الإعلام بين الأخلاقية والإديولوجية
نظرات في رسالة الإعلام في الإسلام
بقلم: أحمد الفراك
مقدمة في ماهية الإعلام
إذا كان فعل الإعلام في اللغة يفيد الإخبار والإرشاد والدِّلالة، فإن تعريفاته المعاصرة لا تكاد تتجاوز تلك الدلالات، إذ ظل يفيد “نقل رسالة معينة إلى المتلقي أو المخاطَب، بهدف إقناعه والتأثير في قراره وسلوكه”، وأحيانا يُعرف الإعلام بما ينبغي أن يكون عليه فيقال بأنه هو “إيصال معلومات صحيحة ومحددة إلى جمهور معين بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، بوسائل متاحة ومحايدة، قصد تمكينه من تجميع المعطيات الكافية لإبداء رأيه واتخاذ قراره”[1].
الهدف الأصلي من فعل الإعلام إذن هو نقل معلومات صحيحة عن موضوعات معينة، أي تحصيل الحقائق والأخبار والآراء وتوصيلها بمختلف الوسائل والوسائط الإعلامية الممكنة قصد تزويد الناس المتلقين بالمعلومات والوقائع الصحيحة الصادقة، وذلك بغرض معاونتهم ودفعهم إلى تكوين الرأي السليم إزاء مشكلة ما أو مسألة عامة. ومِن صدق رسالة الإعلام نقل الصورة وليست صناعتها، لأن عملية الإنشاء والصناعة هي من عمل المواطن الذي يتلقى المعلومة[2].
هذا الأصل، لكن العمل الإعلامي عموما ليس محايدا وإنما هو إنجاز مستمد من فلسفةٍ تؤطره وتوجه أشغاله، فلسفةتحمل مبادئ وقيماً توفر للخبر معنىً ومقصدا معينا، وتضعه في خدمة قضية محددة بسياق وتأويل خاص، وفلسفة الإعلام هي “الإطار الفكري الذي تتحدد على هداه منطلقات العملية الإعلامية وغايتها، ومنهجها في تحقيق هذه الغايات، والذي يعد بمثابة المعيار الذي يحكم في ضوئه على مدى نجاح العملية الإعلامية في مجتمع ما أو إخفاقها”[3]، و تنبثق الفلسفة الإعلامية عموماً عن تصور معين عن الحياة والكون والمصير، فقد يحمل القول الإعلامي قيما “فلسفية دهرانية”[4] دنياوية فردانية لائيكية متسللة من النظام الأخلاقي الليبرالي في شكل ضوابط مهنية ودساتير تقنن العمل الإعلامي والصحفي، أي ما يسميه بعض المهتمين بـ”الكوزمولوجية العلمانية”[5]، وقد يحمل قيما ذات مرجعية دينية واجتماعية وثقافية جماعية (كوزمولوجية يهودية أو مسيحية أو إسلامية أو غيرها)، ولعل ذلك ما أكده الأمريكي جيمس كاري (James W. Carey)، في كتابه “الاتصالُ ثقافة”[6] من كون السياقات الدينية والثقافية المسيحية هي التي تشكل موضوعات وأخلاقيات الإعلام والاتصال في الغرب. مع العلم بأن بين هذه المرجعيات والثقافات مجموعة من القيم والقواعد والضوابط الأخلاقية والقانونية والمهنية المشتركة.
