ذكر مساوئ الميت ذي الأهل من المسلمين بين المنع والإباحة | سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
ذكر مساوئ الميت ذي الأهل من المسلمين بين المنع والإباحة | سلسلة خطبة الجمعة
بن سالم باهشام
خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا
عباد الله، يقول تعالى في سورة آل عمران: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185] ، فكل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت، وبهذا يرجع جميع الخلق إلى ربهم ليحاسبهم، وإنما تُوفَّون أجوركم على أعمالكم وافية غير منقوصة يوم القيامة، فمن أكرمه ربه ونجَّاه من النار وأدخله الجنة، فقد نال غاية ما يطلب. وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها.
عباد الله، من حكمة الله البالغة، أن الله تعالى لم يجعل أجل الشخص مقترنا بمواصفات معينة، وإنما بانتهاء الأجل؛ حتى لا يتواكل أحد، فقد يموت الصحيح، ويبقى المريض، وقد يموت الصغير ويبقى الشيخ الهرم، فمن استوفى أجله توفاه الله تعالى، قال سبحانه في سورة آل عمران: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 145].
عباد الله، إن مجالسنا لا تخلو من الحديث بخير أو شر عن الأموات الذين سبقونا، إلا أنه يجيء الاستنكار من البعض قائلا: “اذكروا موتاكم بخير”، فما مصداقية هذا الكلام، وما مدى مشروعيته؟ وهل يصدق على كل ميت، أو هناك استثناء؟ للإجابة على هذه التساؤلات، يتطلب الأمر استقراء السنة النبوية في هذا الشأن، ومحاولة فهمها مجتمعة، وإذا كان تعارض بين الأحاديث في هذا الشأن نسعى للجمع بينها.
عباد الله، من الأحاديث المبيحة لذكر عن مساوئ الميت أو المحذرة ما يأتي:
1 – روى النسائي واللفظ له، والطيالسي، وابن أبي الدنيا في (الصمت) بنحوه. بإسناد جيد، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنه (ذُكرَ عندَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هالِكٌ بسوءٍ فقالَ: لاَ تذْكروا هلْكاكم إلاَّ بخيرٍ). وفي رواية: (لا تذكروا موتاكم إلاَّ بخيرٍ). [رواه النسائي (1935) واللفظ له، والطيالسي (1597)، وابن أبي الدنيا في (الصمت) (709) بنحوه. بإسناد جيد].
2 – روى الإمامُ أحمدُ في المسند، والترمذي في السنن، بإسناد حسن أو صحيح، والطبراني في المعجم، والقضاعي، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: قال النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ). [أخرجه أحمد (4/252، رقم 18234)، والترمذي (4/353، رقم 1982) بإسناد حسن أو صحيح، والطبراني(20/420، رقم 1013)، والقضاعي (2/81، رقم 925)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناد صحيح على شرط الشيخين، وزياد بن علاقة، سمعه في هذه الرواية عن رجل عند المغيرة، وسمعه في روايتين من المغيرة نفسه، ولعل هذا الرجل المبهم هو زيد بن أرقم ].
3- روى أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي، عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ؛ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ) [أخرجه أبو داود (4/275، رقم 4900)، والترمذي (3/339، رقم 1019)، وقال: غريب، والحاكم (1/542، رقم 1421)، وقال : صحيح الإسناد، والبيهقي (4/75، رقم 6981)، والطبراني في معجمه الكبير ج12/ص438 ح13599، وابن حبان (7/290، رقم 3020)، والحديث غير صحيح؛ لأن في سنده عمران بن أنس المكي ، قال فيه البخاري: منكر الحديث].
4 – روى البخاري في صحيحه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : ( لاَ تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)[رواه البخاري ( 1193 )].
5 – روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن عَبْد الْعَزِيزِ بْن صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: (مَرُّوا بِجَنَازَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- :« وَجَبَتْ ». ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: « وَجَبَتْ ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ). [أخرجه البخاري 2/121 ( 1367 )، ومسلم 3/53 ( 949 ) ( 60 )].
