منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفقهاء المالكية المغاربة: عقلية النضال والمقاومة عبر التاريخ

محمد أبو يوسف باكريم 

0

الفقهاء المالكية المغاربة: عقلية النضال والمقاومة عبر التاريخ

إعداد: محمد أبو يوسف باكريم 

الملخص

    يتناول هذا البحث ظاهرةً تاريخيةً فريدةً في مسار الحضارة الإسلامية المالكية بالمغرب، هي ظاهرة انخراط الفقهاء والعلماء في ميدان الجهاد الأكبر كما سماه الملك محمد الخامس جهاد البناء والإصلاح والمقاومة، ابتداءً من عهد الدولة الإدريسية في القرن الثاني الهجري وانتهاءً بحركات التحرر الوطني في القرن العشرين الميلادي.

   ونرصد هنا كيف لم يكتفِ الفقيه المغربي بدوره التعليمي والإفتائي داخل المساجد والمدارس، بل كان يتصدر أيضا صفوف المقاومة ضد الغزو، فيخطب للتحريض على الجهاد، ويُفتي بوجوبه، بل يحمل السلاح ويقود الحملات، ويُربّي جيلاً من المجاهدين.

وقد اعتمد البحث منهجاً استقرائياً تاريخياً يُوثّق النماذج العلمية الجهادية بالمصادر، مع تحليل الأبعاد الفقهية والاجتماعية والسياسية لهذه الظاهرة.

أولاً: المقدمة

لم تعرف الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل نموذجاً جمع بين العلم والجهاد والسياسة على النحو الذي جمعه الفقيه المغربي عبر القرون؛ إذ تميّزت العلاقة بين العلماء والسلطة والشعب في المغرب بخصوصية فريدة جعلت الفقيه مرجعاً دينياً وزعيماً شعبياً وقائداً جهادياً ومصلحا سياسيا في آنٍ واحد.

وقد كان الغرب الإسلامي – منذ فجر إسلامه على يد إدريس بن عبد الله الحسني عام 172هـ – ميداناً مفتوحاً للمواجهات المتعاقبة مع القوى المعادية للإسلام: من الممالك المسيحية الإيبيرية شمالاً إلى الإمارات الأمازيغية الوثنية جنوباً، ثم البرتغاليين والإسبان في عصور لاحقة، فالفرنسيين في العصر الحديث.

وفي كل هذه المواجهات لم يكن الفقيه غائباً في محرابه، بل كان حاضراً في الميدان بقلمه وخطبته وسيفه. يقول المؤرخ المغربي المختار السوسي في كتابه «المعسول :

“إن علماء سوس لم يعرفوا فصلاً بين الكتاب والسيف، وكانت المدرسة عندهم خلف الخندق، والقلم رفيق البندقية” [1]

  1-1 إشكالية البحث وأسئلته

تنطلق إشكالية هذا البحث من سؤال محوري: ما الذي جعل الفقيه المغربي في طليعة المقاومة الجهادية عبر القرون، في حين آثر نظراؤه الآخرون الانكفاء إلى الشأن العلمي الخاص؟ وما الإطار الفقهي الذي استند إليه هؤلاء العلماء لتبرير انخراطهم الجهادي المباشر؟ وكيف أثّر هذا الانخراط في طبيعة العلاقة بين الفقيه والسلطان والشعب؟

  1-2 المنهج والمصادر

يعتمد البحث المنهج التاريخي الاستقرائي القائم على استجماع النماذج وتصنيفها وتحليلها في ضوء مصادرها الأصيلة. ومن أبرز المصادر المعتمدة: كتب الطبقات والتراجم.

ثانياً: فقهاء المغرب في عهد الأدارسة (172-375هـ)

أسّس إدريس بن عبد الله الحسني رضي الله عنه الدولة الإدريسية عام 172هـ / 789م، فكانت أول دولة إسلامية في المغرب الأقصى. وقد اقترنت نشأة هذه الدولة بدور محوري للعلماء في توطيد الإسلام وحمايته من ردود الفعل العدائية للقوى المجاورة.