رسالة الإعلام بين الأخلاقية والإديولوجية
لا شك أن العالم اليوم يشهد هيمنة ليبرالية كاسحة في كل مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعسكرية في العالم بشرقه وغربه، بشماله وجنوبه، وفي ظل التخلف الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي، ومع استفحال تلبُّد شيطاني خفي وجلي بين حكام الغرب وحكامنا بُغية تقليص ومحاصرة انتشار المشاريع الدعوية الإسلامية التي تحمل تصوراتغييريا تجديديا يروم تقديم وعودٍ ناجزة في الحاضر والمستقبل، والحد من امتدادها رمزيا وماديا بالموازاة مع ضمان استمرار تغول الأنظمة السياسية في الحكم واستئسادها على شعوبٍ قهرها الظلم، وأقعدها الفقر، وأعوزتها الأمية، وأضعفتها الفُرقة.وفي خضم ذلك –كما لا يخفى على الجميع- أسهم الإعلام بشكلٍ واضحٍ وفاضحٍ في تحريف الكلم عن مواضعه وتشويه المعلومات وقلب الحقائق، بل صناعة “حقائق” مزيفة ومموهة، والقصد إديولوجيا صِرفا يصدر عن رؤية متحيزة تخدم الجهات الممولة والمدبرة لشأنها. على الرغم مما تدعيه وسائل الإعلام العالمية من التزام بما تسميه بـ”ديونتولوجيا الإعلام” (La déontologie)، أوأخلاقيات الممارسة الإعلامية.
فيخضم العملية الإعلامية الضخمة التي تنهض بها شركات عملاقة،سواء في إطار مايسمّى بالإعلام الحر (الليبرالي) أو مايسمّى بالإعلام الموجَّه، تظل مضامين الأشغال الإعلامية وفية لمنهجيةٍ متحكم فيها ولا تخضع للضوابط الإعلامية “الحيادية” إلا شكليا، أما في المضمون فهي تخدم مصالح الجهات المتنفذة ماليا وسياسيا وإيديولوجيا، حيث “تُمَوَّلُ شركات الإعلام والصحافة والإذاعة، خاصة منها البصرية، من خلال ما ينفقه المنتجون الرأسماليون على الدعاية لبضائعهم. وتَعتمد الدعاية للسلع على تحريك الشهوة الخسيسة في الإنسان. وتظهرُ على الشاشة جَوَارٍ عارياتٌ يَشْرَبْنَ البضاعَة أو يلبسنها أو يركبنها. وبهذه الوسائل تباع لعامة الناس أوراقُ القمار، وتُزَيَّنُ الخمور المُعتقة، والأشربةُ المسمومة، والبضائعُ المصبوغَة بصِباغِ “المودة”، يُؤَدِّي ثمن ذلك العامةُ المصدقون لذلك الكذب الملَوَّنِ من جُيوبهم، وصحتِهم، وأخلاقِهم. وقد أصبحت هذه الدعايةُ جُزْءاً أساسيا في دَوْلاَب الاقتصاد التبذيريِّ وحركته الجنونيَّة، حركةِ التنمية التي لا تعرف حدودا”[7]. وما تزال كذلك حتى تصنع واقعا صوريا يغلف الواقع الحقيقي.
تأكيدا لما سبق يورد طه عبد الرحمن ما يسميه بـ”تلفزة الواقع“، ويقصد بذلك أن “المتفرج المباشر ليس له من مباشرة الواقع شيء، إذ الواقع الذي تزعم تلفزة الواقع أنها توصله إليه،أو على حد تعبيرها تصله به، ليس واقعا معطى ومباشرا، لكنه واقع مبني موسوط، إذ أقصى ما تستطيع هذه التلفزة أن تضع تصوُّرات وتخيلات للواقع؛ والتصوراتُ والتخيلات عبارة عن إعادة بناء للواقع، وكل بناء للواقع يوجب الانفصال عنه، إما انفصالا قريبا كما في حالة التصور، أو انفصالا بعيدا كما في حالة التخيل، وعلى هذا، فإن المتفرج المباشر إنما هو متفرج يظن الحقيقة موجودة حيث يوجد الوهم، ويظن الواقع موجودا حيث يوجد الخيال، ويظن الاتصال موجودا حيث يوجد الانفصال[8].
لهذانجد الكثير من الأبحاث العلمية والدراسات الميدانية -التي تتخذ بناء على نتائجها قرارات سياسية واجتماعية كبيرة- تستعمل في أداء وظيفة سياسية أو استخباراتية تزيف الحقائق أو تستعملها في أغراض لا أخلاقية، مثل “إجراء المسوح والدراسات التي تستهدف تطويع المواطن والتعرف على مداخل السيطرة عليه، والبحث عن مدى تأثير الوسائل الإعلامية الأجنبية في تفكيره ووجدانه، وبالتالي لمتقدم تلك الأنشطة أي إنجاز ذا قيمة على الصعيد العلمي إلاّ بالقدر الذي يخدم مصالح وأغراض الهيئات الأجنبية التي كانت تمولها”[9]. كل ذلك من أجل التحكم في رقاب الناس وقُوَّتهم وقُوتِـهم، وصناعة أذواقهم وسرقة أرزاقهم، وجعلهم مستهلكين نهمين، وتلك هي سياسة “تحويج المستهلك”[10].
