منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمانة التبليغ: الخطبة (8) : ” عمارة المساجد ووظائفها ” || الدكتور أحمد الزقاقي

أمانة التبليغ: الخطبة (8) : " عمارة المساجد ووظائفها " || الدكتور أحمد الزقاقي

0

أمانة التبليغ

الخطبة (8) : ” عمارة المساجد ووظائفها “

الدكتور أحمد الزقاقي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على خاتم النبوة والرسالة، سيدنا محمد وآله وأصحابه ومن انتمى له.

أما بعد، أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات:

إن الله تعالى جلت قدرته خلق الخلق لينفعهم، ولينفعهم أمرهم بعبادته، وأمر بإخلاص العبادة له سبحانه ، فقال: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ ، وبالنية والإخلاص يتسع معنى العبادة ليشمل كل الحركات التي يقوم بها المؤمن وتقوم بها المؤمنة لعمارة الأرض، والقيام على شؤون البدن، وتزكية الروح ، وقرن سبحانه العبادة بالابتلاء ﴿ أحسب الناس أن يتركوا أن  يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ﴾ ، ولذلك وجب أن يظهر أثر العبادة في السلوك والمعاملات، لاسيما في معاملة الناس بعضهم لبعض، ولأن الدنيا ميدان تزاحم وتدافع قد يذهبان بالكسب الإيماني الذي حصله المؤمنون والمؤمنات من العبادة، جعل الله لهم مكانا مقتطعا من الأمكنة وزمانا مقتطعا من الأزمنة، يعكفون فيها على ذكره وعبادته بعيدا عن كل ما يشغل القلب أو يبلبل الفكر، ذلك المكان هو المسجد، بيت الله، وأحب البقاع إلى الله، منه يستمدون الطاقة الروحية التي يغالبون بها نوازع الكبر عندما يصطفون قياما في الصلاة لرب العالمين، ويتفادون مزالق التشتت على سطح الأحداث بالانجماع على ذكر الله، و يتجنبون مزالق الفردية والأنانية عندما يوحدون الوجهة ويشتركون في تأدية عبادة هي عمود الدين وأسه وأساسه وشعاره.

إن المساجد هي بيوت الله، وقد خصها سبحانه بجميل الذكر والثناء فقال : ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾، وقال أيضا: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾، وقد بينت هذه الآيات وغيرها وظائف المسجد التي يجب أن يعرفها المسلمون حتى لا يبقى المسجد بيتا للصلاة فقط،

 فما هي أهم وظائف المسجد؟

1- الوظيفة الجمالية

قال تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، والعمل بالآية يقتضي:

  • الحضور إلى المسجد بالكساء واللباس النظيف الطاهر، مما يُسهم في جمال الروح ، فيتطهر ويتزكى المظهر والمخبر، فليس من الذوق أن يحضر المؤمن أو تحضر المؤمنة إلى المسجد بألبسة المهنة المتسخة، أو تناول الأطعمة التي تخلف روائح كريهة تؤذي المصلين كالبصل والثوم والسجائر، أو إغفال تبديل الجوارب حتى تنبعث منها رائحة كريهة أيضا تزكم الأنوف.
  • إن الحرص على جمالية المسجد عند البناء يجب ألا يزيد على الحد المقبول والمعقول، فالأولى هو أن تُرصد فضول الأموال لسد جوعة البؤساء والمعوزين، والفقراء والمحرومين، ولتفادي الوقوع في آفة التفاخر التي تذهب بالإخلاص الذي هو شرط قبول الأعمال من الرحمان ذي الجلال، وتحري الوسط في تشييد بيوت الله لا ينافي الحرص على الجوانب الفنية، فقد شكل المسجد على مر التاريخ سجلا  حافلا للفن الإسلامي، بما أودعه فيه المهندسون المسلمون من إبداعات ومهارات على تنظيم وترتيب عجيب، وبساطة ترتاح إليها الروح ولا يمجُّها الذوق السليم، وصدق من قال :” إن جميع الفنون تقود في الإسلام إلى المسجد، والمسجد إلى الصلاة”،
  • ومما يعكس أيضا الوظيفة الجمالية للمسجد النظام والانتظام الذي يؤدي به المؤمنون الصلوات، إذ يُدعون إلى تسوية صفوفهم، وفي هذا إرشاد لهم كي يسيروا في حياتهم بنظام الصف ليكونوا على قلب رجل واحد، كما اجتمعوا للصلاة خلف إمام واحد.

