مراكش: حوار بين الأمس واليوم
بقلم: عز الدين صمبة
مراكش… مدينة لا يدخلها المرء إلا ويشعر أن الزمن فيها لا يسير على هيئة ساعات ودقائق، بل يمشي على هيئة أرواح متراكمة، وأصوات عتيقة، وذكريات ما زالت عالقة بين الحجارة والأسوار والمآذن؛ مدينة إذا مررت في دروبها شعرت أن التاريخ يسمع من وقع الأقدام، ومن ارتعاش الأبواب الخشبية القديمة، ومن تنهدات الأسوار التي حفظت أسماء العابرين كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. هناك، في المساء المراكشي، حين تميل الشمس نحو الغروب وتتشرب الحجارة الحمراء آخر خيوط الضوء، تستيقظ الأسوار من صمتها الطويل، وتبدأ حديثا خافتا لا يسمعه إلا الذين يعرفون كيف يصغون إلى المدن؛ فتهمس أسوار مراكش العتيقة بصوت يشبه ارتجاف الريح بين الأزقة القديمة:
«ما هكذا حلمنا بها… يوم خطّ المرابطون حدودها الأولى، لم يكونوا يرفعون جدرانا من طين وحجر، بل كانوا يغرسون روحا في قلب الصحراء؛ روحا يعرف فيها الإنسان جاره قبل اسمه، ويأمن الغريب كأنّه واحد من أهل الدار، وتظلّ الكرامة تاج الرجال، وتبقى المروءة أبهى من كل زينة، وأنقى من كلّ مظاهر العبور الزائف.»
ثم يمتد الصوت نحو باب دكالة، فيرتجف الباب كشيخ يستعيد ذاكرة العمر الطويل: “كم دخلت من تحتي قوافل الجنوب محملة بالملح والعنبر والحكايات، وكم عبرت نحوي وجوه العلماء والفقهاء والمتصوفة وهم يحملون نور العلم إلى البلاد البعيدة. ” وتتنهد أسوار باب أغمات كأنها تنتظر فرسانا تأخروا قرونا: ” كنت أعرف وقع أقدام العائدين من الصحارى، وهمسات النساء عند المغيب، أما اليوم فقد صار الضجيج أعلى من الحنين. ” ومن بعيد يأتي صوت باب الخميس مضمخا بروائح الأسواق القديمة وصهيل الدواب ونداءات الباعة: “كان الناس يبيعون أكثر من السلع… كانوا يبيعون الطمأنينة أيضا. ” ثم تتكلم الدروب نفسها، دروب المواسين والقصبة وباب هيلانة وسيدي أيوب والموقف وجنان بن شقرة، واللائحة طويلة…….، فتقول كأنها تبكي زمنا مضى: “هنا كانت المآذن توقظ الفجر، وكانت الكتاتيب تخرج القرآن من صدور الأطفال إلى نور الحياة، وكانت المجالس تبنى بالكلمة لا بالضجيج، وكانت المدينة تعرف أن اختلاف الناس يزيدها جمالا لا انقساما. “
وفي قلب هذا النداء المتعدد الأصوات، ينهض يوسف بن تاشفين من عمق الصحراء، كأن الريح ما زالت تحفظ صوته منذ قرون، فيقول والأسى يملأ كلماته: ” أردناها مدينة يتقاسم أهلها الماء والظل والطمأنينة، مدينة يعرف فيها الكبير الصغير، ويأمن فيها الغريب قبل ابن الدار، فما الذي حدث حتى صار الناس يتجاورون بالأجساد ويتباعدون بالأرواح؟ ومن الذي أطفأ ذلك الدفء القديم حتى غدا المراكشي غريبا في مدينته؟” ثم يخرج من أروقة جامع ابن يوسف صوت العلماء، تختلط فيه رائحة الورق العتيق بصوت المدارسة والحفظ: ” أين الطلبة الذين كانوا يملؤون الليل علما وتلاوة؟ أين المصابيح التي كانت توقد للفقه والتفسير والحديث؟ لقد كانت مراكش تنجب العقل كما تنجب الأم أبناءها، وكان الكتاب فيها أعز من الزينة، وكانت حلقات العلم تدور في مسجد ابن يوسف كأنها نجوم في فلك واحد، هنا مفسر يفتح القلوب على معاني القرآن، وهناك لغوي يزن الحروف كما يزن الصائغ الذهب، وفي الزاوية الأخرى يرتفع صوت البلاغة والنحو، حتى غدت المدينة مدرسة تمشي على الأرض. “