إذا كان الإعلام هو شكل من أشكال التواصل الفعال في المجتمع، وله قدرة كبيرة على التأثير في المتلقي وإعادة تشكيل وعيه ورسم رؤاه المستقبلية حسب الوسائط التقنية التي يستعملها والمرتكزات المعرفية التي يصدر عنها[11]، فإن المسلمين اليوم بين مَظلمتين، أولا: مظلمة دولية خارجية تكيل بالتطفيف، فتدعي قيما أخلاقية نبيلة وكونية من جهة، وتُولي في الواقع ظهرها لتلك القيم الإنسانية المشتركة العليا؛ الحق والعدل والخير، بل تلغي برأيها ومصلحتها حقوق الآخرين ومصالحهم. فهي من أجل غايتها تُبرر جميع الوسائل، يا للأسف، وثانيا: مظلمة محلية داخلية فشلت في تحقيق تنميةٍ تفك رقاب الأمة، وطاش وزنها في عالمٍ لا يُسمع فيه إلا للأقوياء!
يتساءل البعض: هل إلى خروج من هذا التلوث الإعلامي من سبيل؟ أيمكن أن نحيا في عالم لا يحيد عن روح القيم النبيلة، عالم تتحقق فيه عدالة تسع جميع الأمم والشعوب؟
على الرغم مما يملكه الإعلام الغالب اليوم من قدرات ومهارات جنونية في توجيه الناس وصناعة آرائهم، وقلب الحقائق وتزوير المعطيات، وما فعله ويفعله من سلب للعقول وسرقة للقلوب وترذيل للعواطف. فالعالم بصدد استقبال نماذج حضارية جديدة، تتأهب فيها أمة المسلمين -بعد ابتلاءات التمزيق والتبعية- لمستقبل جديد ينفض عنها غبار السّنين والقرون، ويخلصها من قيود الظلم والفتون، لتستشرف مستقبلا واعدا، وتتشوف لنموذج استخلافي جديد، تصديقا للوعد الإلهي بالنصر للمستضعفين، وراثة للمستكبرين الذين علوا وطغوا في الأرض، ولنا في تاريخ البشرية عشرات الأمثلة.
وارثون قادمونهم المسلمون إن هم حققوا شرطهم الذاتي طبعا، الذي عليه مدار الكتب والنبوات، شرط الإيمان الصادق المتجدد والعمل الصالح المستمر، واستفادوا من حكمة الأمم مما يسره الله للناس وسخر لهم، وفطنوا إلى ما يحاك بهم وضدهم من دسائس ومكائد. سابقون وسامقون وهم الأعلون إن هم اجتهدوا اجتهاد الكافة واستبصروا. يحدوهم التوفيق الإلهي، ويساعدهم في ذلك انكشاف خفايا الحكومات الغربية أمام شعوبها، واقتناع أغلب المسلمين اليوم بأنه لا سبيل إلى التحرر وبناء كيان العزة والكرامة والخيرية في ظل كياناتهشَّة وضعيفة، بعضها تهاوى وبعضها يتساقط وبعضها سيجرفه طوفان سُنة الله في القوم الظالمين لا محالة. ولن تجد لسنة الله تبديلا.
