المعالم التربوية المستنبطة من أساليب القرآن الكريم
المعالم التربوية المستنبطة من أساليب القرآن الكريم/ الأستاذة ثورية البوكيلي
المعالم التربوية المستنبطة من أساليب القرآن الكريم
الأستاذة ثورية البوكيلي
القرآن الكريم هو المصدر الأساسي الأول للتشريع الإسلامي، لتضمنه الأسس الروحية والفكرية والاجتماعية والسياسية والخلقية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي. وهو كتاب دين وهداية، يخاطب الله فيه الناس ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم في حياتهم الفردية والاجتماعية، ويرشدهم إلى الطريق الأمثل لبناء ذواتهم. ولما كان الناس مختلفين في أفهامهم باختلاف بيئاتهم واستعداداتهم، كان من الحكمة أن تتنوع أساليب القرآن الكريم، وذلك من أجل أن تناسب أحوالهم، ومن أجل أن يحقق مقاصده المتنوعة، وأهمها توحيد الله تعالى والإخلاص في عبادته. فقد سلك القرآن الكريم منهجا تربويا فعالا تتسم فيه العناصر التربوية بالتناغم والتنوع، كما وظف أحسنها وأجودها في سبيل بناء الإنسان المسلم الصالح المصلح، وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى هذا المعنى بقوله: “جاء القرآن الكريم بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حَائل، ولا يغادر مسلكاً إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا سلكهُ إليها تحريضاً أو تحذيراً، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه”[1].
خصائص أساليب القرآن الكريم
معنى «أسلوب القرآن» هو طريقته التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه. وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن يكون للقرآن العظيم أسلوب خاص به، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؛ ذلك أنه كلام رب العالمين تبارك وتعالى. قال ابن القيم: “قد أودع الله –سبحانه – ألفاظ هذا الكتاب العزيز من ضروب الفصاحة، وأجناس البلاغة، وأنواع الجزالة، وفنون البيان، وغوامض اللسان، وحسن الترتيب والتركيب، وعجيب السرد، وغريب الأسلوب، وعذوبة المساغ، وحسن البلاغ، وبهجة الرونق، وطلاوة المنطق، ما أذهل عقول العقلاء“[2]. ولقد أفاض العلماء والباحثون قديما وحديثا في تبيان خصائص أساليب القرآن الكريم، نذكر منها ما يلي:
التنوع والتعددية
مَرَّ المجتمع الأول بعد نزول القرآن، بأحوال مختلفة تحتاج كل منها إلى أسلوب خاص للتعاطي معها. فحين كان الكفر هو الشائع، مالت الآيات إلى قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، لتستقر في قلوب وأذهان الإنسان التائه في معضلات الكفر، إذ تقوده هذه الآيات إلى التفكير في مصيره، وترفعه إلى طلب الخلاص، فيبصر بهذا المنهج الصراط المستقيم، وهذا هو الغالب في آيات السور المكية. وحين ساد الإيمان وأقبلت القلوب على القرآن، طالت المقاطع والآيات بطريقة متأنية، لتواكب مسيرة المجتمع الإسلامي، ولترسم له معالم الطريق عبر تشريع أحكام ضرورية لاستقامة أمره، وهذا هو الغالب في آيات السور المدنية.
فتنوع أسلوب القرآن حجة واضحة على أنه يشتمل على أساليب صالحة لمخاطبة البشرية على كل حال وفي كل زمان، يتجدد ويتطور بتطور الإنسان، كما قال بديع الزمان النورسي في عبارة بديعة “كلما شاب الزمان شب القرآن”.
- التكامل والتراتبية
تتجلى معالم التكامل والتراتبية في المنهج القرآني في أربعة مراتب وهي:
- العقلانيةالتي ترتبط بإدراك الظواهر وقد وردت آيات كثيرة بهذا المعنى، مستعملة في أغلبها الصيغة الفعلية مما يدل على أنها نشاط وفاعلية وإنتاجية كما في قوله تعالى: “أَفَلَا تَعْقِلُونَ“[3].
- التفكر وهو تأمل شامل وعميق في خلق الله وآياته لإدراك المعاني والعلل، ويساعد على تفسير الظواهر بالكشف عن أسبابها وعللها ومعانيها. كما في قوله تعالى: “كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ“[4]،
- التدبر وهو يعني إدراك أسرار وحكم القرآن، ويساعد على معرفةِ مقاصدِ الآياتِ وأهدافها، وما ترمي إليه من المعاني والحِكَمِ والأحكام، كما في قوله تعالى: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا “[5] .
- التطبيق الذي يقوم على تمثل أحكام القرآن بالعمل والتمرس، عبر القيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والاحتكام إليه، والقرآن ما نزل إلا ليعمل به، ويتجسد في واقع الحياة ليوجهها الوجهة التي يريدها الله تعالى، وهذا ما ورد في قوله سبحانه: “اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أولياء“[6].
فالمرتبة الأولى هي مرتبة الاستكشاف، والمرتبة الثانية مرتبة التأمل المعمق في الآيات الكونية للوصول إلى أسرارها وتفسيرها، والثالثة مرتبة التأمل المعمق في الآيات القولية للوصول إلى أسرارها وتأويلها. ثم يتوج ذلك كله بالتطبيق العلمي الذي ينقل المعرفة إلى تجربة حية فاعلة.
