“الإنصات: مفتاح تجاوز المغالطات وبناء الثقة في الحراك الشبابي“
عزالدين صمبة
حين يعلو صوت الشباب في الساحات، فليس ذلك صخبا عابرا ولا نزق لحظة، بل هو رجع صدى لكرامة تستصرخ، وعدالة تطلب، ونبض أجيال أثقلتها الجراح وتاقت إلى العيش الكريم. غير أنّ هذا الصوت، بدل أن يُستقبل بآذان واعية وصدور مسؤولة، كثيرا ما يواجه بجدار من الاتهامات، ويحاصر بأمواج المغالطات التي تحول مسار النقاش من جوهره الأصيل إلى هوامش مضللة، وتفرغ المطالب من محتواها.
والمغالطة ليست عثرة في التفكير فحسب، بل سلاح مسموم يشوه الحقائق، ويربك الرأي العام، ويجهض فرص الإصلاح. وقد حذر القرآن الكريم من هذا المسلك حين قال:﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُ﴾ [النجم: 23]،
فالهوى والظنون إذا تسلطت حجبت البصيرة، وأعمت عن العدل والإنصاف.
وإن أخطر ما يتهدد السلم الاجتماعي أن تستبدل فضيلة الإصغاء بثقافة التشويه، وأن يتحول المطلب المشروع إلى تهمة، والنداء الصادق إلى جريمة. إن ما يرفعه شباب اليوم من مطالب هو في جوهره دعوة إلى عدل يقيم الميزان، وتعليم يحرر العقول، وصحة تحفظ الأبدان، وعيش كريم يصون الكرامة الإنسانية. لكن عوض أن تفتح أمام هذه المطالب أبواب الحوار الوطني، يشيطن الحراك بخطاب ماكر يجرد المطالب من شرعيتها، ويزرع الريبة بين أبناء الوطن الواحد.
وهكذا تتحول المغالطات إلى معاول تهدم جسور الثقة، وتعمّق الشرخ بين الدولة والمجتمع، وتغرّب الشباب عن أوطانهم. ولو أن هذه المغالطات أُزيحت، وحل محلها نهج الإصغاء والعدل، لانقلب الخلاف إلى فرصة للتلاقي، وصار النقد جسرا إلى الإصلاح، وتحول صوت الساحات إلى رافعة للبناء لا معولا للهدم.
إن المغالطات هي التي تحرف المعنى وتشوّه المطالب، وقد غدت للأسف جزءا من الخطاب السائد في مواجهة أي حراك شبابي. ومن أبرز هذه المغالطات:
1-مغالطة التعميم
هذه المغالطة تختزل الحراك الشبابي كلّه في صورة فرد أو حادث معزول، فيتهم الجميع بالفوضى أو العنف. وهنا تطمس حقيقة المطالب المشروعة تحت غبار الاستثناءات، ويعاقب البريء بذنب المسيء. والعدل يقتضي النظر بعين التمييز، فلا يختزل مئات الآلاف في سلوك قلة، ولا يلغى حق الجماعة بخطأ الفرد. وقد نهى القرآن الكريم عن ظلم الآخرين بسبب البغض أو الهوى، فقال: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فالتعميم لا يقتل الحقيقة فحسب، بل يرسخ ثقافة الجور، ويسقط هيبة العدل.
2-مغالطة التخوين
تساق التهم جزافا، فينظر إلى كل ناشط على أنه عميل، أو كل متظاهر على أنه أداة لأجندة خارجية. وهذا مسلك خطير، لأنه ينقل النقاش من المطالب إلى محاكم تفتيش للنوايا. إن تخوين المواطن بغير بينة هو اغتيال لمصداقيته، وتشويه لحقه في المطالبة بالعدل. وقد وضع النبي ﷺ قاعدة ذهبية حين قال: “ولكن البينة على المدعي” (رواه البيهقي)، أي أن الأصل في الناس البراءة لا الاتهام. إن مغالطة التخوين تزرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، وتجعل من كل صوت حر هدفا للتشكيك والتصفية المعنوية.
3- مغالطة رجل القش
يتم تحريف المطالب لتقدّم للجمهور في صورة مشوّهة، فمثلا حين يطلب الشباب تعليما أفضل وفرصا عادلة، يُقال إنهم يسعون للفوضى أو لإسقاط هيبة الدولة. وهكذا يحارب خطاب مصنوع، لا حقيقة المطالب. هذه المغالطة تخرج النقاش من دائرة العقل إلى ميدان الوهم، وتفقد المجتمع القدرة على معالجة القضايا الجوهرية. وقد أمر الله تعالى بالصدق في الشهادة حتى على النفس: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ [النساء: 135]. إن أخطر ما في “رجل القش” أنه يقتل القضية الأصلية بإغراقها في صورة زائفة.