  • النموذج الأول: الإمام يحيى بن إدريس (ت213هـ(

“الفقيه العالم يحيى بن إدريس توفي نحو 213هـ، ابن المؤسس وخليفته، قاد حملات عسكرية لتوسيع رقعة الإسلام وصد المرتدين والقوى المناهضة للدولة الإسلامية الناشئة، وكان يجمع بين الإمامة في الصلاة وقيادة الجيش . “[2]

 ومن أبرز ما يُروى عن هذه المرحلة أن العلماء كانوا يُشاركون في قرارات الحرب والسلم مشاركةً مباشرة، وأن مجلس الشورى المحيط بأئمة الأدارسة كان في غالبيته من الفقهاء. يقول ابن أبي زرع:

“وكان أمراء بني إدريس لا يقطعون أمراً من أمور الجهاد حتى يستشيروا فقهاءهم وعلماءهم، فكانوا سيفاً وعلماً معاً”[3]

  • النموذج الثاني: الفقيه عيسى بن أدهم (ت230هـ تقريباً)

 من علماء القرن الثالث الهجري بفاس كان مرجع الفتوى في مسائل الجهاد ودفع البلوى، وصدر بفتواه قرار التصدي لبعض الحملات العدائية على فاس

ثالثاً: الفقهاء المجاهدون في عهد المرابطين والموحدين (430-668هـ)

تُمثّل دولة المرابطين نموذجاً استثنائياً في التاريخ الإسلامي؛ إذ كانت دولةً قامت أصلاً على يد فقيه: هو عبد الله بن ياسين الجزولي الذي أسّس «الرباط» الجهادي العلمي ، ليُنتج أول حركة إسلامية إصلاحية جهادية في الغرب الإسلامي.

  • النموذج الأول: الفقيه عبد الله بن ياسين الجزولي (ت451هـ)

  مؤسس الحركة المرابطية الإصلاحية الجهادية التي أصبحت دولة المرابطين، وكان يجمع بين تعليم الفقه المالكي وقيادة المعارك. استُشهد عام 451ه‍.

وقد وصف المؤرخ ابن خلدون( في العبر ج6 ص 185 ) هذا النموذج الفريد للفقيه المجاهد وصفاً بليغاً حين قال:

“وكان ابن ياسين فقيهاً مجاهداً في سبيل الله لا يفرّق بين المحراب والميدان، آمر بالمعروف في السلم وفي الحرب سواء، وله في الفريقين كلتا الوقفتين: وقفة العالم ووقفة الغازي”.[4]

  • النموذج الثاني: القاضي عياض اليحصبي السبتي (ت544هـ)

قاضي سبتة ومراكش، إمام أهل المغرب والأندلس، كان مرجعية الفتوى في الجهاد وصد الصليبيين عن الأندلس، وقاوم بعض الانحرافات العقدية وواجه المفاسد التى بدأت تتسرب إلى المجتمع و التي أضعفت صفوف المسلمين ووحدتهم الإيمانية. وقد ناضل ضد الهيمنة الموحدية حين رأى فيها ما يخالف العقيدة ، كما قاوم الصليبيين في شمال إفريقيا والممالك المسيحية الإيبيرية.

وقد كانت شخصية القاضي عياض نموذجاً من الأنماط النادرة التي جمعت بين عمق العلم وشجاعة المواقف السياسية؛ إذ لم يتردد في الجهر بمعارضته حين رأى الحق في ذلك، حتى إنه نُفي إلى أغمات بسبب مواقفه الجريئة. وقد لخّص المؤرخ التادلي (في التشوف ص 173) موقفه بقوله:

“كان القاضي عياض ممن لا يخافون في الله لومة لائم، يُفتي بما يعتقده حقاً وإن كان فيه مخالفة لأصحاب السلطان، وكان العلماء يَعُدّونه مجاهداً بالقلم واللسان”.[5]

    لا يسكت عن مخالفة أصحاب السلطان وانتقاد السلطان على الأقل بفتوى جريئة ضد ما يسمونه الثوابت .

  • النموذج الثالث: محمد بن تومرت (ت524هـ)

الفقيه العالم المصمودي المؤسس للدولة الموحدي، درس في المشرق ثم عاد مصلحاً مجدداً، أسّس الحركة الموحدية الإصلاحية الجهادية وأعلن الجهاد على المرابطين ثم على الصليبيين شمالاً. كان يدرس الفقه والعقيدة صباحاً و يقود الجيش مساءً.

الخصم المجاهَد الممالك المسيحية في إسبانيا والبرتغال وبقايا الدولة المرابطية.