عباد الله، في هذه الأحاديث ما يحذر من ذكر موتانا بسوء، ومنها ما يبيح، فكيف نجمع بينها دون تعطيل بعضها؟
عباد الله، اعلموا أن مَن ماتَ مِن النَّاسِ؛ سواء كان مؤمنا أو كافرا، فقدْ أفْضَى إلى رَبِّه سبحانه وتعالى، وهو وحده الذي سيُحاسِبُه على أعمالِه دون سواه، وقد دلَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّتَه على حُسنِ المعاملةِ معَ الأحياءِ والأمواتِ كذلك، وفي الحَديثِ النبوي الشريف؛ تَحكِي أمُّ المُؤمنِينَ عائشةُ رضي اللهُ عنها أنَّه: (ذُكِر عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم هالِكٌ)، أي: شَخصٌ ميتٌ، ذُكر (بسُوءٍ)، أي: ذَكَره النَّاسُ بالشَّرِّ، فقال صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وهو يصحح كيفية التعامل مع الأموات: (لا تَذكُروا هَلْكاكم إلَّا بخيرٍ)، أي: لا تَذكُروا أمواتَكم إلَّا بالخَيرِ؛ وذلك لأنَّهم (قَدْ أفْضَوا إلى ما قَدَّمُوا)، كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم- كما عِندَ النَّسائيِّ وابنِ حِبَّانَ وغيرِهما عن عائِشةَ رضِيَ اللهُ عنها؛ فإنَّ ما قدَّموه مِن أعمالٍ سيُحاسبُهم الله عليها، وروى الإمامُ أحمدُ في المسند، عن المغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تَسبُّوا الأمواتَ فتُؤذوا الأحياءَ)، وبيّن العلة في الكف عن ذكر مساوئ الميت، وذلك بما يَحدُث مِن حُزنِ أقاربِهم؛ فالنهيُ عن سَبِّ الأمواتِ فيه مُراعاةٌ لمصلحةِ الأحياءِ، والحِفاظِ على سَلامةِ المجتمعِ من التشاحُنِ والتباغُضِ. وقد ورَد في صحيح البخاري ومسلم، عن أنسِ بنِ مالكٍ رضِيَ اللهُ عنه، قال: (مَرُّوا بجِنازةٍ، فأَثْنَوا عليها خيرًا، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: وجبَتْ، ثم مَرُّوا بأُخرى فأَثْنَوا عليها شرًّا، فقال: وجبَتْ، فقال عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه: ما وجبَتْ؟ قال: هذا أثنيتُم عليه خيرًا، فوجبتْ له الجنَّةُ، وهذا أثنيتُم عليه شرًّا، فوجبتْ له النارُ؛ أنتُم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ)؛ ففي هذا الحديث لم يَنهَهُم النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عن ذِكْرِ الميِّتِ بالشَّرِّ، والحكمة في ذلك، وَكَأَنَّ الَّذِى أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا، كَانَ مُعْلِنًا بِشَرِّهِ، فَأَرَادَ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم- زَجْرَ أَمْثَالِهِ عَنْ شُرُورِهِمْ؛ فَقَالَ مَا قَالَ. وممَّا قِيل في الجَمْعِ بَينَ هذا الحديث الذي أجاز فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الحديث عن الميت بشر من خلال ما عرفوه عنه، وبَينَ الأحَاديثِ التي نهانا فيها عن الحديث عن الميت بسوء: أنَّ النَّهيَ عن سَبِّ الأمواتِ؛ هو في غَيرِ المنافقِ وسائرِ الكفَّارِ، وفي غَيرِ المتظاهرِ بفِسقٍ أو فجور، أمَّا المنافِقُ والكافِرُ والفاسق الفاجر، فلا يَحرُمُ ذِكرُهم بالشَّرِّ؛ للتَّحذيرِ مِن طَريقتِهم، ومن الاقتِداءِ بآثارِهم، والتَّخلُّقِ بأخلاقِهم، بدليل الحديث الَّذي أثنَوْا على الميِّتِ فيه شرًّا؛ لأنَّه كان مَشهورًا بنِفاقٍ، أو نحوِه؛ إذَن؛ فالدَّاعي لذِكرِ الأمواتِ بالشَّرِّ؛ هو حاجةٌ شَرعيَّةٌ إلى جَرْحِه، ومقصد شرعي لتحقيقه؛ وفيه حكمة ترجع بالخير على أفراد الأمة، وليس الحديث الذي ليس من ورائه منفعة، بل قد يسيء إلى الأحياء من أقارب الميت، أما الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن عمران بن أنس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم)، فهو حديث غير صحيح؛ لأن في سنده عمران بن أنس المكي ، قال فيه البخاري: منكر الحديث.
عباد الله، كل من توفي على الإسلام، إنما يشرع في حقه الترحم عليه والاستغفار له، وعدم ذكر مساوئه، فإنه أفضى إلى ما قَدّم، ولا ندري لعل الله تجاوز عن سيئاته ونحن لا ندري، ولا نحيط علما، مثل البغي التي اشتهرت في وسط قومها بالبغاء، ولم يعرف عنها قومها إلا الفساد، ولم يروا إحسانها للكلب، إلا أن الله تعالى كشف سرها الذي بينها وبينه، والذي بسببه ثقل ميزانها وأدخلها الله الجنة، فقد روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ)[ أخرجه البخاري (3467)، ومسلم (2245)]، وفي رواية للبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ).[أخرجه البخاري (3321)، ومسلم (2245)]. فالرَّاحمونَ يَرحَمُهم الرَّحمنُ، حتَّى لو كانتْ رحمتُهم للحَيوانِ، فضْلًا عَن الإنسانِ، ولا يُوجَدُ ذَنْبٌ يَستعظِمُ على اللهِ سُبحانَه؛ فهو الغَفورُ الرَّحيمُ لمَن تاب وأنابَ. وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تعالَى غَفَرَ لمُومِسةٍ – وهي المرأةُ الزَّانيةُ المجاهِرةُ بالفُجورِ-؛ لأنَّها مَرَّت بكلْبٍ يَلهَثُ على رَأسِ رِكيٍّ ، أي: بِئرٍ، فيُخرِجُ لِسانَه مِنَ العَطشِ يَكادُ يَموتُ منه، فنَزَعتْ هذه المرأةُ خُفَّها – والخُفُّ: ما يُلبَسُ في الرِّجلَينِ مِن جِلدٍ رَقيقٍ، ورَبطَتْه بِغطاءِ رَأسِها، فأنْزَلَتْه في البِئرِ حتَّى وَصَلَ إلى الماءِ وامتلَأَ، ثُمَّ جَلَبَتْ به الماءَ مِنَ البِئرِ، وسَقَتِ الكَلْبَ، فغَفَرَ اللهُ لها بهذا الفِعلِ؛ لأَجْلِ رَحمتِها بالكَلبِ. وفي هذا الحديثِ: أنَّ الرِّفقَ والرَّحمةَ لا تَختصُّ بالإنسانِ، بلْ تَتَعدَّاه إلى كُلِّ ما فيه رُوحٌ، وتلك مِن أَعظَمِ تَعاليمِ الإسلامِ الحَنيفِ. فديننا هو دين الرحمة، والرحمة في ديننا ليست بالإنسان فحسب، بل حتى بالحيوان: بالكلاب، بالقطط، بالعصافير…؛ ويدخل ضمن الرحمة التي أمر الشرع بها، رحمة الأحياء بعدم ذكر مساوئ موتاهم إن كان ذلك يؤذيهم، وأذاهم منهي عنه شرعا.