2- الوظيفة التربوية التعبدية

إخوة الإيمان، إن حياة المسلم كلها تتمحور حول المسجد، فالصلاة فيه تنقله من الوقت السائب إلى الوقت المنضبط بأوقات فرائض الصلوات، ومن الجهل إلى العلم ، ومن العجلة إلى الحلم والتأني والصبر، وما إن ينتهي من صلاة حتى ينتظر صلاة أخرى، القلب مع الله، واليد تعمل في السعي على العيال، والتماس أسباب الرزق، والتسبب في قضاء حوائج الناس، وجر النفع إليهم، هذه المعية مع الله لا تعني الانسحاب من الدنيا ولا هجرها ، فهي ميدان الأعمال الصالحات التي تقود إلى رضى الرحمان، ودخول الجنان، وهذا التعلق الشديد بالمسجد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه بعظيم الجزاء عند الله فقال:” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله -عز وجل-، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه،  ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال،  فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” فذكر صلى الله عليه وسلم من السبعة الرجل المعلق قلبه بالمساجد، كأن جسده خارج المسجد، وقلبه لا يفارق المسجد، فهو دائم الحنين إلى قلبه.

إن المساجد أيها المؤمنون تحفظ على المؤمنين إيمانهم وإسلامهم وأخلاقهم ومجتمعاتهم واستقرارهم النفسي والاجتماعي والسياسي، فتخصيص أوقات لذكر الله والتضرع إليه في المسجد وتلاوة القرآن الكريم ينعش الروح، ويعين على الخشوع في الصلاة، ويعين على التركيز وإتقان الأعمال، وكل ما يخل بالسكينة في المسجد فهو مخالف لرسالته ومقاصده، وقد لوحظ في السنين الأخيرة كثرة الممارسات في المسجد التي تشوش على الذاكرين والمصلين والمتعلمين، من رفع للأصوات، وتباذل للحديث فيما لا ينفع، والانشغال بالهواتف الذكية في غير قراءة للقرآن ، وكأن المرء لا تكفيه الساعات التي يقضيها خارج المسجد يعافس الدنيا، هذه الدنيا إن زحفت حتى على الأوقات المباركة في المسجد فقد تم إفراغه من رسالته.

3- الوظيفة العلمية التعليمية

إن الأصل في هذه الوظيفة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده “، – وكان المعلم الأعظم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتحلق حوله الصحابة رضوان الله عليهم كأن على رؤوسهم الطير يسألونه ويستفتونه في كل ما يهمه من أمور دنياهم وآخرتهم، وكان بعضهم يتناوبون على حضور مجالسه في المسجد، و ذكر الغزالي في فاتحة العلوم عن مكحول أن عشرة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حدثوه فقالوا: “كنا ندرس العلم في مسجد “قباء” إذ خرج علينا رسول الله (ص) فقال: “تعلموا ما شئتم أن تتعلموا فليس يأجركم الله حتى تعملوا”،و قد درس في المسجد النبوي بعد زمن النبي (ص) كبار الصحابة والتابعين.

فعرفت المساجد بذلك حلقات العلم التي كانت تغص بالطلبة وعامة الناس، وتصدى للتدريس فيها جهابذة العلماء المتخصصين في علوم المعقول والمنقول،  وفي المسجد نشأت أصول الفقه المالكي على يد مؤسسه إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه،  ويذكر المؤرخون أن ربيعة الرأي كان يجلس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويجلس الحسن البصري في مسجد البصرة ويشرح بأسلوبه الممتع مختلف العلوم، ثم تولد العلم من هذه الدوحة النبوية وتفرع وتشعب حتى أقام صرح الحضارة الإسلامية العالمية التي استفادت منها الإنسانية كلها.

4- الوظيفة الاجتماعية

بعد بناء المسجد في المدينة المنورة تتالت التشريعات التي تنظم حياة وشؤون المسلمين، ونظرا لأهمية الأسرة في تماسك المجتمع، وفي تقوية أواصر وروابط الأخوة بين أعضائه، أُعطيت للمسجد مهمة إعلانية عن حدث مهم في حياة المسلم وهو “الزواج ” فقال عليه الصلاة والسلام :”أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف”، وقد لاحظنا أن الأمم المسيحية قد تشبتت بمضمون هذا التوجيه أكثر من المسلمين إذ تكتمل مراسم الزواج المدني عندهم بالانطلاق من الكنيسة، بينما يصيب الخجل حديثي العهد بالزواج من المسلمين فيعرضون عن فعل ذلك، فيفوتهم الخير الكثير الذي يتأتى من بركات المسجد وأنواره ودعاء المصلين.