المهمة الإعلامية بين الكسل والعمل
إذا كان من أصناف الإعلاميين المتشدقون والثرثارون والمتفيقهون[12]، ومنهم المحترفون الحاذقون الموفقون، فلا يكفي إظهار المظالم والبكاء على الأمجاد أو انتظار الخلاص واستعطاف الغير في انتظار وعجز.إذ الواجبهو إعداد العدة الإعلامية؛ نتعلم ونتفوق ونُقوِّم سيرنا ونُجدد وسائلنا، كي تتضح الرؤية في استشراف الغاية،فهل نرهن وجودنا بشكوى العاجزين عن الاقتحام المتفرجين من بعيد؟ أم نرفع همتنا للتصدي للمهمات الجسام وسط الزحام؟ أنقعد وننتقد أم نُشمر ونُعد؟ أنعجز أم نُنجز؟
غيرُنا يستعمل وسائل الإعلام بتفوقٍ جُنوني يُؤثث العقول بمعرفةٍ مصنوعة منظمة مُقنعة، ويوجهها وجهته التي تخدم مصلحته، ليبلغ تصوره للحياة والإنسان والكون،للماضي والحاضر والمستقبل، للخير والشر.يعبئ الجماهير بثقافة وإديولوجية ومقصد، ليقول للعالم: الحضارة غرب، والحياة مادة، والمستقبل صراع، والإسلام إرهاب، والحروب تحرير… فيتبعه مثقفونا بنداء القطيعة مع تراثنا الإسلامي العربي لنلتحق بتراث غيرنا مادام فيه الخلاص من واقع التخلف التي ينعتنا به المتفوقون تقنيا ونشهد به على أنفسنا.
ونحن نتلهى بتقليد الأمور التافهة واجترار عوزنا وراء أوهامٍ اختلقتها أنظمة سياسية لا يُهمها سوى حفظ سلطتها من التآكل وثروتها من التقلص وتبعيتها من التفكك. تأبَّد بين ظهرانينا واقعا فتنويا ادلهمت فيه الخطوب، وغُيبت فيه الشعوب. واقعُ نتحمل فيه مسؤوليتنا عما أصابنا قبل لوم الآخرين، إذ ما دُمنا ناسا من الناس فما الذي أوصلنا إلى حضيض التبعية والدونية بين الأمم؟ أهذه هي خير أمة أخرجت للناس؟ أم إن خيريتها رهينة بعملها وإنجازها لا بحوقلتها وشكواها؟
بالصوت والكلمة والصورة، مع الإتقان تصل رسالتهم محملة بما تخمَّر في عقول ونفوس الغافلين عن الله، الصادين عن أمره ونهيه، المنتشين بتفوق عسكري يصم آذانه عن سماع حُجة من احتج أو برهان من أقنع. فتتسلل الأفكار المسمومة بمكر الدهاء الهوليودي إلى نفوس الناس فتزلزل قناعاتهم وتخلخل اعتقاداتهم وتشككهم في دينهم ومستقبلهم وتزين لهم الغواية والتفاهة، وتشحن فكرهم وتمسخ ثقافتهم بمصطلحاتٍ ملغومة، فتصرفهم عن الهدى ودين الحق إلى الغفلة ونسيان المعنى، تحث مسميات العقلانية الصارمة والموضوعية العلمية وطقسالحداثة وما بعد الحداثة، فـ”الكلمات والمفاهيم والصور المقروءة والمسموعة والمبصرة، تحملها تقنيات الطبع وألوانه، وإخراج المخرج، وتمثيل الممثل، وفصاحة الإذاعي، وبراعة الكاتب، وقصة الفنان، وموسيقى الإيقاع، ورأسمال تجار الكذب، واستراتيجية أجهزة الحكم.من وسط هذا الهذيان المحموم لابد للفكر الإسلامي أن يعلو، لابد أن يخترق الطبقات المتراكمة المتكدسة من فلسفة الإلحاد، وزندقة الإباحيين، وعبث العابثين، وإديولوجيات الثورة القومية الاشتراكية التي تعيب الإسلام وتعاديه، أو تتملقه، أو تحاول الالتصاق المنافق به.”[13]
من الشكوى إلى الإنجاز