4-مغالطة الشخصنة
حين يهاجَم الأشخاص بدل الأفكار، ويستبدل النقاش البناء بالقدح الشخصي، فيتهم ناشط في دينه، أو تنبش خلفياته الحزبية، أو تستحضر حياته الخاصة لتسفيه رأيه. وبهذا ينقلب الحوار من مناقشة موضوعية إلى تصفية حسابات. الشخصنة لا تقوي الحجة، بل تكشف عجزا عن الردّ على مضمونها. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. إن حرية الرأي لا تقاس بماضي الأفراد ولا بخلفياتهم، بل بصدق الفكرة ومشروعيتها.
5- مغالطة العاطفة
معها يستبدل النقاش العقلاني بإثارة الخوف أو التهويل، فيقال إن الاحتجاج سيؤدي إلى الفوضى، وإن المطالبة بالحقوق تهديد للأمن القومي. وهكذا يرهب الناس حتى يسكتوا عن حقوقهم. لكن القرآن الكريم نبّه إلى خطورة اتباع الأهواء والظنون: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُ﴾ [النجم: 23]. فالعاطفة إذا تحكمت قتلت ميزان العقل، وجعلت الحقائق رهينة الخوف. والمجتمعات لا تبنى على الخوف، بل على الثقة والعدل والإنصاف.
6-مغالطة الأبيض والأسود
يصوّر المشهد وكأن لا خيار إلا الخيانة أو الولاء المطلق، مع أوضد، فيحرم الناس من مساحة وسطى تسمح بالنقد المسؤول والاعتراض البناء. وهذا منطق إقصائي يلغي التعددية، ويجعل الرأي المخالف خيانة. بينما الإسلام دعا إلى الشورى، فقال: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ [آل عمران: 159]. فالنقد ليس عدوا للوطن، بل ضمانة لاستقامته. ومنطق الأبيض والأسود ينقل المجتمع إلى معسكرين متنافرين، بينما الأصل أن تبنى الأوطان على مساحة مشترك رحبة.
7-مغالطة المقارنة مع الخارج
حين يقال للناس: “انظروا إلى دول أشد قهرا”، فإن ذلك يفرغ المطالب من مضمونها ويسكت الأصوات المطالبة بالعدل. وهذه المقارنة مغلوطة، لأنها تقاس بالأسوأ لا بالأفضل. فكل أمة مسؤولة عن واقعها، ولا يجوز أن تبرر إخفاقاتها بمصائب غيرها. وقد قال تعالى: ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡ﴾ [البقرة: 134]. إن هذه المغالطة تحول الانتباه عن الواجبات الحاضرة، وتبرر الفشل بحجج واهية.
8-مغالطة ربط التقدم بالمنجزات السطحية
فمثلا حين تقدّم البنية التحتية أو الإنجازات الرياضية باعتبارها مقياس النهضة، بينما يهمّش التعليم ويغيب العدل وتهمل الصحة، فإن الأولويات تقلب رأسا على عقب. إن هذه المغالطة تسوق صورة براقة تخفي جراحا عميقة. فالعمران الحقيقي لا يقاس بالإسمنت والزينة، بل بكرامة الإنسان وعدل المجتمع. وقد قال رسول الله ﷺ: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” (رواه مسلم). فالحاكمية ليست في بناء الجدران، بل في بناء الإنسان.
إن استعمال هذه المغالطات يضعف الثقة العامة، ويزرع الانقسام بين أبناء الوطن، ويقصي الشباب من دائرة الحوار وكأنهم غرباء. وهذا يتناقض مع قول النبي ﷺ: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره” (رواه البخاري).
9- نحو مقاربة بديلة – الإنصات كجوهر للحل
إن الطريق إلى تجاوز حالة الاحتقان لا يكمن في تضخيم المغالطات، ولا في الاكتفاء بالمعالجات الأمنية، بل في استعادة ثقافة الإنصات التي علمنا الإسلام أنها مدخل الفهم، وأن الفهم مقدمة الحكم العادل. فالقرآن الكريم قرن بين السماع والهداية:
﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ﴾ [الزمر: 17-18].