ويدخل في وظيفة المسجد الاجتماعية اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم له مكانا لإيواء الفقراء والمحتاجين كما كان يفعل بأهل الصفة بمسجد المدينة، وجلهم من المهاجرين الذين تركوا أموالهم بمكة فرارا بدينهم واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حجر : ” الصفة: هي مكان في مؤخر المسجد النبوي، مظلل، أُعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل” ،ونسج المسلمون على هذا المنوال طيلة تاريخهم فأفاضوا الخير والصدقات على المسلمين وغير المسلمين، فكانت النساء يأتين بحليهن، والأطفال بصدقات رمزية حتى لا يفوتهم الأجر والثواب.

وجريا على هذه السنن الحميدة  أوقف المسلمون الأملاك والعقارات على المساجد، ينفق منها على بنائها وتفريشها وتزيينها وصيانتها، وعلى طلبة العلم وقراء القرآن وعابري السبيل، وضمنت هذه الأوقاف الاستقلال المالي للعلماء فكان يبذلون علمهم لوجه الله مستغنين عن أموال السلطة، لأنه متى صار العالم يتقاضى الأجر منها وموظفا لديها نقص ذلك من استقلاليته وحياديته ونزاهته وهو القائم مقام رسول الله في البيان والتبليغ والتعليم والتزكية، وكان المُحبِّسون يضعون نصب أعينهم الحديث النبوي العظيم الذي بين لهم أجر الصدقة الجارية إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” فدلهم على مجالات الاستثمار المربحة التي تعود عليهم بالأجر والثواب في الآخرة، فأوقفوا الكتب والمكتبات، وأنقفوا على طلبة العلم بلا حساب، فأضافوا إلى أبنائهم الطينيين أبناء روحيين معنويين.

أيها المؤمنون: قد يقول قائل إن تعقد الحياة المعاصرة وتطورها ، وظهور المؤسسات المختلفة قد أغنى  عن قيام المساجد بكل تلك الوظائف، فنقول نعم هو كذلك، فالوظيفة السياسية للمسجد مثلا تتجلى في أن الحاكم أو الخليفة كان  يتلقى البيعة العامة من الناس في المسجد بشروط مشروطة تقوم على إقامة العدل واحترام الحقوق وعدم الظلم، ولما اتسع العمران، صار ذلك يتم في مؤسسات دستورية معروفة ومحددة،  ولكن يبقى المراد على كل حال هو اصطحاب الروح المسجدية عند ممارسة الأعمال، والتبرك بانطلاق تلك الأعمال من المساجد والجوامع الكبرى حتى يباركها الله ويعم فضلها المسلمين ، وربط القلوب والعقول ببيوت الله، ليتقدس المجتمع ويتزكى أعضاؤه وتشع أنواره وحضارته.

  1. الوظيفة النسائية

أيها المؤمنون ، لقد جاء الإسلام حربا على التقاليد البالية الجاهلية التي حطت من قدر المرأة، وعزلتها في زاوية يُنظر إليها كالمتاع، فتم وأدها ماديا ومعنويا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجن معه إلى الصلاة، وشاركن في الجهاد والاجتهاد، والتعبئة والإعداد، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: “لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد” ، وقال صلى الله عليه وسلم: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، و لكن ليخرجن وهن تفلات”. (أي غير متعطرات أو متزينات)، وقال أيضا:”إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها” ، ويحكى أن بعض أبناء عبدالله بن عمر قال: والله لنَمنَعْهُنَّ، فنهره عبد الله بن عمر قائلا له: أقول لك قال رسول الله وتقول رأيك، وكان من نتائج هذا الإشراك للمرأة المسلمة في كل أبواب الخير أن أخذ الكثيرون العلم عن صحابيات وتابعيات جسدن في حياتهن تربية المسجد وروح المسجد وأخلاق المسجد.

