سلسلة معراج الروح: القلب المسَلِّم والقلب المعترض ( الحلقة الثانية) قلوب على مرآة الوحي
الأستاذ رشيد كريم
سلسلة معراج الروح:
قلوب على مرآة الوحي ( الحلقة الثانية)
القلب المسَلِّم والقلب المعترض
الأستاذ رشيد كريم
بين يدي الموضوع
نواصل المكاشفة على قلوبنا من خلال عرض تصرفاتها، مع المواقف التي تعترضها في سيرها الى الله تعالى، على مرآة كتاب ربنا وسنة سيدنا وسندنا نبينا ﷺ
الله سبحانه وتعالى أمرنا بطاعته وطاعةِ نبيه صلى الله عليه وسلم في أكثرَ من موضعٍ في كتابه الكريم فقال جل وعلا ﴿وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّومِنِينَۖ﴾ سورة الأنفال -1-
وجعل طاعته وطاعةَ نبيه صلى الله عليه وسلم فرضا مؤكدا فقال ﴿ مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾
سورة النساء -80-
ونبه سبحانه إلى أن كمال الانقيادِ لا يكون إلا بالطاعة والتنفيذ والتسليم له عليه الصلاة والسلام فقال
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة النساء -65-
وعلق سبحانه تعالى الفوز العظيم لمن أطاعه وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم فقال ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ سورة الأحزاب -71-
وأكد أن حصول الرحمةِ متحققةٌ فيمن أطاعه وأطاعَ رسوله عليه الصلاة والسلام فقال ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة آل عمران -132-
وحث سبحانه على أهميةِ الاستجابةِ لله ورسوله فقال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ سورة الأنفال -24-
حديثنا في هذه المقالة عن القلوب المستسلمة أو المسلِّمة ونقيضها القلوب المعترضة
القلب المستسلم:
أخي القارئ أختي القارئة:
قال رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما الإسلامُ؟ قال: أنْ يُسلِمَ قلْبُك للهِ عزَّ وجلَّ، وأنْ يَسلَمَ المُسلِمونَ مِن لسانِك ويَدِك. قال: فأَيُّ الإسلامِ أَفضَلُ؟ قال: الإيمانُ. قال: وما الإيمانُ؟ قال: تؤْمِنَ باللهِ، وملائكتِه، وكتُبِه، ورُسُلِه، والبَعثِ بعْدَ المَوتِ. قال: فأَيُّ الإيمانِ أَفضَلُ؟ قال: الهِجرةُ. قال: فما الهِجرةُ؟ قال: تَهجُرُ السُّوءَ. قال: فأَيُّ الهِجرةِ أَفضَلُ؟ قال: الجِهادُ. قال: وما الجِهادُ؟ قال: أنْ تُقاتِلَ الكفَّارَ إذا لَقِيتَهم. قال: فأَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟ قال: مَن عُقِر جَوَادُه، وأُهْريقَ دَمُه. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ثمَّ عَمَلانِ هُما أَفضَلُ الأعمالِ إلَّا مَن عَمِل بمِثلِهما: حَجَّةٌ مَبْرورةٌ، أو عُمْرةٌ.
الراوي: عمرو بن عبسة – المحدث: شعيب الأرناؤوط – المصدر: تخريج المسند لشعيب – خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه من طرق ابن ماجه مختصراً، وأحمد واللفظ له
الشاهد عندنا في الحديث قول النبي ﷺ أنْ يُسلِمَ قلْبُك للهِ عزَّ وجلَّ
النبي ﷺ وجه السائل أن أفضل القلوب ذاك القلب المستسلم لأوامر الله تعالى.
وقد أعطى الصحابة النموذج، فلما كانت تتنزل عليهم الأحكام، ترى خضوعهم التام لها.
يُخبِرُ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان يَسْقي القومَ خمرا في بيْتِ أبي طَلْحَةَ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، فنزَلَ تَحريمُ الخمرِ في الآياتِ التي في سُورةِ المائدةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} سورة المائدة: 90، 92-.
فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُناديًا، فنادى ليُعْلِمَ المسلِمين في المدينة أنَّ الخمْرَ قدْ حُرِّمَتْ، وكان ذلك عامَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ مِنَ الهِجرةِ، فقال أبو طَلْحَةَ لأنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: اخرُجْ فانظُرْ ما هذا الصَّوتُ. فخرَجَ أنسٌ رَضِيَ اللهُ عنه وسمع الصَّوتَ، ثم عاد لأبي طلحةَ رَضِيَ اللهُ عنه، فأخبره أنَّ مُناديًا ينادي: أَلَا إنَّ الخمرَ قدْ حُرِّمَتْ.
فأسرع أبو طَلْحَةَ في تنفيذِ الأمرِ، وأمر أنَسًا رَضِيَ اللهُ عنهما أن يُكفِئَ الآنيةَ التي بها الخمرُ، فذكر أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ الخَمرَ سالت في سِكَك وطُرُق المدينةِ؛ من شِدَّةِ امتِثالِ النَّاسِ لأمرِ اللهِ سُبحانَه ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فذكر بعضُ أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ بَعْضَهم قُتِلَ أو مات والخَمرُ في بُطونِهم ولمْ يَمُرَّ وقْتٌ طَويلٌ على شُربِهم لها، فأنْزَلَ اللهُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} سورة المائدة: 93-، أي: لَيْسَ على الذين آمَنوا إِثْمٌ فيما طَعِموا وشَرِبوا مِن الخمرِ قبْلَ تَحريمِها؛ فقد كان شُرْبُهم لها قبْلَ النَّهيِ عنها؛ ولذلك فإنَّهم لا يُؤاخَذونَ به؛ لأنَّ التَّحريمَ إنَّما يَلزَمُ بالنَّهيِ، وما كان قبْلَ النَّهيِ فالعَبدُ غَيرُ مُخاطَبٍ به.
في الحَديثِ: فَضلُ أبي طلحةَ والصَّحابةِ رضِي اللهُ عنهم؛ إذ استجابوا لأمْر اللهِ بسُرعةٍ ودونَ سُؤالٍ، وهذا هو الذي يَنبغي للمُسلمِ الحقِّ.
فيه: بَيانُ رَحمةِ اللهِ بعِبادِه وأنَّه لا يُحاسِبُ على الفِعلِ قبْلَ إنزالِ الحُكمِ، وأنَّ مَن لم يَعلَمْ لا يُؤاخَذْ بجَهلِه فيما ليس مَعلومًا بالضَّرورةِ.
وفي رواية: قالَ أنس بن مالك: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ في مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فأمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقالَ أبو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ ما هذا الصَّوْتُ، قالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلتُ: هذا مُنَادٍ يُنَادِي: ألَا إنَّ الخَمْرَ قدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فأهْرِقْهَا، قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ، قالَ: وكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَومَئذٍ الفَضِيخَ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهْيَ في بُطُونِهِمْ، قالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93].
الراوي: أنس بن مالك – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري-خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه مسلم باختلاف يسير
وعند ابن جرير: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وفلان، فسمعت مناديًا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب وكسرننا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ سورة المائدة: 90.
فسبحان الله ما أشد عزائمهم وما أسرع استجابتهم، فشرِب الخمر شيء أدمنوا عليه وورثوه عن آبائهم، واعتادوا عليه في حَلهم وتَرحالهم، وسفرهم وحضرهم، ولا شك أنه من الصعب عليهم تركه، ولكن الإيمان أعظم من كل شيء، وأمر الله يجب أن يقدم على العادات وإن بلغت حد الإدمان.
وبعد هذا الخبر انظر إلى حال كثير من المسلمين اليوم حين يعلم تحريم شيء مما اعتاد عليه يظل يجادل ويعارض، وقد يسلم بتحريمه أو ضرره، ولكنه يؤجل الاستجابة ويسوف، ويقدم عاداته على أمر الله، وعلى سبيل المثال تجد كثيرًا من الذين اعتادوا على شرب الدخان -السجائر- يعلمون خطورتها ويقرون بتحريمها ولكنهم لم يعزموا على تركها.
إذا عرضنا قلوب الصحابة على مرآة الوحي وجدتها أمام اختبار الأوامر قلوبا خاضعة مسلِّمة مستسلمة.