من خصائص زماننا المعاصر “أنّ المسافات فيه طويت، والمواصلات بين أجزاء المعمورة بلغت إلى حد أن أي خبر يمكن إبلاغه من أيِّ نقطة في الأرض مجهزة إلى أي نقطة أخرى في ربع ثانية عبرَ الأقمار الصناعية. في كل بيت آلاتُ التقاط للبَثِّ المرئيِّ والمسموع، ومع كل متنَصِّتٍ مذياع. ويستعمل أعداؤُنا هذه الأجهزة التي يحتكرون صناعتها، وتجارتها، ويطوِّرونها خارج مداركنا للتجسس علينا، وتشويه سُمعتنا، وتغييرِ أفكارنا، والتأثيرِ على شعبنا بالخبَر المصنوع، والدعايةِ التجارية، والوسوسة الدائمة. يستعملون أجهزة الإعلام أدواتِ حَربٍ، ووِكالاتُ الأنباء وشركات الدعاية معاقلُ لِشَنِّ الهجمات علينا”[14]. وقد أجمل طه عبد الرحمن هذه الآفات في ثلاث هي التفرج والتجسس والتكشف[15]، فالتفرج من حيث هو نظر في الصور هو توهم للحقيقة وليس تملكا لها، وما يرافقه من تلصص بالصور قصد الاستمتاع بالنظر فيها تشهيا شبيها بالنظر في سوأة الغير من وراء الستار[16]، ولا يخفى ما في ذلك من تكشف للعورات وتداول للصور المكشوفة الهاتكة للستر الماحية للحياء. فاليوم يتشغل الناس بتفاهاتٍ قاتلة للمعنى، لا حد لها ولا قيد، ويُسحب انتباههم إلى قضايا جزئية لا منتهى لها، ولا قبل لهم بردها،”ولن نطيل لأن أي جريدة أو مجلة تفتحها تحدثك عن الجريمة المنظمة وعن الفاحشة المعروضة بشكل مُغر، وعن انحدار المرأة إلى قيمة البضاعة، مع البضاعة في الإعلانات والسينما والتلفزة، جمال الأنثى يبيع السلعة ويُباع معها. وتحدثك الجرائد، إن كنت تفكر، عن مساوات الساسة، وتحدثك عن فضائح الكبير والصغير”[17].
لا يجدي اللوم والتأفف والانتظار ولا حتى إغلاق الأبواب وتكسير الأجهزة في درء ما فتح الله على عباده من بلاء في عصرنا جُندت له المؤسسات العملاقة ورُصدت له الأموال الطائلة، ووُظفت فيه الفنون والتقنيات والمهارات ببراعة وإبداع فاق المتوقع. ويعلم الله ما هو آت. ما تنفع موعظة الواعظ التقليدي المغلوب على أمره من طرف سلطةٍ تلاحق كلماته وتتلصص على أنفاسه، أمام أجهزة عملاقة تُزين المعلومة وتُطَيِّرها في الآفاق في رفة عين.ما يفيد ذلك إن لم نجدد النظر في إرادتنا وغايتنا وأهدافنا ووسائلنا، فالناس مراتب متفاوتة، وقدراتهم مختلفة، ولهم فيما يعشقون مذاهب كما يقول المثل، فلا بد من الدخول عليهم من كل باب، ومراعاة الأحوال والعوائد والطبائع. فلا نحمل الناس جميعا على الإحسان وهو لخاصة الأولياء، ولا على الإيمان وهو للقلة في كل ملة. وهنا لا مندوحة عن الدراسات الاجتماعية والنفسية التي تطلعنا بمناهجها على خصائص الأجيال النفسية والمزاجية والذهنية والاجتماعية وغيرها. لنعرف من نخاطب وكيف ومتى.
بناء على ما سبق يتعين وجوبا على العاملين في صناعة النموذج الإسلامي النهوض بالواجب الإعلامي بما يوازي ما ينتظر أمة المسلمين من مهمات حاضرة ومستقبلية، بدءا من إعداد فلسفة إعلامية موجهة، ونظرة استراتيجية قاصدة، وتهييء خطط عملية واقعية تجمع يبن صدق النية وتعلم الصنعة واكتساب الخبرة والقدرة إلى إفهام الغير وتصحيح الأوهام، وفق أخلاق الإسلام العامة والخاصة. فلا نجاري حُمى المنسلخين من الحياء والخائضين في الإشاعات والدعايات، ولا نسقط في آفات التطبيل للغالب والكذب على الناس واحتراف التهييج والتهريج.