ثم تهب ريح من جهة الأندلس، تحمل أنين قرطبة وغرناطة وإشبيلية، ويظهر ابن رشد وابن طفيل وابن زهر، وقد عادوا لا يحملون الكتب هذه المرة، بل يحملون الحسرة: ” جئناها يوما فوجدناها حضنا للعلم والإيمان، مدينة تعرف كيف تجمع بين الفقيه والطبيب، بين الشاعر والبناء، أما اليوم فما أكثر الضوء… وما أقل البصيرة، وما أكثر الأصوات… وما أقل الكلام. ” وحتى جامع الفنا، الذي ظل قلب المدينة النابض بالحكايات والضحكات والسحرة والعازفين والعابرين، بدا كأنه يهمس بحزن العاشق القديم: ” ما زلت أجمع الناس كما كنت دائما، لكنني أفتقد تلك الأرواح التي كانت تجعل اللقاء معنى لا مجرد ازدحام. “
ومع ذلك، لم تكن مراكش يوما مدينة حزن فقط، بل كانت تعرف كيف تبتسم رغم التعب؛ مدينة البهجة التي جعلت من الدعابة جزءا من هويتها، كما جعلت الأذان ورائحة الخبز الساخن والنعناع جزءا من ذاكرتها. كانت مدينة إذا ضحكت شعرت أن الضحك نفسه يخرج من جدرانها العتيقة. من أزقتها خرجت أصوات صنعت البهجة في الذاكرة المراكشية؛ صوت عبد الجبار لوزير وهو يزرع النكتة في وجوه البسطاء، وصدى بلقاس وباقشيش وهم يحولون تفاصيل الحياة اليومية إلى ضحك يشبه دفء المجالس القديمة. وكانت الساحات تمتلئ أيضا بأصداء جيل جيلالة، بأغانيها التي خرجت من عمق الناس وعادت إليهم، تحمل نبض الحي الشعبي، وحزن الإنسان البسيط، وفرح الجماعة وهي تتقاسم الخبز والحلم والصوت. كان المراكشي يعود من سوقه متعبا، لكنه لا يدخل بيته حتى يوزع على أطفال الحي قطعة حلوى أو ابتسامة، كأنه يوزع الفرح نفسه. أما اليوم، فقد أغلقت الأبواب قبل القلوب، وصار الجار يعرف رقم هاتف البعيد ولا يعرف اسم من يسكن بجواره.
لكن تلك البهجة المراكشية، التي كانت تخرج من القلوب ببساطة الماء الجاري في السقايات، لم تكن يوما فرحا و ضحكا بلا معنى؛ بل كانت وجها آخر لروح الألفة والحياء والدفء الإنساني. وحين بدأت تلك الروح تخفت شيئا فشيئا، كأن مراكش كلها شعرت بأن شيئا عزيزا يتسرب من بين أيديها؛ عندها لم تعد الأسوار صامتة، بل ارتفعت الأصوات دفعة واحدة، كأن رجال مراكش السبعة خرجوا من أضرحتهم ليوقظوا المدينة من غفلتها؛ صوت القاضي عياض، وصوت السهيلي، وصوت أبي العباس السبتي، وهم يخاطبون أبناء المدينة الحمراء: ” إن المدينة لا يحرسها السور وحده، بل يحرسها الحياء والقرآن والألفة، ومروءة تحفظ الناس كما تحفظ النفس. ” ثم يعلو صوت آخر، عميق كأنه خارج من قلب الأسوار نفسها: ” لا تجعلوا مراكش مدينة السبعة رجال فقط… بل اجعلوها مدينة آلاف الرجال؛ رجال إذا مروا شعر الناس بالأمان، رجال يحملون العلم كما يحملون الأخلاق، لأن الحضارة لا تبنى بالحجر وحده، بل تبنى بالروح. “
وفي خضم هذا الحوار الممتد بين الأمس واليوم، بين الأسوار والدروب، بين العلماء والباعة والحكواتيين، ينبثق صوت من الحاضر، صوت العالم الرباني محمد عبادي، كأنه امتداد طبيعي لكل تلك الأصوات القديمة، لا يقطعها بل يواصلها، فيقول بلهجة الناصح المشفق: ” يجب أن تحافظوا على أصالة هذه المدينة ضد محاولة الطمس الجارية، يجب أن نربي جيلا يحمل الرسالة للحفاظ على هوية المدينة ضد هذه الحملة المسعورة التي تجرف كل شيء، نتصدى لها بقوة، بلا إله إلا الله، حين تدخل أعماق أعماق قلوبنا، نصطبغ بها.” فيمتزج صوته بأصوات الأسوار والعلماء والدروب، وكأن مراكش كلها أصبحت صرخة واحدة في وجه النسيان؛ صرخة تقول إن أخطر ما يهدد المدن ليس تغير عمرانها، بل تغير الإنسان فيها، وإن المدينة حين تفقد روحها لا ينفعها أن تتزين بالأنوار والفنادق والأسواق.
