خطاب تلطف من المولى و قسم للدلالة على علو شأن المصطفى(3)منحة المولى
خطاب تلطف من المولى و قسم للدلالة على علو شأن المصطفى(3)منحة المولى / د. نبيلة الوزاني
خطاب تلطف من المولى و قسم للدلالة على علو شأن المصطفى(3)منحة المولى
بقلم: د.نبيلة الوزاني
فيما ورد في القرآن الكريم من قسمه جل وعلا تأكيدا على عظيم قدره و تحقق مكانته عنده .
قال جل اسمه: (وَالضُّح۪ى (1) وَاليْلِ إِذَا سَج۪ى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَل۪ى) -1 :
جاء في سبب نزول هذه السورة، ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندب يقول:
اشتكى النبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة [ قيل: إنها أم جميل امرأة أبي لهب ] فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله – عز وجل – :
( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى )، إلى آخر السورة _2
تضمنت السورة من كرامة الله تعالى و تنويهه به وتعظيمه إياه، و القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى) :أي ورب الضحى، وهذا من من أعظم درجات المبرة ._3
قال القرطبي: قوله تعالى: (وما قلى): “أي ما أبغضك ربك منذ أحبك .” _4
(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد ، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا . _5
قلت: كيف اتصل قوله { وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ } بما قبله؟
قلت: لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجلّ منه، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية ._6
{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } _7 :
موعد شامل لما أعطاه الله في الدنيا من الفلج والظفر على أعدائه، ودخول الناس في الدين أفواجاً ….. وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض …. وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلاّ الله. _8
“و لسوف يعطيك ربك فترضى”
قال القاضي عياض (رحمه الله):
“هذه الآية جامعة لوجوه الكرامة، و أنواع السعادة، و شتات الإنعام في الدارين و الزيادة .” _9
و قال الزمخشري:
” ولأنت سوف يعطيك. فإن قلت ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟ قلت : معناه أن العطاء كائن لا محالة، وإن تأخّر، لما في التأخير من المصلحة. _10
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماٗ فَـَٔاو۪ى) _11 :
تعديد لما أفاض صلى الله تعالى عليه وسلم من أول أمره إلى وقت النزول من فنون النعماء العظام ليستشهد بالخاص الموجود على المترقب الموعود فيزداد قلبه الشريف وصدره الرحيب طمأنينة وسرورا وانشراحا وحبورا . _ 12
وحذف المفعول في الأفعال الثلاثة لظهور المراد مع رعاية الفواصل. وقيل: ليدل على سعة الكرم، والمراد آواك وآوى لك وبك وهداك ولك وبك وأغناك ولك وبك . _13
و قد تلطف المولى جل وعلا بحبيبه المرتضى و أشفق فقال :
(طَه۪ۖ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَ۬لْقُرْءَانَ لِتَشْق۪ى) _14
وقرئ: (ما نزل عليك القرآن لتشقى) :
لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى فلعلك باخع نفسك والشقاء يجيء في معنى التعب. _15
و اختلف العلماء في معنى (طه) : فقال الصديق – رضي الله تعالى عنه – هو من الأسرار؛ ذكره الغزنوي. ابن عباس: معناه يا رجل؛ ذكره البيهقي. وقيل: إنها لغة معروفة في عكل . وقيل : في عك ؛ قال الكلبي : لو قلت في عك لرجل يا رجل لم يجب حتى تقول طه…
والصحيح أنها وإن وجدت في لغة أخرى فإنها من لغة العرب كما ذكرنا وأنها لغة يمنية في عك وطيئ وعكل أيضا. وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقسم أقسم به . وهذا أيضا مروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – ، وقيل: هو اسم للنبي – صلى الله عليه وسلم – سماه الله تعالى به كما سماه محمدا وروي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لي عند ربي عشرة أسماء فذكر أن فيها طه ويس، وقيل : هو اسم للسورة _ 16
وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه . والربيع بن أنس أنهما فسرا { طه } ب: طأ الأرض بقدميك يا محمد _ 17
وقيل: { طه } في الحساب أربعة عشر وهو إشارة إلى مرتبة البدرية فكأنه قيل: يا بدر سماء عالم الإمكان . _ 18
(مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى) :
فإنه استئناف مسوق لتسليته صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب فإن الشقاء شائع في ذلك المعنى ، ومنه المثل أشقى من رائض مهر، وقول الشاعر :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاء ينعم
أي ما أنزلناه عليك لتتعب بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة ومحاورة الطغاة وفرط التأسف على كفرهم به والتحسر على أن يؤمنوا به كقوله تعالى شأنه { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم } _19، بل لتبلغ وتذكر وقد فعلت فلا عليك ان لم يؤمنوا بعد ذلك أو لصرفه عليه الصلاة والسلام عما كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة كما سمعت فيما أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه أي ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضات الشاقة والشدائد الفادحة وما بعث إلا بالحنفية السمحة . _20
قوله تعالى : ( نُّٓۖ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) _ 21
اختلف في معنى (ن) على أقوال ؛ فقيل الدواة ، وقيل حوت النون ، و قيل حرف من حروف الهجاء على نحو قوله تعالى (ص) ….