إن شرف الدعوة الإسلامية ينسحب على وسائلها، يقول ابن قيم الجوزية: “لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل”[18].
إذا كانتمهمة الإعلام هي “تزويد الناس بالأخبار الصحيحة، والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة، التي تساعدهم على تكوين رأي عام صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات، بحيث يعبر هذا الرأي تعبيرا موضوعيا عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم، وميولهم”[19]، فإن رسالتنا الإعلامية نظيفة نظافة الرسالة النبوية التي يجب أن نحملها اجتهادا في تبليغها بأخلاقها ومقاصدها ومضامينها إلى العالمين. رسالة تجمع ولا تفرق، تواسي ولا تشمت، تُذكر ولا تُغفل، تدافع بشجاعة من غير تهور عن الحق الذي يُزهق الباطل، ولا تهادن ولا تداهن… قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (الحجرات:11).
رسالة الإعلام في مستقبل المسلمين
إعلامنا جُزء من كُلٍّ، وليس إعلاما من أجل الإعلام ولا مجرد إعلام كالإعلام، إنه رسالة –في ذروة سنام الإسلام-تبليغية هائلة للتأطير والدعوة والتواصل والتدافع إن وُفق لها المسلمون وفكوها من أسرِ لوبيات الاستفساد والاستبداد -التي تجعل من الغالب بالسيف والمال هو الرسالة والأمانة والغاية- لتصل وتتواصل مع الناس أجمعين بما يفهمون ويطيقون. وهي رسالة تحمل البُشرى للمسلمين وللعالمين، رسالة إقناع ودعوة وتدافع ليِّن. تأخذ روحها من البيان الأعظم “القرآن الكريم”و”هو رسالة إعلامية يخاطب بها اللهُ عز وجل الإنسَ والجن”، ونموذجها البلاغ الأكرم الذي هو “النبوة الخالدة” وما يواتيها من حِكم الحكماء، وخبرتها من مدرسة التخصص والممارسة المشتركة بين الأمم.
تَميُّزنا –بعد إتقان ما يتقنه الناس- في وصل الشهادة بالغيب، والدنيا بالآخرة، ودلالة الإنسان على الحق، والأمر بالمعروف بمعروفٍ، والنهي عن المنكر بالمعروف، وتسمية الأشياء بمسمياتها، دون السقوط في النظرة السطحيةالـمُنفرة التي تجلب الملل، والحذر من ذهنية الاستعلاء والشماتة وخطاب الإقصاء وإطراء الذات والتقوقع عليها.
لا بد من مراجعة تشديدات الفقه القديم، وفتح مساحات للترفيه والغناء والشعر وأدب الطفل والأسرة، وبث الذوق الرفيع والحس الجميل والكلمة الطيبة. فـ”إذا كانت قلوبنا متعلقة بالله عز وجل ورسوله وكتابه، فإن تفتحنا على الواقع إنما هو تفتحٌ ذو مغزى، ذو دلالة، ذو وجهة. إنه تفتح على آيات الله في الكون، لا نرى العالم حركة سائبة مستقلة، إنما نراه ونرى أنفسنا في قبضة الله عز وجل. الكون مسخر لنا، ومن هذا المنطلق نكسبُ إن شاء الله تعالى وضوحَ الرؤية وثباتَ الخطى وسلامةَ التقدير. من كان اللهُ ربَّه رضا، وإلهَه طاعة، ومحمد صلى الله عليه وسلم قائدَه فمِن مخيم الجهاد يحاور وعن الحق يترجم. فإن حاور الناس ببيان القرآن وبرهان العقل فمن موقف الذي عنده ما يعطي، ولن يهدِّد بيانَه وبرهانَه السيلُ الجارف الذي يغرق العالم: سيل الإعلام الملحد المنصب على الأسماع والأبصار بواسطة”[20]. فلا يخلو إعلامنا من أبعاده الجامعة: الربانية والرسالية والتواصلية والإنسانية.