رابعاً: الفقهاء والجهاد في عهد المرينيين والوطاسيين (668-956هـ)

شهد عصر المرينيين أوسع حركة جهادية منظّمة في تاريخ المغرب الوسيط؛ إذ كانت الأندلس تتساقط مدنها الواحدة تلو الأخرى في يد الممالك الإيبيرية المسيحية المتحالفة، فانبرى فقهاء المغرب للدفاع عن آخر معاقل الإسلام الأوروبية وللمطالبة بفتح جبهات دعم وإنقاذ.

  • النموذج الأول: الفقيه أبو سعيد بن لب الغرناطي (ت782هـ)،

“مفتي غرناطة وشيخ فقهائها، أفتى بوجوب الجهاد ضد الإسبان وحرّم الهجرة من الأندلس قبل استنفاد كل وسائل المقاومة. كانت فتاواه تُحرّك قوافل المتطوعين من المغرب لنصرة الأندلس ، حارب مملكة قشتالة وأراغون والممالك الإسبانية الصليبية”. [6]

“إن الجهاد في هذا الزمان فريضة على كل مسلم بجسده وماله ولسانه، وليس للمسلم أن يترك الجهاد ما دامت له قدرة على حمل السلاح أو النفقة عليه أو الإفتاء في شأنه”.[7]

  • النموذج الثاني: الإمام أحمد الونشريسي (ت914هـ)

الفقيه العالم أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، أعظم فقيه مالكي في عصره بالمغرب أصدر فتواه التاريخية الشهيرة بتحريم الإقامة في بلاد الكفار على من يعجز عن إقامة شعائر دينه، مما كان له أثر كبير في تنظيم المقاومة وعدم الاستسلام. كما أفتى بوجوب دعم الجهاد بالمال والنفس لصد الإسبان الذين استولوا على الأندلس عام 897هـ / 1492

     وتُعدّ فتوى الونشريسي في تحريم الإقامة في بلاد الكفار من أشهر الفتاوى الجهادية في التاريخ المغربي، وقد شكّلت منطلقاً فقهياً لحركة الهجرة والمقاومة المستمرة. يقول رحمه الله:

“ومن أقام في بلد استولى عليه الكافر اختياراً دون عذر، وهو قادر على الهجرة أو على الجهاد، فإنه آثمٌ عند الله مُعينٌ للكافر على نفسه وعلى إخوانه المسلمين وإن لم يقصد ذلك”.[8]

  • النموذج الثالث: الفقيه المجاهد محمد الصغير الوزاني (ت القرن10هـ)

 قاد بتطوان وشمال المغرب حلقات التعليم الفقهي الموجّهة لإعداد المجاهدين الذين يُقاومون التمدد البرتغالي في السواحل الشمالية، وكان يُحرّض على الجهاد في دروسه العلمية العامة.

خامساً: الفقهاء والجهاد في العهد السعدي (956-1069هـ)

جاء العهد السعدي في سياق استنهاضي وطني لمقاومة المد البرتغالي الذي احتل عدة مدن ساحلية مغربية، وكانت الشرارة الأولى لهذه الصحوة المقاومة على يد علماء سوس الأقصى . وقد مثّلت معركة وادي المخازن (986هـ/1578م) ذروة هذا الجهاد التي كان للفقهاء دور محوري في التحريض عليها وتنظيمها.

  • النموذج الأول: الشيخ الجزولي محمد بن سليمان (ت870هـ)

“الفقيه العالم، صاحب دلائل الخيرات، قطب الطريقة الجزوليةـ الشادلية، جمع بين التصوف والفقه والجهاد، وكان مركزه في آسفي منطلقاً لتنظيم المقاومة الشعبية ضد البرتغاليين قبل أن تتشكل الدولة السعدية. أسّس شبكة زوايا نشرت الوعي الديني والحماس الجهادي في عموم المغرب[9]. “

يقول المؤرخ المغربي إبراهيم حركات في تقييمه لدور الجزولي:

“كان الجزولي العقل المدبّر للمقاومة الشعبية في مرحلة الفراغ السياسي، يُحرّك الجماهير بالحديث النبوي وبذكر الله، فكانت الزاوية عنده ثكنةً ومسجداً ومدرسةً في آنٍ واحد” .[10]

  كان ذكر الله المحرك للنفوس والهمم والباعث على الجهاد.

