منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من قبيل العقوق (قصة قصيرة)

من قبيل العقوق (قصة قصيرة)/ محمد حسني

0

من قبيل العقوق (قصة قصيرة)

بقلم: محمد حسني

ثمة جرح يغور عميقا، يغور..
غشيتهم الظنون، وعلى بعضهم البعض بكل قبيح أوغروا الصدور، ولم يزل هذا شأنهم، حتى إذا سقطت السماء، وأخرجت أثقالها الأرض البور، فضح المخبوء المستور…

صفعتها الحياة بمن هم « فلذات الكبد » ، فطروا قلبها، قصموا ظهرها، قتلوها بالبعد والهجران، وما أججت ألسنتهم من نيران، فاحترقت كل المراكب الرحمية..!

وكلما جمعتهم عطلة أو مناسبة إلا وتفجر الموقف سوءا، فانفلتت الألسنة من عقلها، وتعالى صراخهم، واختلطت أصواتهم، وشهروا بنادق القطيعة بينهم، وتبودل إطلاق الرصاص الشتائمي، والألفاظ الوقحة، الجارحة، وتكرر ذلك مرارا..!

فقد وجد بينهم من لم يكتف بالفضيحة المجلجلة التي وصلت أصداؤها للخاص والعام، حتى سعوا جاهدين للإجهاز على ما تبقى من طمأنينة بتغذية الكراهية وإذكاء جذوتها على الدوام..

فهذا يلقي باللائمة على ذاك، وتلك تسعى لتسجيل أهداف متوهمة في شباك الأخرى، وكلما التقطت أسماعهم كلمات أو وشايات من هنا أو هناك تجدد الموقف الهزلي…

بينما المسكينة تحت وطأة الصدمات المتتالية تكابر لتخفي دموعها، وقد ساءت صحتها، وارتفع ضغطها، وتعبت أعصابها، وحيدة، شاحبة، ذابلة، تجتر آلامها، غصصها، في صمت رهيب، دون أن يحفل بها أحد..

يتقاذفونها بينهم مثل الكرة، وهمّ كل واحد، أو واحدة منهم أن تكون في صفه أو صفها دون الآخر، وإلا تردد على مسمعها التهمة اليعقوبية الجاهزة « ليوسف أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة »، وصورهم الباهتة، الخائبة، تتراقص أمام عينيها الواهنتين…

وفي كل مرة تحاول أن تصرخ فيهم، وترد على تخرصاتهم، وغمزاتهم، لكن يغلبها حياؤها، ولا يطاوعها لسانها، وتترك دفاعها لمن يملك أزمة قلوبهم، وعقولهم، دعاء بالنهار، وبكاء بالأسحار..

فكم شوهدت في الشوارع، أو الأماكن العامة منكسرة، هائمة على وجهها، ذاهلة عما حولها، على حافة الجنون، تكلم نفسها، تتعثر بأذيالها، تطلق آهات، وزفرات من بئرها اليوسفي القصي..

بالأمس القريب فقط كانوا « فيران »، وسرعان ما شبوا «_ أو ولاوا _ ثيران »، وقد يعجلون بوفاتها قبل أن يصيروا « جيران »..!

واحتار الأقارب والأباعد في إيجاد تفسير مقنع لما يحدث، وتناسلت استفهاماتهم الإستنكارية، متى سيدرك هؤلاء أخطاءهم؟! كيف هانت عليهم أمهم؟! ما الجرم الذي اقترفته في حقهم/ حقهن؟! فلم يجدوا سببا وجيها لكل هذا العداء..!

لينصحها أشقاؤها في الختام أن تجعل في موضع قلبها حجرة صماء وتطوي صفحتهم، وتنزوي في بيتها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا..!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.