لحظات في مدينة الرياح
بقلم: لحسن بن علي الرحالي
زرنا يومه الجمعة قبل الماضي مدينة الصويرة، فيممنا الأسوار القديمة بعد أن تكحلت أعيننا بدخان شواء السمك، فما إن خرجنا من سورها الشمالي المتاخم للبحر، سقطت عيني على كومة كتب متناثرة على قارعة الطريق، فذهبت مسرعا إلى ذاك المرتع الذي لا يحلو لي سفر إلا به..
فبدأت أتصفح بعض كتبه واحدا واحدا، ومن هيبة عناوين تلك الكتب ومؤلفيها، تزاحم في قلبي قليل من الفرح، وكثير من الأسى على ما آل إليه كنز لا يقدر بثمن، ولعلمي الأكيد بأن كل كتاب من هذه الكتب إلا وله قصة مع صاحبه، كيف اشتراه؟ وأين اشتراه؟ وبكم شراه؟
مثل هذه الأسئلة الوجودية لقصص الكتب عشتها شخصيا في مدد متفرقة من عمري، لا أشك أبدًا أن صاحب هذه المكتبة قد حبس نفسه عن الطعام الشهي، والملبس البهي، والمرتع القصي، ليشتري كتابا من هذه الكتب …
أتصفحها ويدي ترتعد من مهابة عناوينها الجذابة، وتواريخ طبعها الضاربة في القدم، نزلت أول دمعة وانا أنظر إلى كتب الشيخ القاضي الكشبور فقيه القانون، والشيخ القاضي ابن معجوز، والشيخ الاستاذ محمد رياض، والشيخ القاضي المستشار بنعبود….
عيني لا تكاد تصدق بأن أعلام المغرب العظام ينثرون على شارع عام في أقاصي مدينة ترقص على إيقاع گناوة وتدير ظهرها للفكر والثقافة والعلماء…
ليس هذا موضوع الحديث، لكنني متأكد في تلك اللحظة أنني أمام ثروة علمية باذخة، رأيت نفسي حينها ثريا لو ملكت مثل هذه المكتبة القضائية والقانونية بين يدي، استجمعت قواي النفسية بعد أن تثاقلت علي قدماي من الوقوف، فقررت أن أختار بضع كتب وأنصرف، لكن هاتف ضميري جعلني استوفز نفسي وأقول: ما الكتب التي أختار وما التي أدع؟ وهل لي طاقة في الاستغناء عن بعضها؟ وما ثمن ما سيطلبه بائعها؟
هواجس خرقاء تخطر في ذهن من يقضي يومين في الصويرة، ثم يجد نفسه أمام امتحان للتاريخ، هل أتنكب عن الخوض في مغامرة الأخذ أو الترك؟ أم أفرق بين هذه الكتب وأترك بعضها لشارع لا يقدر العلم والعلماء؟
أحسست حينها أن تلك الكتب كالطفل الصغير الذي ينظر إلي بعينين مشدوهتين غائرتين، وكأنها ترفع يديها إلي حتى أحملها من الأرض… مالي وما للعلم يا ربي … وكيف لي أن أفرق بين هذه الكتب، وهي من قبيل الصلاة والزكاة، وطاعة الله والرسول، وطاعة الله وبر الوالدين، لا يفرق بينهما أبدًا..
لم أزل أتردد على كل عنوان، وأتصفح مقدمة كل كتاب، حتى توطدت بيني وبينها روابط مودة، فأملى علي خاطر بريء أن أجمعها جميعا كما جمع يوسف عليه السلام إخوته، وقال: لا تثريب عليكم..
استأذنت من صاحب الكتب أسأله عن أصل هذه الكتب، وقصة وصولها إليه، فأجابني بعد أن ارتاحت نفسه للحديث معي: هي لأستاذ قاضي في محكمة الصويرة، كان جوابه عندي عاديا جدا غير صادم لأن مثل هذه الكتب لا تكون إلا عند أمثال هؤلاء، لكن الذي غرز في صدري وأدمى قلبي هو كيف خرجت تلك الكتب بهذه الوحشية إلى شارع عام لا تكاد تشم فيه رائحة العلم والمعرفة…
نظرت في ملامح البائع التي لم تكن منظر بائع أو تاجر، ويظهر من حاله أنه لا علاقة له بهذا المجال من قريب ولا بعيد، واستغرقت معه في الحديث لأستبين مأتى المكتبة وقصتها..
