التزام التبرع (3) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي
التزام التبرع (3) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي/ الدكتور أحمد الإدريسي
التزام التبرع (3) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
اعتبار محفظة التأمين محفظة تعاونية(2) التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي
قبل مناقشة تكييف التأمين التكافلي على أساس التزام التبرع، والاستدلال على صحته عند أغلب الفقهاء، سأوضح رأي من قالوا: “إن تكييف التأمين التكافلي على أساس هبة الثواب لا يصح”، مع بيان أدلتهم.
أولا: تكييف التأمين التكافلي على أساس “هبة الثواب”، لا يصح.
بعض العلماء المعاصرين كيفوا التأمين التكافلي على أساس الهبة بشرط العوض، وهي التي يعبر عنها الفقهاء ب”هبة الثواب”. حيث قالوا: يجوز أن يدفع حامل الوثيقة إلى المحفظة هبة بشرط أن تعوضه المحفظة بالتعويض التأميني عند توفر الشروط، وبجزء من الفائض التأميني.
ولكن تكييـف التأمين التكافلي على أساس الهبة بشرط العوض أو “هبة الثواب” لا يصح، لأن أغلب الفقهاء قالوا: إن الهبة إذا اشترط فيها العوض فإنه بيع في جميع أحكامه.
قال الحطاب رحمه الله : (وجاز شرط الثواب. ش: يعني أن الهبة تجوز بشرط الثواب، وسواء الثواب الذي يريد أم لا. أما إذا عينه فقالوا: إنها جائزة، وهي حينئذ من البيوع. قال في التوضيح : كما لو قال: أهبها لك بمائة دينار. ويشترط في ذك شروط البيع”[1]. وقال أيضا: (… فهذا من باب هبة الثواب. وقد صرحوا بأنه إذا سمى فيها الثواب أنها جائزة، ولم يُحك في ذلك خلاف، وأنها حينئذ بيع من البيوع، فيشترط في كل من الملتــزَم له والملتـزِم عليه ما يشترط في الثمن والمثمون من انتفاء الجهل والغرر، إلا ما يجوز فى هبة الثواب كما سيأتى ذكره في التنبيه الرابع، ويشترط فيها أيضا كون كل منهما طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه)[2]. وقال الطوري، في هذا الباب: “ولو وهب الواقف الأرض التي شرط فيها الاستبدال به ولم يشترط عوضا لم يَجُـز، ولو شرط عوضا فهو كالبيع”[3].
وقال البهوتي: (وإن شرط الواهب فيها –أي في الهبة- عوضا معلوما صارت الهبة بيعا، فيثبت فيها خيار مجلس ونحوه، ويثبت فيها شفعة إن كان الموهوب شقصا مشفوعا، ونحوهما كالرد بالعيب … ووجوب التساوي مع التقابض قبل التفرق في الربوي المتّـحد، لأنه تمليك بعوض معلوم. أشبه ما لو قال: بعتك أو ملّـكتك)[4].
وخلاصة الأمر أنه لا يصح تخريج التأمين التكافلي على أساس “هبة الثواب”. واالله أعلم.
ثانيا: تكييف التأمين التكافلي على أساس التزام التبرع.
من التكييف الشرعي للتأمين التكافلي الذي اختاره جمع من العلماء المعاصرين هو أن حامل الوثيقة يلزم نفسه بالتبرع لمجموعة المستأمنين المالكين لمحفظة التأمين. وما يحصل عليه المستأمن المتضرر هو أيضا التزام بالتبرع من محفظة الئأمين، وهو التزام معلق على وقوع الضرر المؤمن منه وتحقق الشروط وانتفاء الاستثناءات. والملتزم له هو المستأمن المتضرر.
وهذا التكييف مبني على أصل عند السادة المالكية؛ “من ألزم نفسه معروفا لزمه”. وقد توسع الشيخ الحطاب رحمه الله في بيان أنواع هذا الالتزام وأحكامه. ومن ذلك قوله: (من التزم الإنفاق على شخص في مدة معينة، أو مدة حياة المنفق أو المنفق عليه، أو حتى يقدم زيد أو إلى أجل مجهول؛ لزمه ذلك ما لم يفلس أو يمت، لأنه تقدم في كلام ابن رشد أن المعروف على مذهب مالك وأصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه ما لم يفلس أو يمت، والفروع الآتية كلها صريحة فى القضاء بذلك)[5].
ويظهر هذا البديل واضحا حينما نتصور أن شركة التأمين أنشأت محفظة للتأمين تلتزم التبرع بتعويض أضرار الناس بشرط أن يلتزموا بالتبرع إليها، لأن المحفظة لا تتبرع بالتعويض لمن لا يتبرع بالأقساط. ومتى اشتُرط الالتزام بأن يدفع الملتـزَم له شيئا للملـزِم، فإنه يأخذ حكم هبة الثواب عند المالكية أنفسهم الذين أبدعوا فكرة التزام التبرع. يقول الحطاب رحمه الله تعالى: (النوع الخامس: الالتزام المعلق الذي فيه منفعة للملتـزِم -بكسر الزاي-. وهو على أربعة أوجه، وذكر منها “أن يكون الفعل المعلق عليه إعطاء الملتــزَم له للملتـزِم أو لغيره شيئا وتمليكه إياه، نحو إن أعطيتني عبدك أو دارك أو فرسك فقد التزم لك بكذا”)[6].
ثم إن ما يتبرع به حامل الوثيقة أو المستأمن إلى المحفظة هل يخرج من ملكه أو لا يخرج؟ فيه أقوال متعددة، نذكر منها:
– ذكر بعض العلماء أن هذا التبرع مشروط بوقوع الأضرار المؤمن عليها. وإن كان كذلك فإن التبرع لا يتم إلا عند وقوع الشرط، فينبغي أن تظل الأموال مملوكة لأصحابها إلى أن يوجد الشرط فيجري فيها الميراث وتجب فيها الزكاة.