فاللهم اجعلنا من عمار بيوتك، وخُدام خلقك، والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وآله وصحبه

أيها المؤمنون إن أول وأعظم ما بنيت له المساجد هو إقامة صلوات الجماعة والجمعات فيها، فرضا مفروضا من الله على الرجال لا يسقط إلا بشروط معروفة كالعجز ، قال تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال  رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار * ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب) ، فترى الحس الجماعي ينتظم جل التشريعات والعبادات الإسلامية، حتى لا ينعزل المسلم عن مجتمعه، ففي جو الانعزال تكبر الأخطاء وتتضخم لأنه لا يتاح لها أن تُصحَّح وتُقوم، وتصاب النفس بالسقم فينتشر الاكتئاب وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من كآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، وأوجب على المؤمن أن يؤدي الصلاة مع الجماعة في المسجد، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة”،وأتاه رجل يسأله أن يرخص له في الصلاة في البيت قال له “هل تسمع النداء بالصلاة؟” فقال: نعم، قال: “فأجب “، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “صلاة الجميع (الجماعة) تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد”، وليس هناك وقت لأداء صلاة الجماعة أخطر من وقت الحرب عندما يواجه المسلمون أعداءهم في ساحات المعارك، ومع ذلك أُمروا أن يؤدوا صلاة الجماعة لأنها تقوي إيمانهم وعزائمهم وتشد من عضدهم وتثبتهم ،قال سبحانه وتعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) ، قال ابن كثير -رحمه الله-: “وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك” ،

وكان الصحابة يتهمون المتخلف عن صلوات الجماعة بالنفاق، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: ” ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف “، ولا سيما صلاتي الفجر والعشاء، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار”، وقال أيضا: من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة” ، وحتى الأنظمة الدموية الاستبدادية كانت تتوجس خيفة ممن يواظب على صلاتي العشاء والفجر فكانت مخابراتها تنشئ سجلات بأسمائهم وأسماء مساجدهم (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

فاتقوا الله عباد الله، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان،، وأدوا صلاة الجماعة في المساجد، وسابقوا إليها ولا تتخلفوا عنها؛ ولد مررنا قبل سنين بأيام حوالك، يوم عم الوباء الناس والعالم، وأغلقت المساجد، فصار المسلمون كأجساد بلا رأس، وكأشباح بلا روح، والمواظبة على المسجد فرصة لترتاح الأرواح المتعبة، وفرصة لترسيخ الشعور بالوحدة والانتماء إلى أمة عظيمة متحضرة وفرصة أيضا لتبيض السجلات التي سوَّدتها الذنوب والآثام والمظالم والفساد،.، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط”.

أيها المؤمنون تلكم هي وظائف المسجد كما ذكرها الله سبحانه في كتاب ورسول الله في سنته، والصحابة والتابعون والعلماء في دروسهم ومكتوباتهم، وكل ذلك ابتغاء مرضاة الله بقصد الاندراج في قوله تعالى : ﴿ إنما يعمر مساجد ٱلله من ءامن بٱلله وٱليوم الآخر وأقام ٱلصلوة وءاتى ٱلزكوة ولم يخش إلا ٱلله ۖ فعسى أولئك أن يكونوا من ٱلمهتدين﴾، وخشية أن يقعوا في الظلم العظيم الذي ما بعده ظلم ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ۚ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ۚ لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾، ومن الظلم سوء الظن بالمساجد وبمن يرتادونها، ومنعها من أداء أدوارها العلمية والتعليمية والتربوية والاجتماعية.

نسأل الله بمنه وكرمه وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا لإقامة الصلاة على الوجه الذي يرضيه عنا،ونجعل مسك الختام الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيدنا محمد وآله وصحبه، فاللهم لا تخالف بنا عن نهجه ولا عما جاء به، واحشرنا في زمرته،وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، اللهم إنا نسألك زيادة في الإيمان وبركة في العمر، وصحة في الجسد، وسعة في الرزق، وتوبة قبل الموت، وشهادة عند الموت، ومغفرة بعد الموت، وعفواً عند الحساب، وأماناً من العذاب، ونصيباً من الجنة، وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين،اللهم فرج كروب المسلمين، ووفقهم للاستقامة على دينك، وانصرهم على عدوهم، ووفقهم لكل خير، اللهم إنا نستودعك بيت المقدس وأهل فل*س*طين ، اللهم انصرهم وارزقهم القوة والهمة والصبر واربط على قلوبهم وانزل عليهم من رحماتهك، اللهم داوي جرحاهم واشف مرضاهم وتقبل شهداءهم، واقهر عدوهم، يا ربي لا ترفع له راية ولا تحقق له غاية، واجعلهم للعالمين عبرة وآية  يا ارحم الراحمين.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.