متعدد الرؤوس (قصة قصيرة)
بقلم: الأستاذ مجيد فلوح
فضلت في هذا الصيف الانخراط مع جمعية كشفية للقيام بجولة في غابات جبال الشمال..
هذه الغابات نجت من موت محتم بسبب النيران التي التهمت جزءا كبيرا من أطرافها، وتركت فيها جراحا غائرة قد تحتاج لسنوات من أجل شفائها، وسكون آلامها وأوجاعها..
من أغرب ما سمعت من روايات تحكي سبب اندلاع النار فيها، رواية شيخ التقيته في إحدى مغارات الجبال العلوية التي لا تشرق عليها الشمس إلا عند مغربها..
مع أن الشيخ تبدو على ملامحه طعنات السن فإن له قوة شاب في مقتبل العمر، فارع الطول، عريض المنكبين، متين العضلات، على شق وجهه الأيمن لحية بيضاء، وعلى شقه الأيسر آثار حروق ذات أعمار مختلفة، قديمة وجديدة..
يروي الشيخ أن تنينا متعدد الرؤوس هو من أضرم النار في الغابات!
لا يخفى على مطلع أن هذا التنين لم يظهر أبدا إلا في الخرافات والأساطير التي تحكي أنه ينمو له رأسان كلما قطع له رأس، ولم تثبت الأبحاث الأركيولوجية والأثرية وجود هذه المخلوقات التي أُلّفت حولها قصص كثيرة..
قد تعتقد أيها القارئ أنني أؤلف قصة جديدة من هذا الصنف، ولكن صدقني أن الشيخ يزعم أنه يصطاد هذه التنانين، وأنه ورث هذه الحرفة أبا عن جد..
ويزعم أيضا أن التنين كلما ازدادت رؤوسه اشتد البأس بينها، ودب فيها الخلاف، وصارت تأكل بعضها البعض.
– وكيف كنت تستطيع اصطيادها؟ سألته!
– كنت أتركها، وأراقبها من بعيد، ولا أدخل معها في قتال حتى تبدأ الرؤوس في الصراع فيما بينها، ولا ينبغي أن يتقدم الصياد قبل ذلك لأنه سيكون عدوا يسبب اتحادها.
– وهل هي من سببت لك تلك الحروق على وجهك؟
– أبدا، الذي سبب لي تلك الحروق تنين نادر كاد يجهز علي، وهو من النوع الذي كلما قطعت له يدا نبتت له يدان أو أكثر، وله رأس كبير وقوي.
– وكيف تزعم أن التنانين من أحرقت الغابات ولا يشهد بذلك غيرك؟
– تلك المخلوقات نحتاح من أجل رؤيتها إلى نظارات صنعت من تربة عالم التنانين وصهرت بنيرانها.
وأخرج من جيبه زوجا من النظارات وضعتها على عيني، فلم تكن المغارة الصغيرة إلا باب نفق طويل، يظهر في آخره شعاع نور ساطع، وأشجار خضراء سامقة، وعلى جوانبه هياكل تنانين متهالكة.
خطف الشيخ النظارات من عيني، وتركني في اللحظة التي عثر علي فيها أصدقائي الكشافة.