الأوامر والتشريعات هي اختبارات من الله تعالى للعباد، والناس أمامها على قسمين:
قسم شعار قلبه مع أوامر الله تعالى (سمعنا وأطعنا)
قسم ثان شعار قلبه (سمعنا وعصينا)
الصحابة لما فهموا أن أعظم القلوب عند الله تعالى وأعظم منازل السائرين الى الله عز وجل منزلة الخضوع والاستسلام لأوامر الله تعالى، اتخذوها معراجا تعرج به أرواحهم الى مولاها
جاء في موقف من السيرة أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اتَّخَذَ خاتَمًا مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، وجَعَلَ فَصَّهُ ممَّا يَلِي كَفَّهُ (فَصُّ الخاتَمِ: ما يُركَّبُ في مُنتصَفِ الخاتَمِ، وعادةً يكونُ مِن نَفْسِ المَعدِنِ الذي صُنِعَ منه الخاتَمُ، أو يكونُ مِن أحْجارٍ)، ونَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسولُ اللَّهِ، فاتَّخَذَ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَدِ اتَّخَذُوها رَمَى به وقالَ: لا ألْبَسُهُ أبَدًا. ثُمَّ اتَّخَذَ خاتَمًا مِن فِضَّةٍ، فاتَّخَذَ النَّاسُ خَواتِيمَ الفِضَّةِ. قالَ ابنُ عُمَرَ: فَلَبِسَ الخاتَمَ بَعْدَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، حتَّى وقَعَ مِن عُثْمانَ في بئْرِ أرِيسَ.
الراوي: عبد الله بن عمر – المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري-خلاصة حكم المحدث صحيح-
التخريج: أخرجه مسلم باختلاف يسير
في مشهد رائع، أحد الصحابة رضي الله عنه يلبس خاتما من ذهب لا يدري أنه قد نزل حكم بتحريم لبس الذهب للرجال، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم نزعه من يديه وطرحه، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده، فقيل للرجل بعد ما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه النبي صلى الله عليه وسلم.
لَمَّا كانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: إنَّ اللَّهَ وَرَسوله يَنْهَيَانِكُمْ عن لُحُومِ الحُمُرِ، فإنَّهَا رِجْسٌ، أَوْ نَجِسٌ. قالَ: فَأُكْفِئَتِ القُدُورُ بما فِيهَا. – وفي رواية – وإنَّهَا لَتَفُورُ بما فِيهَا.
الراوي: أنس بن مالك – المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – خلاصة حكم المحدث: صحيح-التخريج: أخرجه البخاري بنحوه، ومسلم
يَرْوي أنسُ بنُ مالكٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّهم في غَزوةِ خَيْبرَ قدْ أَصابوا وأخَذوا يَومئِذٍ حُمُرًا أهْلِيَّةً (وهيَ الَّتي يُحمَلُ عليها وتُركَبُ بخِلافِ الوَحشِيَّةِ ) ، وكانت مِن جُملةِ ما غَنِموه مِن فتْحِ خَيْبرَ، فأخَذَها الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم ذَبَحوا مِنها وطَبَخوا؛ لِيأكُلوا مِن لَحمِها، وفي هَذا إشارةٌ أنَّهم لم يَسْتأذِنوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في ذَبْحِها؛ لأنَّهم قدْ أصابَتْهم مَجاعةٌ واحتاجُوا إلى الطَّعامِ، وكانوا قدْ سَبَقوا إليها قبْلَ أنْ يَأتِيَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، «فنادَى مُنادِي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، ووقَعَ عندَ مُسلمٍ أنَّ الَّذي نادَى بذلك هو أبو طَلْحةَ، ووقَعَ عندَ مُسلمٍ أيضًا أنَّ بِلالًا نادى بذلك، ووَقَع عندَ النَّسائيِّ أنَّ المناديَ بذلك عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، ولعلَّهم جميعًا نادَوا بذلك إمَّا تِباعًا أو معًا؛ لكيْ يُسمِعوا جميعَ الجيشِ، «ألَا إنَّ اللهَ ورَسولَه يَنْهيانِكُم عنها» ، ثمَّ بَيَّن لهم سَببَ النَّهيِ بقولِه: «فإنَّها رِجْسٌ» أي: نَجِسةٌ«فأُكفِئَت القُدورُ» وهي الأواني الَّتي طُبِخ فيها لحمُ الحُمرِ، فقُلِبَتْ وأُكِبَّتْ على أفواهِها «بما فِيها» مِن لَحمٍ، «وإنَّها لَتفورُ»، أي: تَغلي بما فِيها مِن ماءٍ ولَحمٍ.