  وكان الشيخ الفقيه والعالم هو المربي والموجه المجتمع لاحتضان ومعانقة القضايا الوطنية المصيرية

  • النموذج الثاني: الشيخ عبد الله الغازي السوسي (ت932هـ)

الفقيه العالم من علماء السوس الأقصى، كان من أوائل من بايع الشرفاء السعديين وحثّهم على الجهاد، وأفتى بوجوب مقاومة الأعداء وبطلان كل اتفاق يُعطيهم حقوقاً في بلاد المسلمين. ويُعدّ من الآباء الشرعيين للدولة السعدية، قاوم البرتغال في أكادير وآسفي والجديدة.

  • النموذج الثالث: القاضي أبو العباس أحمد المنجور (ت995هـ)

الفقيه العالم: عالم فاس الكبير ومدرّس القرويين, أفتى بوجوب الجهاد ضد الأتراك والبرتغاليين معاً حين تعارضت مصالح الطرفين مع مصالح المغرب، وكان صريحاً في مقاومة كل احتلال أجنبي أياً كان دينه أو مذهبه.

سادساً: فقهاء الجهاد في العهد العلوي الأول (1069-1300هـ)

أسّست الدولة العلوية في القرن السابع عشر الميلادي نموذجاً من الوحدة بين السلطة والعلم، إذ جاء الأشراف العلويون حاملين لواء الجهاد ضد الاحتلال البرتغالي والإسباني ومدعومين بشرعية دينية يؤكدها فقهاء القرويين والزوايا .

  • النموذج الأول: سيدي محمد بن ناصر الدرعي (ت1085هـ)،

“مؤسس الزاوية الناصرية ، كان مرجعاً دينياً وقائداً جهادياً في وقت واحد؛ ربط الزاوية الناصرية بمشاريع المقاومة الوطنية، وكان يُرسل طلابه مجاهدين ومعلمين في آنٍ واحد. وله رسائل في وجوب الجهاد ضد الإسبان في سواحل المغرب”

.[11]

  • النموذج الثاني: العلامة المحدّث أحمد بن إدريس الفاسي (ت1253هـ)

الفقيه العالم أحد أعلام الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث، أسّس طريقة جهادية إصلاحية انتشرت في السودان والحجاز وليبيا وأفريقيا، وتلاميذه أسّسوا الطريقة السنوسية والمهدية في السودان والدولة الإدريسية في ليبيا، وكلها حركات جهادية مقاومة للاستعمار الأوروبي الزاحف على بلاد الإسلام في القرن 19م”.[12]

وقد ألّف أحمد بن إدريس رسائل فقهية تُقرّر فريضة الجهاد وتُقيم الحجج الشرعية على وجوبه في مواجهة الاستعمار الأوروبي الناشئ. يقول الكتاني:

“كان الشيخ أحمد بن إدريس من أوائل من أدركوا الخطر الاستعماري الأوروبي وبادروا إلى بناء منظومة تعليمية جهادية متكاملة تُواجهه على المدى البعيد، فكانت حركته المصدر الروحي والفقهي لحركات المقاومة في القارة الإفريقية كلها” [13].

  التعليم يهدف لصناعة أجيال مقاومة ومناضلة .

  منظومة تعليمية جهادية ، ومقررات دراسية لبناء روح الرجولة الرافضة للخنوع والذل.

سابعاً: الفقهاء والمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني (1300-1380هـ)

شكّل القرن العشرون الميلادي أشرس مراحل المواجهة بين الفقيه المغربي والمستعمر الغربي؛ فقد اصطدم الإسلام العلمي المؤسسي في المغرب بأعنف هجمة غربية في التاريخ. وقد انقسم العلماء في مواقفهم: فمنهم من انبرى لمقاومة الاستعمار بالسلاح والفتوى معاً، ومنهم من اكتفى بالمقاومة الثقافية والتعليمية.

  • النموذج الأول: الشيخ ماء العينين القلقمي (ت1328هـ)

”   عالم الصحراء الكبير وقطب الزاوية الشنقيطية بسمارة، قاد أعتى حركات مقاومة الاستعمار الفرنسي في الصحراء المغربية وموريتانيا، ولم يبخل بقلمه وفتاواه ولا بحضوره الشخصي في المعارك. أعلن الجهاد المسلح ضد فرنسا وبعث برسائل إلى سلاطين المغرب يستنفرهم للدفاع” [14]. وقد ترك ماء العينين مراسلات فقهية تعريضية وجّهها للسلطان عبد الحفيظ يُحرّضه فيها على الجهاد.