ثم يسكت كل شيء قليلا… وتظهر حدائق المنارة في الأفق كعجوز تتذكر شبابها، وتقول بصوت متعب: ” كم ضحكت للعائلات وهي تفترش ظلي، وكم سمعت حكايات الجدات وضحكات الأطفال… أما اليوم فأرى وجوها كثيرة، لكنني لا أرى الطمأنينة القديمة. أرى زحاما بلا لقاء، وحركة بلا روح ” ثم يعود الصمت ليغمر المدينة الحمراء، وتبقى الأسوار واقفة في أماكنها، كأنها تنتظر من يعيد إليها دفء المعنى لا بريق الصورة فقط.
إن مراكش اليوم لا تحتاج فقط إلى ترميم أسوارها ودروبها، بل تحتاج قبل ذلك إلى ترميم الإنسان فيها؛ تحتاج أن يعود القرآن روحا تسكن البيوت ، وأن يعود المسجد قلب الحي كما كان، وأن تعود المجالس مدارس للأدب والعلم والمودة، وأن يتذكر المراكشي أنه ليس مجرد ساكن في مدينة سياحية، بل وارث حضارة بناها رجال حملوا الإيمان قبل الحجر، والعلم قبل الزينة، والمروءة قبل المصلحة.
إن المدينة التي شيدت بالطين الأحمر والدعاء، والتي حفظت عبر قرون أصوات العلماء والفقهاء والحرفيين والحكواتيين، لا يجوز أن تترك فريسة لطمس هويتها أو اقتلاع روحها. ولهذا يظل صوت محمد عبادي ممتدا في أزقتها كنداء أخير: ” يجب أن تحافظوا على أصالة هذه المدينة ضد محاولة الطمس الجارية… يجب أن نربي جيلا يحمل الرسالة للحفاظ على هوية المدينة. ” وكأن مراكش كلها، بأسوارها وأبوابها ومنارتها ومساجدها، تردد النداء نفسه: لا تتركوا الروح تضيع.
فمراكش العظيمة لا تموت بسهولة؛ يكفي أن يعود إلى الدرب طفل يحمل مصحفا، وأن يعود إلى البيت دفء الأسرة، وأن يعود الشاب إلى المسجد قبل الشاشة، وأن يشعر أهل المدينة أن حماية مراكش ليست مسؤولية الأسوار، بل مسؤولية القلوب أيضا. وحينها فقط… ستعود المدينة الحمراء كما كانت؛ مدينة يسكنها الناس بأرواحهم، لا مدينة يعبرونها بأقدامهم فقط.
اللهم احفظ مراكش وأهلها، واحرس أسوارها ودروبها ومساجدها من كل سوء، وأبق فيها نور القرآن، ودفء الألفة، وبركة العلم، وجمال المروءة. اللهم اجعلها مدينة يطمئن فيها القلب كما اطمأن فيها الصالحون والعلماء عبر القرون، ولا تجعل روحها تضيع بين زحام الدنيا وضجيجها. اللهم اجعلها مدينة للخير والعلم والسكينة والذكر. اللهم كما جمعت في ترابها عبق التاريخ ونور الإيمان، فاجعل مستقبلها أجمل من حاضرها، وأعد إليها دفء البيوت، وألفة الجيران، وصوت المساجد، وبهجة القلوب. إنك على كل شيء قدير.