فتبين لي من خلال نظراته وكلامه أنه لا يعرف شيئا عن قيمتها، وتأكد لي قطعا أنه يريد الخلاص منها وأخذ الثمن عنها.. تذكرت قول سيدنا رسول عليه أزكى الصلاة والتسليم: رب حامل فقه وليس بفقيه …
سألته: هل تريد بيع هذه الكتب؟
أجاب: نعم كلها بلا استثناء
قلت: هل تبيعها بثمن معقول؟
قال: خذها جميعا وبثمن أقل
قلت: بكم؟
قال: 6000 ريال
قلت: كم؟؟ ظننته قال 6000 درهم
قال: 6000 ريال وردد بعدها 300 درهم 300 درهم
نظرت إليه نظرة استغراب، وقفزت إلى ذهني قصص حرق مكتبة بغداد، وضياع مكتبة قرطبة، والاستيلاء على خزانة الشاه أبادي ….
مكتبة كهذه بقيمتها المعنوية والرمزية والتاريخية لا يمكن أن تحدد لها ثمنا، لكن بلغة الدرهم والدينار قد تساوي – وأنا الخبير بالميدان- ما يزيد عن 150000 درهم، ولو استحضرنا مواقف الشراء لهذه الكتب من حيث وقتها والأحوال التي دعت لشرائها لبلغ ثمنها أكثر وأكثر، فأغلبها تم اقتناؤه ما بين أواخر السبعينات وأواخر التسعينات، وهو تاريخ كان للكتب ندرة وقلة وغلاء ….
أشفقت على نفسي وعلى المكتبة وبائعها وصاحبها، وكنت أظنه سيطمع في مبلغ أكبر، لأنها فرصة قد لا تتكرر، وكنت مستعدا – والله – أن أدفع أكثر، ولو بقيت في يومه بلا عشاء ولا مأوى لأجل أن لا أترك تلك الكتب تذروها الرياح ولا عاصم لها …
طلبت منه أن يجمعها جميعا لأنقلها للسيارة، فقام بذلك صحبة من كان معه من الشباب، فعلوا ذلك وهم في غاية النشاط، كأنهم يتخلصون من عبء ما هم فيه …
جمعنا الكتب فأخذ مبلغه وزادني قبلة على رأسي، وقبلتين على خذي، كأنني قد خلصته من جدام أو وباء..
انطلقت من عنده ومشاعري مختلطة لا أدري كيف أميزها، هل أفرح لأنني غنمت مكتبة فاخرة؟ أم أبكي لحال صاحبها؟ أم كيف حصلت عليها؟
وابل من عواصف العواطف يجذبني لذاكرة حكاياتي مع الكتب، أذكر مرة أنني زرت منطقة “الليدو” بفاس، وهي مكان يتوافد إليه تجار الكتب من كل حدب وصوب، وكان في جيبي المهترئ 80 درهما لا أملك غيرها، فصادفت أحدهم يحمل كتاب ” حياة الصحابة ” للإمام الكندهلوي، وهو في أربع مجلدات، فتصفحته وأغرمت به، فعرض علي اقتناءه، ففعلت، سلمته ما في جيبي، وعدت راجلا إلى غرفتي التي تبعد بحوالي ساعة ونصف…
سخر مني أصدقائي غاية السخرية حين عرفوا ما حصل، وصاروا يتندرون في مجالسهم على قصص الرحالي مع الكتب، كما كانت العرب تسمر بأحاديث قيس وجنونه…
وساحت ذاكرتي في زيارة لمكتبة النوادر بالرباط حيث ظفرت بكتاب نفيس جدا، وهو “السيف المسلول على من أنكر على الرجراجيين صحبة الرسول ” للإمام الصديقي، فهزني فرح عميم، إذ كنت أبحث عنه من سنوات خلت ولم أجده، أخذته بحدر شديد كما أخذ موسى الألواح، ثم توجهت صوب صاحب المكتبة أسأله عن ثمنه؟؟
فقال: يا فتى إن هذا الكتاب بأقل من 500 درهم لا أبيعكه، فسقط في يدي، وتغيرت ملامحي، والتوى لساني، فساومته فأبى علي ذلك … دفعت ثمنه، وخرجت من عنده ولم يبق في جيبي إلا دريهمات، ولولا بعض أهل الخير لنمت في إحدى شوارع الرباط أو محطاتها …
وإن كنت أنسى فلا أنسى يوم أخرجني صاحب المنزل من غرفتي التي كنت أكتريها ب 700 درهم، لأنني أخرته لخمسة أيام … لا أنكر أنني كنت مدمن كتب، ولم أعرف سبيلا إلى تدبير بعض المال الذي أتحصل عليه من منحة الجامعة، فقد أمتنع عن أكل الطعام، والدخول إلى المقاهي، واقتناء الثياب، لشراء كتاب أو كتابين أسعد بها وأسد بها نهمة العطشان…
كل هذا لا يهم، مر وفات، وذكرياته المؤلمة حلوة المذاق، وعذبة الأجاج، وسبب ذكري لهذه القصص، هو غيض من فيض، مما جرى على صاحب مكتبتنا الذي تناثرت كتبه في شارع الصويرة، كل كتاب له قصة ورواية، ولو كانت تتكلم لنطقت بما يستحيل على العقل إدراكه وفهمه…
ولا أكذبك أنها تحدثت إلي، وهمست في قلبي قبل أذني، وحركت كل سواكن قلبي المجروح، وقالت حديثا تنوء بحمله العصبة أولي القوة، فقد كانت في خزانة السيد القاضي الأثيلة، بين الرفوف الوفيرة، والأعمدة البديعة، والمقام المحروس، والفراش المتروس…
ثم هبت بها خطوب الدنيا بقدرها، وصوارف الدهر بقضائها، فمزقت أعتاب الرفوف، ونخرت أوراق الدوابج من الكتب… وصدق سيدي أبو بكر حين قال: ليس بعد الكمال إلا النقصان.
