الإنسان بين السراء والضراء في تصوير القرآن الكريم
الإنسان بين السراء والضراء في تصوير القرآن الكريم/ د. محمد السيد محمد يوسف
الإنسان بين السراء والضراء في تصوير القرآن الكريم
د. محمد السيد محمد يوسف
أستاذ بجامعة الأزهر
قضت سنة اللَّه تعالى على عباده أن تتداول عليهم أحوال الدهر، وأن تتغاير عليهم صروف الأقدار، فلا بد للإنسان أن يتقلب بين اليسر والعسر، والشدة والرخاء، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والإقامة والظعن، والحياة والموت. وجل شأن القائل: (ﭐ… وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ… ) آل عمران: ١٤٠
والدهر أبدًا لا يبقى على حال، فهو دائمًا في إقبال وإدبار، « وقد سمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك اللَّه مكروهًا. فقال: كأنك دعوت عليه بالموت؛ فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروهًا » ([1]).
والإنسان في الحقيقة محتاج إلى الضراء، كحاجته إلى السراء، فلولا الضراء ما شعر الإنسان بنعمة السراء. والإنسان لا يدرك قيمة النعمة إلا حين يُختبر بفقدها، ولا يتذوق طعم الفرج إلا بعد شدة الكرب.
ومن الضروري أن يدرك الإنسان حكمة اللَّه تعالى في تقليبه للعبد بين السراء والضراء، حتى يستفيد من الأحداث التي تعترضه، والأحوال التي تتقلب عليه.
ومن أبرز هذه الحكم ما يلي:
1 – تحقيق العبودية الخالصة للَّه رب العالمين، في السراء والضراء، في السراء بالشكر، وفي الضراء بالصبر، ويعبر عن هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم:« عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراءُ شكر، فكان خيرًا له » ([2]).
2 – إظهار الإنسان على حقيقته، فإن من السهل أن يدعى الإنسان الإيمان، والصبر، والشكر، والزهد، وغير ذلك، ولكن بالاختبار تظهر حقيقة هذه الادعاءات، وتتجلى حقائق النفوس قال جل شأنه:
(الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) العنكبوت: ١ – ٣
وقديمًا قال الشاعر العربي:
على قدر فضل المرء تأتي خطوبـه ويُعرف عنه الصبر فيما يصيبه
ومـَن قَلَّ فيما يتقيـــه اصطبــاره فقد قـلَّ مما يرتجيه نصيبــه ([3])
3 – الابتلاء يرد العبد إلى اللَّه. قال أحد علماء الإسلام: « من تمام نعمة اللَّه على عباده المؤمنين أن يُنزل بهم من الشدة والضر ما يُلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه ولا يرجون أحدًا غيره، فتتعلق قلوبهم به، وتنقطع عن غيره؛ فيحصل لهم من التوكل عليه، والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان، وذوق طعمه، والبراءة من الشرك، ما هو أعظم من زوال الشدة والضر. ([4])
والمؤمن الحقيقي يدرك أن كل أفعال الله تعالى إنما تقع وفق حكمته البالغة، فيرضى قلبه، وتستريح نفسه، ويذهب قلقه، وذلك بعكس الكافر والمنافق، قال صلى الله عليه وسلم: « إن المنافق إذا مرض ثم أعفي، كان كالبعير، عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه ولم يدر لم أرسلوه » ([5]) .
تصوير القرآن الكريم لحال الإنسان فـي السـراء والضراء:
والمتدبر للقرآن الكريم يدرك أنه تعرض لتصوير حال الإنسان في السراء والضراء تعرضًا مباشرًا، وصوره تصويرًا رائعًا، وفصله تفصيلا دقيقًا، وذلك في مواضع كثيرة من كتاب اللَّه تعالى ؛ مما يجعلها حالة تستدعي الدراسة والتأمل.
