أبي (قصيدة)
بقلم: أبو علي الصُّبَيْح
أَنَا اُلطِّفْلُ وَاُلْأَطْفَالُ حَـوْلِي رِجَالُ
وَاُلْمَعَانِي كلها في اُلْحُرُوفِ جبال
فَلَا عَقْلَ أَبْقَاهُ اُلْحَدِيــثُ بِهَمْسَةٍ
وَلاَ عَادَ إلي فِي كُلِّ هَمْسٍ مَقَالُ
رَجَوْتُ وَفِي رَجْعِ اُلصَبِيِّ تَــوَهُّجٌ
تَذَكَّرَ حِضْنـــاً مَا جَفَاهُ اُنْفِصَالُ
___
يا مُوْجعَ الرُّوح أدْري مِنْكَ إِيذَائي
أنا المُضيّعُ في حُزْني وأرْزائي
أدْري بأنَّكَ وجْهٌ غابَ عَنْ زَمَني
وَضيّعتْهُ سِنينُ الوَيلِ وَالدَّاءِ
أدْري حِصارَكَ طَوْقٌ شَدَّ لي عُنُقي
وَحاصَرتْني بِهِ أيّامُ بأسْائي
أَدْري وَلِسْتُ أرَى مَنْ فيهِ أعرفني
وَتَسْتِقيمُ به في الصَّوتِ أصْدائي
أنا سُلالة أَجْيالٍ مُصادَرَة
مِنْها المَبَاهِجُ في قَهْرٍ وإيذاءِ
فاضَتْ بِها النَّار، وَاسْودَّتْ نَوافِذُهَا
وعلقتها عَنْ الأَبْصارِ شَحْنَائي
مكبّلٌ خاطرُ التاريخ في وجعي
فمنْ يزحزح عنْ أعضاي بلوائي؟
وَمنْ يُلَمْلِمُ صَدْري مِنْ تشرّدِهِ؟
وَيَسْتفزُّ بِهِ إحْساسَ أَشَلائي
أدْري بِأنَّ التي ما عادَ يُدرِكني
وَلَسْتُ أدْركُ في التَّهويلِ أَشْيائِي
أَغُطّ في الجَمْرِ حَتَّى لا أرى أحَداً
لِيَمْسحَ الجَمْرُ من إيّايَ أسْمائِي
أربعونَ عاماً وبَعْضي لَيسَ يَعرِفني
وفيَّ تجلدُ للّا شيء أهوائي
أنا البُكاءُ وَذاتي جدُّ مُوْجِعَة
مِنَ الرَّحيلِ، وَهَدَّ النَّأي أنْحائِي
رحلة فَاهْتزّ ضِلْعي مِنْ مَكامنِهِ
وَخارَ جِسْمي، وَزادَ المَوْتُ أعْبائِي
أدركْ جراحَ فمٍ ضاعتْ شواردُهُ
وأرجحتهُ بوادي الوهم أدوائي
حَمَامة مِنْ جِراحٍ ما أزالُ أنا
وَمَا أزالُ أُعاني، فَقْدَ أَجْزائِي
وَما يَزال الأَذَى يَجْتاحُ مَمْلَكَتي
وَيرْسمُ القَهرُ ألْواناً بِسيمَائي
رغْم الَّذي كانَ عدنا مِنْ فتاة دَمي
وَهَاجَرتْ عَنْ خُطوطِ التّيهِ دَهْمائِي
وَما يَزالُ شَمالُ الله يَحْرسُني
وَفي الجَّنوبِ أرَى ضحْكاتِ جنائي
فأينَ مِنّي الّذي قَدْ كانَ يبهجُني؟
إذا اجْتَمعنا وَيهْوى كُلّ أَبنائي
فقَدْتُ كُلّي، وَضاعَ الكُلّ يا وجعي
فَأيْنَ منّي الَّذي يَحْمي لأَجوائي؟
وأينَ منّي الَّذي قَدْ كانَ مفخرة؟
بِهِ أُكابرُ أصْحابي وَأعْدائِي
وأينَ ذاكَ الَّذي تُنْسيكَ زورَتهُ؟
الهُمومِ كلها، وَيُجلو نارَ حُمّائي
يا أيْنك الآن يا مَنْ فيكَ أدْرَكَني
لَسَوفَ تَبْقى عَظيماً في السّويداءِ
أبي مَرارة حُزنٍ فيّ تعلكني
قَدْ كُنْتَ نَهْراً يروّي قيظَ قرائي
فَقَدْتُ فيكَ حَناناً كُنتُ أعْشَقهُ
فمنْ يُعيد لِمَرمى الرُّوحِ أَفْيائي؟
ومنْ يَردّ إلى بَيتْي كُلّ ثاكلةٍ؟
ومَنْ يردّ إلى جلدي وَمضَ اللائي
ومنْ يردّ إلى الأيتامِ لقمتَها
ومَنْ يردّ إلى أرضي روحَ أضوائي؟
ومَنْ يردّ إلى مَجرى البحرِ زُرقتهُ؟
وَمَنْ يردُّ إلى حقلي ضِحْكَةَ الماءِ؟
أدْري بأنَّكَ لَنْ تأتي لِحارتِنا
وَلَنْ تَعودَ لِليلاتي وأنْدائي
أبي الَّذي كانَ مأوى كلّ طارقةٍ
بِهِ البَشاشةُ طَبْعٌ دونَ إيحاءِ
(يلقَى الوفودَ بِوجهٍ) مترفٍ نضرٍ
يَسْعَى بِلا عَوْزٍ سَعيًا إلى الرَّائي
قَدْ كانَ ركناً تغذينني مَحامدُهُ
بِهِ أَطوفُ بِلا كَلٍّ وإعْياءِ
أبي الَّذي كانَ لا ما كانَ غَيرَ أبي
كَمْ هَدّ معْولهُ تزويرَ بنّاءِ؟!
وَقَدْ تَهَدّمَ واعتلّت خَواصرُهُ
وَطارَدَتْهُ بِالأرْضِ كلها أنْبائي
أبي يا أبي يا كلُّ مَمْلَكَتي
آلام أحْيا بلا شعور بالمائي
يَسوؤني أنْ أَرى أَهْلي بِلا بلدٍ
وَالحاكِمونَ بِلادي غَيْرُ أكْفاءِ
عَلَى انْتظاركَ أبْوابي مفتَّحةٌ
لا تَطرقِ البابَ، وأدخل دُون إيماءِ
أبي
إلى العلياء يا أبي
سأكتب عنك حتى
ينطق الطير والحجر
ذكراك بالروح إلى
الأجل
وفداك الحبر النازف
بين سطور الدفتر واسمك أعلى النص
مرسوم بالدم على
هذا الحجر
****