- التناسب والمرونة
إن أسلوب القرآن يناسب تطور البشرية على مر العصور، وتطور عقولها، فلقد جاء موافقا للمقومات البشرية المشتركة العامة، التي تنمو وتتشكل باستمرار. فالله تعالى وضع الخطوط المبادئ العامة والقواعد الشاملة التي تلزم الإنسان بمراعاة حدودها، وترك سبحانه التطبيق لتطور الزمان، وبروز الحاجات. والإسلام بهذه المرونة كفل لأحكامه التطبيقية البقاء والنمو والتجدد والصلاحية، والقدرة على الإصلاح مدى الدهر. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسيره: “إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي؛ إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان، منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن”[7] .
وبناء على هذا، يمكننا أن نقرر بيقين، أن المنهج القرآني هو منهج أبدي غير محدود بزمان ولا مكان وإنما هو منهج لكل البشر في كل الأرض. ولقد وصل المجتمع المسلم في صدره الأول، بهذا المنهج قمة الكمال التي لا يمكن أن يصل إليها بشر، ثم انحدر عن هذه القمة لما أعرض عن كتاب الله وهديه.
المعالم التربوية المستنبطة من أساليب القرآن الكريم
أهم المعالم التربوية التي يمكن استنباطها من أساليب القرآن الكريم تتجلى فيما يلي:
- التدرج، شاءت قدرة الله أن الناس لا يستجيبون لندائه إلا مع الوقت والصبر وطول النفس. ولذلك كانت التدرج في البناء، وعامل الوقت أساسي في التربية. تدرجت القرآن بالناس من جاهلية سائبة لإسلام متمكن، وكذلك يجب أن تتدرج التربية بالمسلمين من إيمان بال إلى إيمان متجدد، ومن كم قاعد إلى فرد فاعل.
- التيسير، معلوم أن من الفطرة النفور من المشقة غير المألوفة وما فيها من مشقة، فكان الله عز وجل مراعيا لرفع الحرج عن المكلفين بما يوافق فطرتهم، ويتجلى ذلك في مظهرين أساسيين: أحدهما؛ أن أحكام الشريعة بنيت في جملتها على التيسير مصداقا لقول الله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج“[8]. والثاني؛ أن هذه الشريعة تنتهج نهج تغيير الأحكام من الصعوبة والمشقة إلى السهولة والتيسير فيما يعرض للفرد أو الجماعة من عسر وضيق من باب الرخصة.
- الحوار، في عصر يعيش على إيقاع الأزمات والصراعات السياسية والاجتماعية، وأمام التطور الحاصل في وسائل الإعلام والتواصل، وتمازج الحضارات والثقافات، أصبح من الضرورة تحكيم الحوار، كسلوك حضاري مبني على منظومة من القيم الإنسانية، كقيم العدل والحرية والمساواة، والقبول بالتعددية والاختلاف، واعتبار التعايش بين الأمم والشعوب في إطار التعاون فيما بينها للخروج من الأزمات حتمية من حتميات تاريخنا المعاصر.
- الشورى، الإنسان بطبعه محدود الفكر وغير قادر على رؤية كل جوانب الموضوع، لذلك فإنه قد يرى بعض الجوانب ويغفل عن الجوانب الأخرى، لذا طلب المشورة من الآخرين يؤدي إلى بناء نظرية متكاملة قادرة على تغذية الحاضر بالكثير من التصورات والبرامج، وعلى صناعة المستقبل، لذلك تمثل الشورى الأسلوب الأمثل في تحقيق التوازن الفكري والاجتماعي والسياسي.
وفي الختام، أقول إن الواقع القائم اليوم في معظم دول العالم الإسلامي هو حصاد الأزمات المختلفة التي تعرضت لها هذه الدول؛ فهو يعبر عن ركام من المآزق التي ورث بعضها عن عصور الانحطاط، وبعضها الآخر عن الأنظمة الجديدة. ربما تباينت الدراسات في تحليل وتقويم أحداث وإشكالات هذا الواقع، ولكنها لم تختلف في شأن حقيقة واضحة، وهي الحكم على هذا الواقع بأنه يعاني أزمات مفتوحة، وتأتي في قمتها الأزمة التربوية والتي تعود إلى أمرين: الابتعاد عن روح المنهج القرآني وخصوصا في مستويات التفكر والتدبر والتطبيق، وعدم الارتباط بروح العصر، حيث لم يتم نقل المعرفة الإسلامية إلى مستوى ما وصلت إليه العلوم الموازية لها وهي العلوم الإنسانية.
ولا تكون النجاة من هذا الضعف إلا بصدق العودة إلى كتاب الله تعالى، وهذا ما أشار إليه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في قوله: “فتوبتُنا إلى الرحمن، وتسميتنا لدولة القرآن، لا يصحان لنا إلا بهدي القرآن، علوم القرآن. منه ننطلق، وإليه ننتهي. به تُطَبُّ القلوبُ، وبه تهذَّبُ الأخلاقُ، وفي مدرستِه تُطْبَعُ كلُّ العلوم لتأخُذَ صبغةَ الله، وتجَنَّدَ لخدمة دين الله“[9].
[1] ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، ص: 40
[2] ابن القيم، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن، ص :5
[3] سورة الصافات، الآية 138
[4] سورة البقرة، الآية 127
[5] سورة محمد، الآية 25
[6] سورة الأعراف، الآية 3
[7] سيد قطب، في ظلال القران، ص1059
[8] سورة الحج، الآية: 76.
[9] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص: 141