والإنصات ليس ضعفا ولا تراجعا، بل هو شجاعة تفضي إلى حلول واقعية، وحكمة تحفظ وحدة المجتمع. ويمكن أن نجمله في أربعة مستويات:
1–الإنصات الحقوقي
إن الإنصات إلى أصوات المظلومين ليس تفضلا بل هو واجب شرعي وقانوني؛ لأن الله أمر بالعدل حتى مع الخصوم:
﴿ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فإذا كان العدل مطلوبا مع العدو، فهو أولى وأوجب مع أبناء الوطن الواحد. إن الإنصات الحقوقي يعني أن نسمع شكاوى الناس قبل أن تتفاقم، وأن نعترف بمشروعية مطالبهم قبل أن تتحول إلى صرخة يائسة. وهذا هو جوهر فكرة “المسؤولية” في الإسلام؛ إذ قال النبي ﷺ: “الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته” (رواه البخاري ومسلم).
2–الإنصات الاجتماعي
لا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على تماسكه إذا انقطعت لغة التواصل بين طبقاته. والإنصات الاجتماعي يعني الإصغاء إلى نبض الشارع، إلى هموم الفقراء والعاطلين والمرضى. فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لو أن بغلة عثرت في العراق لسألني الله عنها: لمَ لمْ تعبّد لها الطريق يا عمر؟”، فما بالك بآلام البشر ومعاناتهم؟
الإنصات هنا يفتح المجال لسياسات اجتماعية عادلة، ويجعل صوت المواطن حاضرا في صناعة القرار بدل أن يترك يعلو في الاحتجاج فقط.
3–الإنصات التربوي والثقافي
إن أكبر خسارة لأي أمة أن تتحول ساحات الحوار إلى شوارع الغضب. لذلك فالإنصات التربوي والثقافي يقتضي إنشاء فضاءات نقاش حرة ومنابر جامعية، ومراكز شبابية، وندوات فكرية، ومجالس استشارية. هذه الفضاءات تمكّن الشباب من التعبير بوعي، وتدربهم على الحوار المسؤول. وقد جسّد النبي ﷺ هذا المبدأ حين كان يُصغي لآراء أصحابه حتى في دقائق الشأن العام؛ ففي غزوة بدر أخذ برأي الحباب بن المنذر في موقع النزول، مع أنه شاب من عامة المسلمين.
4–الإنصات التشاركي
إن غاية الإنصات أن يتحوّل الشباب من خصوم في الشارع إلى شركاء في البناء. فالوطن لا يبنى بالإقصاء بل بالشراكة، ولا يدار بالتهميش بل بالثقة. قال الله تعالى:﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ﴾ [آل عمران: 159]،
والمشاورة لا تكون إلا بإنصات صادق واعتراف بالآخر. وعندما يستشعر الشباب أن صوتهم مسموع، يتحولون من محتجين إلى مبادرين، ومن ناقدين إلى مساهمين في صياغة الحلول. وبهذا، يصبح الإنصات ليس مجرد خلق فردي، بل مشروعا حضاريا يقوم على أربع دوائر: الحقوق، الاجتماع، التربية، المشاركة. وكل دائرة إذا تم تفعيلها، تحوّل الخلاف معها من تهديد إلى فرصة، ومن أزمة إلى بداية إصلاح.
ختاما لقد علّمنا الإسلام أن الإنصات ليس ترفا خلقيا، بل فريضة شرعية وضرورة حضارية؛ فالقرآن الكريم بني على السماع والتدبر، والسنة قامت على الحوار والمشاورة، وتجارب الخلفاء الراشدين كانت نماذج حية لآذان تصغي وقلوب تعدل. وفي المقابل، فإن المغالطات مهما تعددت أشكالها لا تثمر إلا الشكوك والانقسامات، وتطفئ أنوار الحقيقة.
إنّ الأمم لا تنهض بتكميم الأفواه، ولا بتزيين الواجهات، بل بصدق الإصغاء لأصوات أبنائها، وبالعدل الذي يرفع عنهم الظلم، وبالحوار الذي يحوّلهم من محتجين في الشوارع إلى شركاء في البناء. فإذا غابت هذه القيم، صار الحراك مادة للتخوين والتشويه، أما إذا حضرت، غدا مدرسة للوحدة والإصلاح. لذلك، فإننا مدعوون اليوم إلى أن نعيد الاعتبار لفن الإصغاء، لأنه مفتاح الثقة، وجسر الأمل، وسر استقرار الأوطان. المغالطات تقصي، لكن الإنصات يبني، والمغالطات تطفئ، لكن الإنصات يُنير. وبقدر ما نصغي لشبابنا بوعي ورحابة صدر، بقدر ما نكتب للوطن صفحة جديدة من الوحدة والعدل والطمأنينة.