– ذكر بعض العلماء الذين كتبوا فى تكييف التكافل التأميني أن محفظة التأمين مملوكة لمجموعة المستأمنين. وعليه؛ ينبغي أن تجب الزكاة على المستأمنين في جميع ما دفعوه من أقساط، كما ينبغي أن يجري فيها الميراث، مع أنه يصعب في النظام التكافلي السائد اليوم أن تخضع أموال المحفظة لأحكام الميراث.
– ذكر بعض العلماء أن هذا التبرع تبرع جزئي وليس كليا، وإن كان كذلك، فينبغي أن يتميز القدر المتبرع به عن غيره، حتى تجب الزكاة في غير المتبرع به وتجري فيه المواريث، لأن الأقسام المدفوعة من المستأمنين خرجت من ملكهم وإنهم تبرعوا بها للمحفظة، فينبغى أن لا يبقى لهم أي حق في هذه الأقسام، فلماذا إذن يرجع إليهم الفائض التأميني بحكم العقد؟
تعليق:
إن هذا التخريج وإن كانت له وجاهته، فإنه لا يخلو من مؤاخذات، لأن الالتزام إن كان من شخص واحد فلا شبهة فى كونه التزام تبرع حسب ما ذكره المالكية، ولكننا أمام التزامين من طرفين مرتبط كل منهما بالآخر.
وتبقى مجموعة من الأسئلة عالقة، يجب البحث فيها، ليكون التأمين التكافلي على أساس هذه الصيغة موافقا لأحكام الشريعة الإسلامية، وهي:
– هل يعتبر وجود الشرط عند أول ضرر يلحق أحد المستأمنين؟
– عند وجود الضرر، كيف يتم حساب قدر التبرع من أقساط مستأمن واحد؟
– إذا لحق أحدَ المستأمنين أضرارٌ كثيرة دون غيره، هل يستحق جزءا من الفائض عند وجوده؟
– هل يقسم تعويض كل ضرر على جميع المستأمنين بالنسبة والتناسب، فيعتبر ما أصاب كلَّ مسئتأمن من التعويض تبرعا منه، ويبقى الباقى على ملكه؟
خاتمة:
في ختام هذه السلسة؛ “التأصيل الشرعي للتأمين التكافلي”، أقول وبالله التوفيق:
إن عقد التأمين التجاري يقوم على الغرر الفاحش المفسد للعقود، لأن المستأمن قد يدفع أقساط التأمين ثم لا يقع الخطر المؤمن منه، فلا يأخذ التعويض عما دفع. وقد يدفع قسطا أو اثنين أو ثلاثة ثم يقع له الخطر المؤمن منه، فيأخذ مبالغ كبيرة من صندوق التأمين بغير مقابل، وهذا هو الغرر بعينه. مما يعني أن الغرر قد يقع من وجهين: أن المستأمن لا يدري أيأخذ عوض أم لا؟ وإن أخذ المستأمن عوض، فلا يدري عند التعاقد كم مقداره. لذلك فإنه يغلب الظن على تحقق الغرر.
أما شركات التكافل، فإن أرباح الأقساط فيها مملوكة لمحفظة التأمين التي يملكها المستأمنون. ويبقى الفائض مملوكا للمحفظة، ويوزع كله أو جزء منه على المستأمنين.
كما أن شركات التأمين التكافلي تسعى لتحقيق مجموعة من الأهداف، نذكر منها:
– تقوم باستثمار أموال المحفظة على أساس المضاربة الشرعية، تكون الشركة فيها مضارِبة، وتكون المحفظة رب المال. وتضخ الشركة في وعاء المضاربة جزءا من رأس مالها أيضا، فتستحق ربحها مضافا إلى ما تستحقه بصفة المضارب.
– لا تملك شركة التأمين التكافلي محفظة التأمين، ودورها ينحصر فى إنشاء حساب مستقل لأموالها، ومصاريفها وعوائدها، والتعويضات المدفوعة منها، وفوائدها. ويكون هذا الحساب منفصلا عن حساب الشركة. وقد تؤدي بعض الشركات هذه الخدمات بدون عوض.
– تنشئ محفظة للتأمين، وتطلب من المستأمنين أن يتبرعوا بأقساط التأمين لهذه المحفظة حسب اللوائح والأنظمة المُعلنة من قبل الشركة . وهذه المحفظة هى التى تقوم بدفع التعويضات إلى المستأمنين حسب الشروط المتفق عليها.
– تتزايد مبالغ محفظة التأمين بالعوائد التى تكسبها من استثمار أموالها على أساس المضاربة مع الشركة، وبتزايد المسئأمنين، فإن بقي شيء بعد دفع التعويضات إلى المستأمنين حسب الشروط، فإن جزءا منه توزعه الشركة على المستأمنين حسب اللوائح المنظمة لذلك.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – الشيخ الحطاب. مواهب الجليل في شرخ مختصر خليل. ج:6 / ص: 66.
[2] – الشيخ الحطاب. تحرير الكلام فى مسائل الالـتنام. ص:200.
[3] – الإمام السرخسي. المبسوط. ج:12 / ص: 101. وحاشية ابن عابدين ج:5 / ص: 705-706.
[4] – كشاف القناع. ج:4 / ص: 30.
[5] – الشيخ الحطاب، تحرير الكلام فى مسائل الالتنام. الصفحة: 75.
[6] – الشيخ الحطاب، تحرير الكلام فى مسائل الالتنام. ص:200.