ومن أروع الآيات القرآنية الكريمة التي عرضت لتك الحالة قول الله جل شأنه:
(ﭐوَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ) يونس: ١٢
يقول الإمام ابن كثير – رحمه الله – في معنى هذه الآية الكريمة: « يخبر جل شأنه عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها، وجزع منها، وأكثر الدعاء عند ذلك، وتضرع إلى اللَّه في كشفها ورفعها عنه، في حال اضطجاعه، وقعوده، وقيامه، وفي جميع أحواله، فإذا فرج اللَّه شدته، وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء. ([6])
لمسات من الجمال البياني في الآية الكريمة:
وفي الآية الكريمة لمسات رائعة تبرز جمال النص القرآني، ودقة التعبير فيه، ونذكر منها ما يلي:
التعبير بقوله: (ﭐ مَسَّ ) يوحي بضعف الإنسان وافتقاره إلى اللَّه ؛ فهو لمجرد المس الخفيف يتضرع إلى اللَّه، فكيف بالضغط العنيف ؟
كلمة (ﭐ الضُّرُّ ) موجزة لكنها تشع من المعاني ما لا يدخل تحت الحصر، فالمرض، والفشل، والحرق، والغرق، والخطر، والدَين، وركوب البحر والطائرة، كل ذلك وغيره ضر.
حين نتأمل كلمة: (ﭐ َدعانا) هكذا بنون العظمة، فما أروعها في هذا الموقع، لأن الإنسان في هذه الأزمات يُعظم ربه، فإذا أضفنا إلى هذا أنه لا مفر ولا منجى منه إلا إليه، كان مناسبًا جدًّا أن تجيء هذه النون، وتحتل مكانة في التعبير، لتبرز تلك القوة القادرة على الحسم والتصرف وحدها في تلك المواقف الصعاب.
حين نتأمل قوله: (ﭐ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً) نجد هذا التعبير يستوعب حالات الإنسان، ويعبر عن إلحاحه في الدعاء، وترتيبها على هذا الوضع له حكمة رائعة، فالإنسان يكون في بدء المحنة متهالكًا، فيدعو نائمًا، فإذا تماسك بعض الشيء دعا قاعدًا، ثم يشتد تماسكه فيدعو قائمًا. ([7])
وفي فائدة ذكر هذه الأحوال يقول الإمام النسفي رحمه الله: إن المضرور لا يزال داعيًا لا يفتر عن الدعاء، حتى يزول عنه الضر ؛ فهو يدعو اللَّه في حالاته كلها، سواء كان مضطجعًا عاجزًا عن النهوض، أو قاعدًا لا يقدر على القيام، أو قائمًا لا يطيق المشي ([8]).
قوله سبحانه: (ﭐ فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ) يفيد التعبير بالفاء: تجاوب القدر السريع مع دعاء البشر.
كلمة: (كَشَفْنا) توحي بأن للضر سحائب، تغطي القلب، وتطمس الروح وتحجب البصيرة، وكل ذلك يحمل على الأسى والضيق والتبرم، بالضبط كما تكون السماء مغطاة بالغيوم، فإذا انجلت تلك الغيوم تألقت صفحة السماء صافية نقية. وكذلك النفوس بعد زوال الضر، تصبح شفافة صافية. فما أروع التعبير وما أجمله.
قوله سبحانه: (ﭐ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا) تعبير عن قلة المبالاة، وعدم الاكتراث، وسوء الأدب والمعاملة. فالله سبحانه، بمنه وكرمه قد تجاوب مع دعاء الداعين، فكشف عنهم الضر، فهل يليق بعد ذلك أن يقابَل منهم بالإعراض والاستهانة ؟. هكذا توحي كلمة (مَرَّ )، إنها توحي بالانطلاق مع تيار الحياة الصاخب، وأضوائها الخلابة، دون توقف، أو تأمل، أو ادِّكار ([9]).