وفي الحديثِ: إسراعُ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم إلى تَلبيةِ أوامرِ اللهِ تَعالَى ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دونَ انتظارٍ أو تَلكُّؤٍ، وهو ما يَنبغِي للمؤمِنِ الحقِّ.
من أشد الاختبارات أن الزواج بالمشركات كان مباحا، حتى جاء التحريم في قول الله تعالى في سورة الممتحنة (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، بمجرد سماعها من سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه خير زوجتين له بين الإسلام أو التطليق وكذلك سيدنا عبد الرحمن بن عوف كانت تحته زوج اسمها آروى وكانت أحب نسائه، طلقها امتثالا لأمر الله تعالى والأمثلة كثيرة …
أخي الكريم أختي الكريمة
المؤمن يسلِّم لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل شأنه وأموره وأحواله، ويعلم أن الخير كله فيما شرعه الله وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الشر كله في مخالفة حكم الله وما جاء به رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلا يعارض شيئًا مِن وحي الله بعقله وهواه، فهذا العقل له عبودية عظيمة وهي الإذعان والاستسلام والاعتراف بأن الله -تعالى- يحكم ما يريد ويشرِّع ما يشاء، وما على العبد إلا الانقياد والتسليم المطلق لرب العالمين
فالتسليم والاستسلام للواحد الديان هو روح الإسلام؛ فلا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا بالإذعان والاستسلام للوحي المنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا وسنة؛ فلم يكن الاقتناع العقلي شرطـًا عندهم للانقياد والإذعان، بل كان الواحد منهم يمتثل الشرع سواء اقتنع أم لا؟ فهم العلة أم لا؟
القلب المعترض:
لما نجى الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام ومن معه من فرعون وجنوده ورأوا بأم أعينهم هلاك فرعون وجنوده في آية معجزة عظيمة: انشقاق البحر، أمر الله تعالى موسى وقومه بدخول الأرض المقدسة
﴿يَٰقَوْمِ اِ۟دْخُلُواْ اُ۬لَارْضَ اَ۬لْمُقَدَّسَةَ اَ۬لتِے كَتَبَ اَ۬للَّهُ لَكُمْۖ وَلَا تَرْتَدُّواْ عَلَيٰٓ أَدْبٰ۪رِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَۖ (23)﴾
فما كان منهم إلا أن قالوا:﴿ قَالُواْ يَٰمُوس۪يٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْماٗ جَبّ۪ارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّيٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَاۖ فَإِنْ يَّخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَۖ (24) ۞قَالَ رَجُلَٰنِ مِنَ اَ۬لذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَ۬للَّهُ عَلَيْهِمَا اَ۟دْخُلُواْ عَلَيْهِمُ اُ۬لْبَابَۖ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَۖ وَعَلَي اَ۬للَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّومِنِينَۖ (25) قَالُواْ يَٰمُوس۪يٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَداٗ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبَ اَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَۖ (26) ﴾
لو أخذنا قلوب قوم موسى وعرضناها على مرآة الوحي، لوجدنا أنها قلوب دائمة الاعتراض على أوامر الله عز وجل، أمام هذا الاعتراض ضرب الله تعالى عليهم عقوبة التيه، قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّے لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِے وَأَخِےۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لْفَٰسِقِينَۖ (27) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمُۥٓۖ أَرْبَعِينَ سَنَةٗ يَتِيهُونَ فِے اِ۬لَارْضِۖ فَلَا تَاسَ عَلَي اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لْفَٰسِقِينَۖ﴾ – سورة المائدة 23-27
بون شاسع بين قلوب الصحابة التي كانت خاضعة مستسلمة بل تتسابق لتنفيذ أوامر الله تعالى، فكانت المكافئة ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ -سورة المائدة 119-
وبين قلوب معترضة عن الأوامر رافضة متلكئة معاندة إذا عرضنا قلوب بني إسرائيل على مرآة الوحي تجدها معرضة بامتياز.