عباد الله، من الموتى الذي يتم الحديث عنهم في الكتب أو في المجالس، موتى زمن الفترة، فهل يجوز الحديث عن مساوئهم ومصيرهم، أم ينبغي الكف عن ذلك؟
روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رجلا ذكر أبا العباس، فنال منه، فلطمه العباس، فاجتمعوا فقالوا: والله لنلطمن العباس كما لطمه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطب فقال: من أكرم الناس على الله؟ قالوا: أنت يا رسول الله، قال: فإن العباس مني، وأنا منه، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا به الأحياء) [رواه الحاكم في مستدركه ج3/ص371 ح5421، وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي]. والعباسُ هو من الأعمامِ المقربين للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان أصغرَهم. وهما متقاربان في العُمُر، فقد وُلد العباسُ قبلَ مولدِ الرسول بعاميْن أو ثلاثة، ولم يُعلن العباسُ رضي الله عنه إسلامَه، إلا عام الفتح، لكنَّ صلتَه القويةَ بالرسول صلى الله عليه وسلم، وبعضَ رواياتِ المقربين منه، تُؤكد أن إسلامَه كان مبكرا، وأنه لم يهاجر إلى المدينة، وبقي في مكة بطلبٍ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وأبوه هو عبدِ المطلب، جد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي مات زمن الفترة.
عباد الله، إذا استوعبنا هذه الأحاديث السابقة، وراعينا المصلحة الدينية التي دعت إليها الشريعة الغراء، فعلينا أن نكف ألستنا عن ذكر مساوئ الأموات الذين لم يجاهروا بالفسق والفجور، ولم يسيئوا للمسلمين والإسلام بأفعالهم، وسيؤذى الأحياء بذكر مساوئ أولئك الأموات، وعلى رأس هؤلاء الأموات؛ الذين يجب أن نكف ألسنتا عن ذكرهم بسوء، والدا الرسول صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب، فلا ننسى أنهما كانا من أهل الفترة، ولم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم الحجة، والله تعالى يقول في محكم التنزيل في سورة فاطر: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24]، وقال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) [الإسراء: 15]، إضافة إلى أن الله تعالى لم يتعبدنا بالخوض في هذا الموضوع، والمقصود بأهل الفترة: هم كل من لم يُبعث إليهم رسول، والأصل في ذكر الفترة ما جاء في قوله تعالى من سورة المائدة: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة:19]، والمراد بالفترة المدة الزمنية التي بين عيسى ـ عليه السلام ـ ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بينهما نبي، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَنَا أَوْلَى بعيسى ابْنِ مَرْيَمَ في الدنيا والآخرة، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيّ، والأَنْبِيَاءُ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد).[ أخرجه أحمد (2/463، رقم 9975)، والبخاري (3/1270، رقم 3258)، ومسلم (4/1837، رقم 2365)، وأبو داود (4/218، رقم 4675)]، وأقرب الأقوال في مدة الفترة، ما في صحيح البخاري، عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: (فَتْرَةٌ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ سِتُّ مِائَةِ سَنَةٍ).[ رواه البخاري، ح 3948]، ويُطلق بعض العلماء اسم أهل الفترة على كل من لم تبلغه الدعوة، أو بلغته على حال لا تقوم عليه الحجة بها، كالمجنون ونحوه. والراجح في أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم تبلغه الدعوة، أنهم يمتحنون يوم القيامة. فلنكف ألستنا بالسوء عن موتانا عموما ممن ليست هناك أية مصلحة في ذكر مساوئهم، ولنؤول ما جاء من نصوص شرعية في والدي الرسول صلى الله عليه وسلم تقديرا لمقام نبينا عند الله تعالى، وفي قلوبنا، فأول شعبة من شعب الإيمان السبع والسبعين: حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.