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه على يوم الدين.
مصادر ومراجع المقال
- باومن، زيجموند. وليون، ديفيد. المراقبة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2017م
- طه، عبد الرحمن. دين الحياء؛ من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. 2- التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017.
- طه، عبد الرحمان. بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2017م
- منال، طلعت محمود. مدخل إلى علم الاتصال، جامعة الإسكندرية، مصر، ط1، 2002م
- ياسين، عبد السلام. الإسلام بين الدعوة والدولة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط 1، 1972
- ياسين، عبد السلام. مقدمات في المنهاج، دار الخطابي، مطبعة الأمة، المغرب، ط1، 1989.
- ياسين، عبد السلام. إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2009م
- ابن قيم الجوزية. إعلام الموقعين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت،د.ط، 1411ه/ 1991م
- السماسيري، محمود يوسف. فلسفات الإعلام المعاصرة، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، ط1، 1429هـ/ 2008م
- عزوز، أحمد. وابن بلة، أحمد. الاتصال ومهاراته، مدخل إلى تقنيات فن التبليغ والحوار والكتابة، منشورات مختبر اللغة العربية والاتصال، جامعة وهران، الجزائر، ط1، 2016م
- شكري، رفيق. دراسة في الرأي العام والإعلام والدعاية، جروس برس، طرابلس، لبنان، ط 1، 1412ه/19912م
- James, Carey. Communication as Culture: Essays on Media and Society, Revised Edition, Routledge, 2008.
[1]– هذه التعريفات مستخلصة من عشرات التعريفات بلغات مختلفة.
[2] – شكري، رفيق. دراسة في الرأي العام والإعلام والدعاية، جروس برس، بيروت، ط 1، 1412ه/19912م، ص: 217
[3]– السماسيري، محمود يوسف. فلسفات الإعلام المعاصرة، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية،ط1، 1429هـ/ 2008م، ص 32
[4]-طه، عبد الرحمان. بؤس الدهرانية، النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط 1، 2017، ص14.
[5]– السماسيري، محمود يوسف. فلسفات الإعلام المعاصرة، مرجع سابق، ص17
[6] – James, Carey. Communication as Culture: Essays on Media and Society, Revised Edition, Routledge, 2008.
[7]– ياسين، عبد السلام. إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2009م، ص 205
[8] – طه، عبد الرحمان. دين الحياء،من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. 2- التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1، 2017، 2/49
[9]– ضو، عبد السلام أحمد. التنوع الثقافي والتبعية الإعلامية في أفريقيا، ضمن أعمال مؤتمر التعليم من أجل التحرر في إفريقيا، سبها، ليبيا،ط 1، 1988،ص:283
[10]– طه، عبد الرحمان. دين الحياء، مرجع سابق، 2/179
[11] – عزوز،أحمد. وابن بلة، أحمد. الاتصال ومهاراته، مدخل إلى تقنيات فن التبليغ والحوار والكتابة، منشورات مختبر اللغة العربية والاتصال، جامعة وهران، ط1، 2016م، ص:27
[12]– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمـُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ” رواه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق، 3/438
[13]– ياسين، عبد السلام.مقدمات في المنهاج،دار الخطابي، مطبعة الأمة، المغرب، ط1، 1989، ص 14
[14]– ياسين، عبد السلام. إمامة الأمة،مرجع سابق، ص 193
[15]– طه، عبد الرحمان. دين الحياء،من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني. 2- التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، مرجع سابق، والتفرج والتجسس والتكشف هي عناوين أبواب الجزء الثاني من الكتاب.
[16]– المرجع نفسه،2/53
[17]– ياسين،عبد السلام.الإسلام بين الدعوة والدولة، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ط 1، 1972، ص249
[18]– ابن قيم الجوزية.إعلام الموقعين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411ه/ 1991م، 3/ 108/109
[19] – منال، طلعت محمود.مدخل إلى علم الاتصال، جامعة الإسكندرية، مصر ، ط1، 2002م، ص: 91
[20]– ياسين، عبد السلام.مقدمات في المنهاج، مرجع سابق، ص13