الفرق بيّن بين قلوب ترفع راية (سمعنا وأطعنا) وقلوب ترفع راية (سمعنا وعصينا)
الله أمرهم بدخول الأرض المقدسة فكان الامتناع و تبديل القول فكانت النتيجة، قال الله تعالى ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ﴾ سورة البقرة-59-
قال أهل التفسير رجزاً من السماء قيل: أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً
أمرهم الله بالتعبد له يوم السبت ، إلا أن قلوبهم كانت معتادة على مسألة الاعتراض ، فكانت النتيجة المسخ ، قال ربنا ﴿وَإِذَ اَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُ۬لطُّورَۖ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَۖ (62) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اُ۬للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ اَ۬لْخَٰسِرِينَۖ (63) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ اُ۬لذِينَ اَ۪عْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِے اِ۬لسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٕينَۖ (64) فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلاٗ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةٗ لِّلْمُتَّقِينَۖ﴾
قتل فيهم قتيل فذهبوا الى موسى عليه السلام ليطلعهم على القاتل، فأمرهم بأمر الله ﴿۞وَإِذْ قَالَ مُوس۪يٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ اَ۬للَّهَ يَامُرُكُمُۥٓ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٗۖ﴾ ، ماذا كان رد فعلهم ؟ الاعتراض و التلكؤ ﴿قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤاٗۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنَ اَكُونَ مِنَ اَ۬لْجَٰهِلِينَۖ (66) قَالُواْ اُ۟دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۖ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكْرٌ عَوَانُۢ بَيْنَ ذَٰلِكَۖ فَافْعَلُواْ مَا تُومَرُونَۖ (67) قَالُواْ اُ۟دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَاۖ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفْرَآءُ فَاقِعٞ لَّوْنُهَاۖ تَسُرُّ اُ۬لنَّٰظِرِينَۖ (68) قَالُواْ اُ۟دْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ اَ۬لْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اَ۬للَّهُ لَمُهْتَدُونَۖ (69) قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ اُ۬لَارْضَ وَلَا تَسْقِے اِ۬لْحَرْثَۖ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۖ قَالُواْ اُ۬لَٰنَ جِئْتَ بِالْحَقِّۖ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَۖ (70) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساٗ فَادَّٰرَٰٔتُمْ فِيهَاۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٞ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَۖ (71) فَقُلْنَا اَ۪ضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاۖ كَذَٰلِكَ يُحْيِ اِ۬للَّهُ اُ۬لْمَوْت۪يٰ وَيُرِيكُمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَۖ (72)﴾ ، فكانت النتيجة ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوَ اَشَدُّ قَسْوَةٗۖ وَإِنَّ مِنَ اَ۬لْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اُ۬لَانْهَٰرُۖ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اُ۬لْمَآءُۖ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اِ۬للَّهِۖ وَمَا اَ۬للَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَۖ (73) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُّومِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٞ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ اَ۬للَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَۖ ﴾
أخذ عليهم الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ سورة البقرة -83-
ويوم أخذ الميثاق أراهم الله تعالى آية عظيمة ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ سورة الأعراف -171-
وروي أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة فقال عن الله تعالى: هذا كتاب الله، أتقبلونه بما فيه؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم وما أمركم وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفيفة قبلناها، قال: اقبلوها بما فيها، قالوا: لا، فراجعهم موسى فراجعوا ثلاثا فأوحى الله عز وجل إلى الجبل فانقلع وارتفع فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى صلى الله عليه وسلم: ألا ترون ما يقول ربي؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل، قال الحسن البصري: فلما رأوا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا أن يسقط عليه، فلذلك ليس في الأرض يهودي يسجد إلا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها عنا العقوبة.
فكانت النتيجة ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ سورة البقرة -83-
بعد فترة تاب الله عليهم فأخذوا من الأوامر ما يوافق هواهم وطرحوا الباقي، قال الله تعالى
﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ سورة البقرة-85-
هذه بعض المواقف التي تبين كيف أن قلوب بني إسرائيل كانت قلوبا معترضة على الأوامر، ومع كل اعتراض تنزل العقوبة، لكن دون جدوى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سورة آل عمران -112-
نسأل الله تعالى أن يرزقنا قلوبا مسلمة غير معترضة.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى …يتبع …
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.