الْمَعْرِفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ ذَلِكَ الْكَائِنُ النورانيُ الْمُقَدَسُ الَّذِيْ يَسْكُنُ الْقَلْبَ ويَسْتَوْطِنُ حَشَاهُ، وَيَتَبَدَّىٰ فِيْ أَفْعَالِ الإِنْسَانِ أَخْلَاقَاً، وَفِيْ عَقْلِهِ فَهْمَاً، وَفِيْ قَلْبِهِ إِيْمَانَاً !!
وَكُلَّمَا أَخْلَصَ الْقَلْبُ لِلَّهِ، تَأَجَّجَ رَوْحُ ذَلِكَ الْمَخْلُوْقِ الرَّبَّانِيِّ، واْنْبَعَثَتْ مِنْهُ أَشْوَاقٌ سَاطِعَةٌ تُضِيْئُ رَدَهَاتِ نَّفْسِه، وَتُبْهِرُ عُيُوْنَ حَيْرَتِهِ، وَتُرَدُّ رَيْبَ مُجُوْنِهِ، وَتُخْلَقُ فِيْ نَفْسِهِ جَوّاً مقدساً يُجْعَلُ رُّوحَهُ تَتَنَفَّسُ مِنْ وَاحَاتِهِ، وَتَهِيمٌ بِأَشْوَاقِهَا فَوْقَ أَفْلَاكِ الْكَوْنِ، وَتَدَعُه فِيْ غَشْيَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَوْقَ العُرُوْشِ والتِيْجَانِ، وَوَرَاءَ الْعُقُولِ وَالْإِفْهَامِ، وَأَبْعَدَ مِنْ كُلِّ حَدْسٍ وَجَنَانٍ !!
وَقَلِيلٌ قَلِيلٌ ذَلِكَ الشَّخْصُ النورانيُ الْهَائِمُ بِرُوحِهِ تَحْتَ عَرْشِ رَبِّهِ، سَامِعًا صَوْتَ الْحَقّ مُجَلْجِلَاً، وَنَاظِرَاً أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ مُغَرِدَاً، وَمُتَفَيِئَاً ظِلالَ الْإِنْسِِ فِيْ حَضْرَةِ الْحِكْمَةِ الْعُلْوِيَّةِ الَّتِيْ لِأَجْلِهَا خُلِقَتْ الْحَيَاةُ وَسُطِرَتْ الْأَقْدَارُ، وَوَزِّعَتْ الْأَدْوَارُ !!
وَفِي حَالَاتِ انفكاك الْعَقْلِ مِنْ قَيْدِهِ، وانْطِلَاقَةِ الرُّوْحِ فَوْقَ سِرِّهَا، وَتَأَلَّقِ الْقَلْبِ فِيْ نَوْرِهِ، تَتَنَزَّلُ الْأَنْوَارُ، وتَتَفَتَُق أَكْمَامُ الْحِكْمَةِ عَنْ مَعَانِيْهَا، وَتَزْدَهِرُ وُرُوْدُ الْحَقِّ، فَيَتَحَوَّلُ العَابِدُ فِي تِلْكَ الرِّحَابِ إلَىٰ طَاقَةٍ مِنْ نُورٍ، لَا يَرَاهُ الرُّمَدَاءُ وَلَا الْأَكِفَاءُ، وَتَرَاهُ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ وَتُسَبِحُ رَبَّهَا هَائِمَةً حَوْلَ عَرْشِ قَلْبِهِ تُبَشِرُهُ الْجَنَّةَ وَالرِّضْوَانَ، وَتَسْتَحِثُ الزَّمَنَ ليَنْكَمِشَ فَيُعَجِلُ بِلِقَائِهِ مَعَ كُلِّ مِنْ كَانَ قَلْبُهُ الْحُبَّ، وَعَقْلُهُ الْإِنْسَ وَضَمِيرُهُ السَّلَامَ وَخُلُقُهُ الرَّحْمَةَ، وَمَسْلَكَهُ الْمُسَامَحَةَ، وَمِنْطَقُهُ الْعَطْفَ، وَطَبِيْعَتُهُ الْإِغْضَاءَ !!
فَالْمَعْرِفَةُ الْحَقَةُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَيُمْسِكُ بِهِ عَلَىٰ عَبْدِهِ إيمَانَهُ، وَيَجْعَلُهُ فِي طُمَأْنِينَةٍ دَائِمَةٍ، وَالنَّاسُ مِنْ حَوْلِهُ هائِمُوْنَ حَوْلَ أَصْنَامَهِمْ الّتِي عَبَدُوْهَا كَمَا عَبْدَهَا أَسْلَافُهُم حِينَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ مَا عَبَدُوهَا إلَّا لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ !!
الْمَعْرِفَةُ أَلْحَقَهُ زَادُ الْعَارِفِينَ، وَبَصِيرَةُ الْمُتَّقِينَ، وَجَنَّةُ الْعَابِدِينَ !!