وأقسم تعالى بالقلم: تعظيما له، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف.
وما يسطرون وما يكتب من كتب. وقيل: ما يستره الحفظة، وما موصولة أو مصدرية ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في “يسطرون” لهم كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم. أو سطورهم، ويراد بهم كل ما يسطر، أو الحفظة ._22
فقد ” أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى مما غمصته الكفرة به وتكذيبهم له، وآنسه وبسط أمله بقوله ، محسنا خطابه ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٖ ) _23: وهذه نهاية المبرة في المخاطبة ، و أعلى درجات الأدب في المحاورة، ثم أعلمه بما له من نعيم دائم، و ثواب غير منقطع ، لا يأخذه عد ولا يمن به عليه ، فقال ( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٖ ) _ 24 ثم أثنى عليه بما منحه من هباته وهداه اليه، وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفي التوكيد، فقال تعالى: ( وإِنَّكَ لَعَلَيٰ خُلُقٍ عَظِيمٖۖ) _25 : قيل القرآن، وقيل الإسلام، وقيل الطبع الكريم، وقيل ليس لك همة إلا الله . ” _26
قال الواسطي: أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه وفضله بذلك على غيره، لأنه جبله على ذلك الخلق، فسبحان اللطيف الكريم المحسن الجواد الحميد الذي يسر للخير وهدى اليه ، ثم أثنى على فاعله وجازاه عليه، سبحانه ! ما أغمر نواله وأوسع إفضاله! ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من عقابهم و توعدهم بقوله تعالى : ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ) _27 ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه وذكر سوء خلقه …منتصرا لنبيه صلى الله عليه وسلم فذكر بضعة عشرة خصلة من خصال الذم فيه، بقوله تعالى: ( فَلَا تُطِعِ اِ۬لْمُكَذِّبِينَۖ ) إلى قوله : (أَسَٰطِيرُ اُ۬لَاوَّلِينَۖ ) فكانت نصرة الله تعالى له أتم من نصرته لنفسه ورده تعالى على عدوه أبلغ من رده، و أثبت في ديوان مجده . _ 28
المصادر و المراجع :
1_ الآيات (1 -3) من سورة الضحى
2_ تفسير القرآن العظيم ؛ ابن كثير ، ص 423 ، ج 8
3_ ينظر كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ، ص : 33
4_ الجامع لأحكام القرآن ؛ القرطبي ص 81 ج 20
5_ م .س ؛ 85 ج 20
6_ الكشاف ؛ الزمخشري ص 388 ج 6
7_ سورة الضحى
8_ الكشاف ؛ الزمخشري ص 392 ج 6
9_ كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ، ص 34
10_ الكشاف ؛ الزمخشري ، ص 390 ج 6
11_ سورة الضحى ؛ الآية : 6
12_ روح المعاني ؛ الألوسي : ص 162 ج 20
13_ م س ؛ ص 163
14_ سورة طه ؛ الآيتان (1_ 2)
15_ الكشاف ؛ الزمخشري : ص 55 ج 4
16_ الجامع لأحكام القرآن ؛ القرطبي : 86 ج 11
17_ روح المعاني ؛ الألوسي : ص 147 ج 16
18_ م س ؛ ص 148 ج 16
19_ سورة الكهف ؛ الآية :6
20_ م س ؛ نفسه
21_ سورة القلم ؛ الآية : 1
22_ الكشاف ؛ الزمخشري ص 179 ج 6
23_ سورة القلم ؛ الآية: 2
24_ سورة القلم ، الآية : 3
25_ سورة القلم ، الآية : 4
26_ كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ص 36
27_ سورة القلم ؛ الآية : 5
28_ عن كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ، ص : 37