عقلية الفقية عقلية مبادرة بطبعها إلى اتخاذ القرار واستنهاض الحاكم إلى دفع المخاطر المتربصة بالوطن وحماية المصالح الوطنية.

  الفقيه أوعى بالقضايا المصيرية من السلطان نفسه .

  الفقيه المستقل المتحرر أقدر على فهم الواقع وأولوياته خلافا للفقيه الوالي للسلطان الغارق في هموم شرعنة البيعة وتبعاتها والتمسك بأهدابها وحماية بيضتها الموبوءة في داخلها ، أنَّى له أن يرفع رأسه من تحتٍ ليرى الواقع والمتوقع .

 منها رسالة يقول فيها:

“إن واجب السلطان الذي ترك الجهاد وأغمد السيف في وجه الكافر الغازي أشدُّ من واجب الرعية؛ لأن الله أعطاه السلطة لإقامة الحق لا للتفريط فيه”. [15]

  • النموذج الثاني: الشيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي الشاوي (ت1342هـ)

الفقيه العالم أفتى بوجوب الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي عقب توقيع معاهدة الحماية 1912م، وأعلن عدم الاعتراف بها شرعاً، وجمع القبائل حوله لمقاومة الاحتلال الفرنسي في وسط المغرب .

  • النموذج الثالث: القاضي المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي (ت1382هـ)

الفقيه القاضي، قائد ثورة الريف وأعظم المقاومين المغاربة، جمع بين العلم الشرعي (درس الفقه بالقرويين) والقيادة العسكرية الفذة. أسّس جمهورية الريف الأولى وهزم الجيش الإسباني في معركة أنوال (1921م) ثم قاوم الفرنسيين، وحوّل الزاوية والمسجد إلى مركز قيادة عسكرية.

وقد قالت عنه نيويورك تايمز في تلك الحقبة: «إنه جمع ما لا يجتمع في العادة: علم الفقيه وشجاعة القائد وحكمة رجل الدولة». وقد كانت فتاواه وخطبه الدينية وقود حركته الجهادية. يقول المؤرخ الفرنسي روجي ليفينو في كتابه حرب الريف:

“لم يكن ابن عبد الكريم مجرد قائد عسكري بل كان مرجعاً دينياً يستمد شرعيته من العلم الشرعي، وكانت فتاواه تُحوّل الفلاحين العزّل إلى محاربين متحمّسين”

  • النموذج الرابع: علامة المغرب محمد بلعربي العلوي (ت1384هـ)

“الفقيه و العالم، شيخ علماء فاس وأحد زعماء المقاومة الوطنية ،وقف بقوة في وجه مشروع الظهير البربري 1930م الذي أراد الفرنسيون به تفتيت الوحدة الدينية والقانونية للمغاربة، وأصدر فتاوى صريحة ضده. ناضل ضمن علماء المقاومة الوطنية إلى جانب علال الفاسي ضد سياسة التفريق الديني والعرقي بالمغرب” [16].

 وقد كانت الحركة العلمية في فاس في طليعة المناهضين للظهير البربري؛ إذ أصدر علماء القرويين بياناً شرعياً تاريخياً جاء فيه:

“إن هذا الظهير المشؤوم يُهدد وحدة الأمة المغربية في دينها وقانونها ولغتها، وهو اعتداءٌ صريح على الشريعة الإسلامية التي جاءت لتوحيد الناس لا لتفريقهم، وواجبنا الشرعي رفضه ومقاومته بكل وسيلة مشروعة” .[17]

ثامناً: فقهاء المقاومة في مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال (1350-1376هـ)

مع تنامي الحركة الوطنية المغربية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وجد العلماء أنفسهم في موقع القيادة الأيديولوجية للحركة الاستقلالية؛ فكانوا يُصدرون الفتاوى ويُلقون الخطب ويكتبون المقالات ويُؤسّسون الجمعيات ويُشاركون في صياغة المطالب الوطنية.

  • النموذج الأول: العلامة علال الفاسي (ت1394هـ)

     زعيم حزب الاستقلال وفقيه المقاومة الوطنية، جمع بين الفقه المالكي والفكر الإصلاحي الإسلامي والنضال الوطني. كان رئيساً لحزب الاستقلال ومرجعاً علمياً معاً، ودفع ثمن مواقفه بالنفي إلى الغابون ثم مقاطعته ومحاصرته.