وهذه الحالة التي عرضت لها الآيات الكريمة من سورة يونس والتي صورت حال الإنسان وهو في ضائقة من ضوائق الدنيا، حيث يكون في عرض البحر ومهب الريح، تحيط به الظلمات، وتكتنفه الأهوال، فيخلص الدعاء إلى اللَّه تعالى، حتى إذا انزاحت الغمة، وانفرجت الكربة، أدار ظهره لربه، وأشرك به غيره هذه الحالة نفسها عرضت لها آيات أخرى من كتاب اللَّه تعالى، نذكرها فقط دون التعرض لشرحها، إذ فيما أوردناه من الكلام عن هذه الحالة من خلال آية سورة يونس الكفاية والدلالة. ومن هذه الآيات قوله تعالى:
( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) الأنعام: ٦٣ – ٦٤
وقوله سبحانه: ( وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ ) الإسراء: ٦٧
كما صور القرآن الكريم حال الإنسان في السراء والضراء في آيات أخري منها قول الله تعالى:
(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ.وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) هود: ٩ – ١٠
وقول الله جل شأنه: ( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ. وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍﭐ ) فصلت: ٤٩ – ٥١
وقوله سبحانه: (ﭐ فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) الزمر: ٤٩
وقوله تعالى: (ﭐ إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) المعارج: ١٩ – ٢١
ومن خلال استعراض وتدبر الآيات الكريمة التي تناولت هذه الحالة ندرك أن القرآن الكريم وصف الإنسان بعدة أوصاف:
1 - أنه لا يذكر ربه إلا في المحن والشدائد وهو في أثنائها شديد التضرع، دائم التذلل، كثير الإلحاح، فإذا انجلت المحنة وزالت الشدة وكشف اللَّه ضره، تنكر لربه، ونسي فضله، ومر كأن لم يرفع يديه بالدعاء إلى اللَّه لحظة.
2 – أنه لا يمل من طلب الخير، كالمال والجاه والصحة وغيرها،وهذا ينشأ من حبه للدنيا، وإغراقه في المادة.
3 – إذا مسه شر وحلَّت به مصيبة ؛ فهو يئوس يقطع الرجاء من رحمة اللَّه، قنوط تظهر آثار يأسه على وجهه وبدنه، وهذا ينشأ من عدم إيمانه بالله. فاليأس والإيمان لا يجتمعان في قلب.
4 – إذا آتاه اللَّه رحمة من بعد ضراء مسته في صحته أو في ماله، نسي ما كان عليه أولا، واغتر بما أوتي، وقال: إنما أوتيت هذا على علم عندي، فهو لي، وأنا له. وهكذا الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالأسباب المادية فقط، دون الإيمان بمسببها جل شأنه.
5 - وإذا أنعم اللَّه على الإنسان بنعمه التي لا تحصى أعرض عن الشكر، وتباعد عن اللَّه بكلِّيته، تكبرًا وطغيانًا. وإذا مسه الشر، أو حلَّت به مصيبة أخذ في الابتهال والتضرع.
وهكذا رصد القرآن الكريم بدقة بالغة، ورسم بريشة مبدعة هذه الحالة، ورأينا كيف يبطر الإنسان في حال النعمة، ويطغى إذا استغنى، ثم هو يضعف أمام الضر، ويتضعضع أمام المصيبة، ويتعرى خلال المحنة، ثم لا يجد ملاذا له في كربته، ولا مغيثًا له في محنته إلا اللَّه رب العالمين، فيهرع إليه تعالى، ضارعًا، متذللا، فإذا كشف اللَّه ضره تنكر لربه ونسي فضله، ومر كأن لم يرفع يديه بالدعاء إلى اللَّه لحظة.
وهذه الصفات التي ذُكرت.. هي للإنسان من حيث هو إنسان. ولا يخفف من حدتها، أو يعدل سورتها أو يقلبها بالمرة إلا اتباع الدين، وتطهير النفس بطهر القرآن، وملؤها بشعاع الإيمان ونور الإسلام.
([1]) المستطرف في كل فن مستظرف 2/67 .
([2]) رواه مسلم في صحيحه . ك : الفتن وأشراط الساعة . ب : في أحاديث متفرقة . عن صهيب رضي الله عنه .
([3]) الفوائد لابن القيم ص : 37 .
([4]) إيقاظ أولى الهمم العالية إلى اغتنام الأيام الخالية ، عبد العزيز محمد السلمان . ، ص 208 .
([5]) رواه أبو داود ، ك: الجنائز ، ب : الأمراض المكفرة للذنوب ، وسكت عنه أبو داود ، وما سكت عنه فهو صالح . وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره 4/226 .
([6]) تفسير ابن كثير 2 / 410 .
([7]) توفيق السبع ، نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني ص 234 .
([9]) توفيق السبع ، نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني ص 235 .