمتك دائما مدام، راحتك تهمنا، بانتظار اتصالٍ منك.”

” شكراً. لك “

أغلقت مريم أيقونة الهاتف فعادت صورة وجهها تملؤ الشاشة، تأمّلت ملامحها، ابتسمت برضى :

” ليس الأمر سيئاً للغاية، لا بأس بي، ها! ربما لا أحتاج الحقن، أظنّ أني لا أحتاجها .”

اتسعت ابتسامتها وأشرق محياها بحسن بهيّ:

” ما زلتُ حلوة! وجهي جميلٌ كالقمر.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.