يرى علال الفاسي أن الجهاد الوطني التحرري هو الوجه المعاصر لجهاد السلف، ويقول في ذلك:

“إن استقلال المغرب ليس مطلباً سياسياً بحتاً، بل هو فريضة دينية؛ لأن بقاء الاحتلال يعني بقاء القهر والظلم وتعطيل أحكام الله في أرض المسلمين، والجهاد من أجل رفع هذا الظلم جهادٌ في سبيل الله”.[18]

     لما كان الاستقلال مطلبا سياسيا وفريضة إسلامية نهض الفقهاء بالواجب لرفع الظلم المانع من تنزيل أحكام الله على أرض المسلمين.

    قضايا الوطن والشريعة حاضرة في ذهن الفقهاء غائبة عن المسالمين الموالين من فقهاءِ التبرير والخنوع.

  • النموذج الثاني: الشيخ الفقيه محمد الحجوي الثعالبي (1956م)

“وزير المعارف في المغرب وعالم القانون الإسلامي، ناضل من أجل الحفاظ على التعليم الديني الإسلامي في مواجهة السياسة الفرنسية التي سعت إلى تفريغ المدارس المغربية من محتواها الديني. وضع مشاريع تعليمية وطنية بديلة وكان يعدّها أشد وطأةً على المستعمر من الأسلحة”.[19]

  • النموذج الثالث: القاضي الشهيد محمد بن لحسن الوزاني (ت 1959م)

 “عالم من أعلام الحركة الوطنية، اعتُقل بسبب مواقفه الوطنية الصريحة ومعارضته للسياسات الفرنسية، وقضى في السجن حتى وافته المنية. كان يُصدر الفتاوى التي تُقرّر عدم شرعية التعاون مع المستعمر” [20] .

تاسعاً: تحليل الظاهرة – لماذا كان الفقيه المغربي مجاهداً؟

1 – الخصوصية الجغرافية والتاريخية

يرى المؤرخ المغربي عبد الله العروي أن الموقع الجغرافي للمغرب جعله في مواجهة دائمة مع الضفة الأوروبية، مما أنتج ثقافة مقاومة متجذّرة في النسيج الاجتماعي والديني معاً:

“إن المغرب بموقعه على ملتقى الحضارات وفي مواجهة الضفة الأوروبية لم يعرف الترف النظري المحض؛ فالعلم فيه كان دائماً في خدمة الحياة والمقاومة والبقاء”.[21]

 2 – البنية الاجتماعية: الفقيه والقبيلة والزاوية.

أدّت الزاوية في المغرب دوراً استثنائياً في ربط الفقيه بالقاعدة الشعبية؛ فالزاوية لم تكن مجرد مؤسسة دينية بل كانت في أحيان كثيرة مقراً للحكومة الموازية التي تقود المقاومة حين تتقاعس الدولة الرسمية أو تسقط. يقول المؤرخ الأمريكي كليفورد غيرتز:

“في المغرب كانت الزاوية مفصلاً بين الديني والسياسي، وكان شيخها يتمتع بسلطة روحية وسياسية واجتماعية تجعله في أحيان كثيرة أقوى من الحاكم الرسمي وأكثر تأثيراً في توجيه الجماهير نحو المقاومة”

 تعمل السلطات عبر التاريخ على تحجيم وتقزيم دور الفقيه حتى لا ينافسها على دورها السياسي المجتمعي ، لذلك أغلقت عليه داخل الجامع ورسمت له خطوطا حمراء لا يتحاوزها.

  طبيعة السلطة الخوف من كل صوت حر مستقل واع له موقف مختلف .

  3- الفقه المالكي وقاعدة الدفاع عن الوطن

يُشكّل الفقه المالكي الذي يسود في المغرب الإطار النظري لكثير من مواقف الفقهاء المقاومة؛ إذ يُكثر من التركيز على جلب المصالح ودفع المفسدة، وهي مفاهيم تُتيح للفقيه تطوير موقف جهادي مرن لمعالجة المستجدات. يقول الفقيه ابن رشد الجد:

“الجهاد فريضة كفاية في الأوقات المعتادة، فإذا داهم العدوُّ ديارَ المسلمين وبلاد الإسلام صار فريضة عين على كل مسلم بلغ وعقل وقدر ولو بالسلاح أو بالمال أو باللسان أو بالقلب”.[22]

  4ظاهرة مقاومة السلطان: الفقيه والسلطة.