وصلت المكتبة إلى مكتبتي، ومسحتها جميعا، ورتبت المشتت منها، وأصلحت الممزق منها، ونزلت عندي منزل الضيف الضعيف الكئيب، الذي فارق أهله وذويه، وأنهكه سوء الحال، وتوجع إلى أن تفجع….
وأنا منهمك في ضيافة الضيف لقيت السيد القاضي مصطفى رميدي -رحمه الله -،وتعرفت على ملامح وجهه البريء لأول وهلة، ولعلها أول مرة في تاريخ البشرية يمثل فيها قاضي محكمة أمام محب للكتب، لا أدري من يحاكم من، لكن الذي أعرفه أنني أشفقت عليه من نظراته الغائرة من وراء نظارته….هندامه الرسمي، وقصة شعره، وتفاصيل وجهه كلها تقول أنه بريء …
تعرفت عليه وأنا أتصفح 800 كتاب من كتبه، حين سقطت صورة له من إحدى كتبه كأنها تستغيث، وهو يحثني حثا إلى الإحسان قبل الإساءة، والصفح قبل البوح، والعفو قبل الأخذ…
أخذت صورته بين يدي أتأملها، وأحذق في تقاسيم وجهه، وأستحضر مقام القاضي والقضاء في عهده، أين درس؟ مع من درس؟ كيف درس؟
أجوبة ذلك كله عندي، فقد عرفته من خلال مكتبته، وقد قال السلف قديما: مكتبة العالم جزء من عقله، والرجل كما يظهر تمام العقل، فهو يملك دراسات شامخة في القضاء والقانون والفقه والسياسة، ومجلات متسلسلة تدل على متابعته لما يستجد من القضايا والنوازل، مدرك غاية الإدراك لخطة القضاء، جمع أطاريح لا يتحصل عليها إلا صاحب مستوى عال جدا، وله كتب بإهداءات مختلفة من أكابر المستشارين في المجلس الأعلى للقضاء…
ويظهر أنه ضليع في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، فقد تضمنت خزانته العشرات من الكتب باللغتين معا، وروايات في غاية التشويق والإثارة…
بين هذه الكتب وجدت صورة لساحة فرنسا بالصويرة قبل هدم نافورتها، صورة تلخص اهتباله بهذه المدينة ومعالمها التاريخية، وفيها تولى القضاء في محاكمها ردحا من الزمن، وهي المدينة – مع الأسف الشديد- استباحت كتبه، وغرزت سكين الإهمال في تاريخه وخزانته، وشردت بها في شوارع موگادور غير آسفة عليها، تهز كتفيها لتضحياته الجسام في جمع الكتب والعلم والمعارف ….
زرت خلال مقامي بالصويرة قيم مكتبة الأوقاف، وكان بيني وبينه معرفة قديمة، وسألته عن القاضي مصطفى رميدي، فتعجب كيف عرفته، وما علاقتي به؟
فانطلق يخبرني بأنه الأستاذ القاضي مصطفى رميدي، من مواليد قلعة السراغنة، ولقب بالسرغيني نسبة إليها، درس بالمعهد العالي للقضاء في الرباط، وتولى القضاء في كل من سراغنة ثم الصويرة، وكان مشهورا في مجاله، توفي سنة 2008 إثر حادثة سير..هكذا قال.
وهو يتحدث عنه بشيء من الغموض، أثارني سؤاله المتكرر: هل تعرفه؟
نعم أعرفه، وأنا أعرف الناس به الآن، فهو ضيفي في الدنيا، وضيف الله في الآخرة…
رحم الله القاضي وغفر لي