   من أبرز ما يُميّز تجربة الفقيه المغربي شجاعته في مقاومة السلطان حين ينحاز لسياسات تُعارض الشرع أو تُضعف المقاومة ضد المحتل. وهذه الخاصية نادرة في تاريخ العلاقة بين العلماء والسلاطين في العالم الإسلامي. يقول المؤرخ الفرنسي جاك بيرك:

“الفقيه المغربي لم يكن خادماً للسلطان بل كان رقيباً عليه؛ وحين يخرج السلطان عن مسار الإجماع الشعبي الديني كان العلماء يُشكّلون الضمير الجمعي الذي يُعيده إلى الجادة”

عاشراً: خاتمة بأبرز النتائج

النتيجة الأولى: أن الفقيه المغربي عبر قرون متعاقبة لم يكن نمطاً واحداً بل كان أنماطاً متعددة: المفتي المحرّض على الجهاد، والعالم القائد للحملات العسكرية، وشيخ الزاوية منظّم المقاومة الشعبية، والفقيه المعارض للسلطان حين يتقاعس.

  حركة فقهية حيوية نشطة فاعلة مستبصرة بالواقع.

النتيجة الثانية: أن الحضور الجهادي للفقيه المغربي لم ينقطع منذ التأسيس الإدريسي حتى الاستقلال، وأن هذا الاستمرار يكشف عن ثقافة دينية متجذّرة ترفض الفصل بين العلم والعمل والجهاد.

   حركة فقهية جامعة للعلم والعمل والجهاد.

النتيجة الثالثة: أن الفقه المالكي بمرونته في باب المصالح والأعراف أتاح للفقيه المغربي هامشاً واسعاً من الاجتهاد الجهادي التكييفي الذي يُواجه العدو بما يناسب مواجهته.

  الفقه المالكي منفتح على الجهاد وسريع التجاوب مع قضايا العصر والتكيف مع المستجدات.

النتيجة الرابعة: أن الزاوية والمدرسة والمسجد شكّلت مثلثاً مؤسسياً مقاوماً ظلّ يُغذّي الحركات الجهادية بالرجال والعلم والشرعية الدينية عبر الأجيال.

    التحالف الثلاثي: التربية والتعليم والقوة ، تحالف مصيري عبر التاريخ للدفاع عن الوطن .

النتيجة الخامسة: إن مقاومة الفقيه للسلطان حين ينحرف عن مسار الجهاد تُمثّل خاصية ثقافية مغربية فريدة أسهمت في الحفاظ على الهوية الإسلامية في أصعب مراحلها.

   السلطان أحوج الناس إلى النصح والتوجيه ، والفقيه من أولوياته تنبيه السلطان في كل لحظة لتستقيم سفينة الوطن.

         أنجز بتاريخ 18 ذي الحجة 1447


 المختار السوسي، المعسول، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1960م، ج1، ص47 [1]

  [2]  الناصري، الاستقصا، ج1، ص112.

 [3]  ابن أبي زرع،روض القرطاس، ص 101 ط 1999.

 ابن خلدون، العبر، ج6، ص 185.[4]

 التادلي، التشوف، ص173.[5]

 ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، ج3، ص71. [6]

[7]    فتوى ابن لب الغرناطي، عن( الونشريسي، المعيار المعرب، ج2، ص165(.

[8]  المعيار المعرب، ج2، ص120-121

 [9] عبد الله كنون، النبوغ المغربي، ج1، ص94.

[10]  إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، ط 1985م، ج2، ص312

[11]  الناصري، الاستقصا، ج7، ص89

 عمر الحسيني، أحمد بن إدريس حياته وفكره، ص67 [12]

[13]  محمد المنتصر الكتاني، الزاوية المغربية في إفريقيا، 2005م، ص89

[14]  المصدر عبد الودود ولد الشيخ، ماء العينين حياته وجهاده، ص44؛ المختار السوسي، المعسول، ج8، ص17

[15]  أحمد بن سودة، إتحاف المطالع، ص312.

 [16] علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص189

[17]  علال الفاسي، المصدر السابق، ص191

[18]  علال الفاسي، النقد الذاتي، ص287.

[19]  الحجوي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ج1، مقدمة المحقق

[20]  ابن سودة، إتحاف المطالع، ج3، ص97

[21]  عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب.

[22]  ابن رشد الجد، المقدمات الممهدات، ط 1988م، ج1، ص258.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.