تعلموا اليقين (الحلقة الرابعة) سلسلة معراج الروح
دعاء قرآني نبوي:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
(اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا)
يتعرض المؤمنون في كل أرجاء الأرض، إلى شتى أنواع الفتن والمحن. يُفتن المؤمن بنوازع نفسه، ونزغات شيطانه، كما يُفتن من محيطه، وفي مصادر رزقه، ويلقى العنت جراء التسلط الداخلي، والتكالب الخارجي على الأمة، الذي ازداد شراسة وانكشافا في العدوان الأخير على غزة. حروب ضارية، يحتاج فيها المؤمن إلى سلاح اليقين، يُعِينه على الصبر والتحمل والثبات، مهما عظمت التضحيات. اليقين فيما عند الله من ثواب، وفيما وعد به المؤمنين المجاهدين، من نصر وكرامة وتمكين في الأرض. فما هو اليقين؟ وكيف نتعلمه؟
الاهداف:
معرفي: أن نتعرف ماهية اليقين
وجداني: أن نحس فضل ونور وبركة اليقين
سلوكي: أن نتعلم اليقين.
المحاور الرئيسية للموضوع:
مقدمة
ماهية اليقين (تعريف + مادة يقن في القرآن + مقاماته + أقوال فيه)
سبل تعلم اليقين
نماذج من صورخالدة في اليقين
دور الصحبة في تثبيت اليقين
أثر اليقين على السلوك الفردي والجماعي
أسئلة للتمهيد:
ما معنى اليقين؟
أذكر آيات وأحاديث في اليقين؟
ما هي درجات ومقامات اليقين من خلال القرآن؟
ما هي سبل تعلم اليقين؟
هل للصحبة دور في تثبيت اليقين؟
أذكر صور عن اليقين في حياة الرسل والصحابة والتابعين؟
مقدمة
في سيره إلى الله عز وجل وجهاده، يحتاج المؤمن إلى إعداد القوة المادية والمعنوية لاقتحام العقبة، كما تحتاج إلى ذلك جماعة المؤمنين. ولعل من أهم هذه القوة المعنوية اليقين في الله، وفيما عند الله، ذلك الزاد الإيماني الذي يغمر قلب المؤمن، والنور الذي يضئ دربه ويسلك به الطريق المستقيم، طريق الإمامة في الدين والتمكين متى توفرت الشروط، يقول الله عز وجل في سورة السجدة الآية 24 ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾.
من المعاني القلبية الإحسانية اليقين. ذلك الزاد والنور الذي يضيء درب السالك الى طريق الامامة في الدين.
وصف به الله المؤمنين فسماهم بالموقنين حين أيقنوا بالله ربًّا وإلهًا، وأيقنوا بالآخرة وبلقاء الله، وأيقنوا بما وعد به اللهُ ورسولهُ صلى الله عليه وسلم المؤمنين في الدنيا من نصر وتمكين.
اليقين بموعود الله ورسوله لعباده الصالحين بالوراثة والخلافة فيه ابتلاء للمؤمنين، لأنه مرتبط بسنة التدافع والصراع بين أهل الحق والباطل. فحين يشاهد المؤمن مجريات الأمور لا تسير على طريق النصر والتمكين قد يساوره بعض الشك وفقدان الأمل فينقص يقينه في موعود الله ورسوله وثقته في نصر الله.
ولهذا حتى يثبت له اليقين الكامل لا بد من تعلّمه لليقين فإنه يُتعلم كما يُتعلم القرآن، هذا من جهة،
ومن جهة ثانية لا بد له من إيمان قوي يتأسس عليه هذا اليقين. وهذا ما تتيحه الصحبة وتحقّقه: تقوية الإيمان وتعليم الإيقان.
فما اليقين إذن؟ وما السبيل إليه؟ كيف يتعلم؟
ماهية اليقين وأهميته
يقول أهل اللغة يَقَنَ يَيْقَنُ يَقَناً ويقْنا: وضَح وثبت الأمر فهو يقين- أيْقَن يُوقِنُ يقينا: علِم وتحقق. اليقين في اللغة هو العلم وإزاحة الشك وتحقيق الامر، قال ابن القيم رحمه الله: (ومنزلة اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد… به تفاضل العلماء وإليه شمر العاملون، وفيه تنافس المتنافسون)
إنه الإيمان كله، والاطمئنان كله، قال تعالى لنبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿قال ألم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾
قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله: (لو أشرق لك نور اليقين لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها)
جاء في مسند الإمام أحمد أن أبا بكر رضي الله عنه خطب في الناس يوما فقال: قال صلى الله عليه سلم: «يا أيها الناس إن الناس لم يعطوا في الدنيا خيرا من اليقين والمعافاة فسلوهما الله عز وجل».
åوعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه».
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعلم اليقين كما نتعلم الآي من القرآن الكريم وحذرنا من مغبة السقوط في الشك وضعف اليقين، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري والبيهقي: (ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين)
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «اليقين الإيمان كله»
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)
مادة اليقين في القرآن
وردتْ مادة يَقِنَ في القرآن باشتقاقات مختلِفة
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (الحجر 99)
وجئتك من سبأ بنبإ يقين – (النمل 22)
إن هذا لهو حق اليقين (الواقعة 95)
وإنه لحق اليقين (الحاقة 51)
حتى اتانا اليقين (المدثر 47)
كلا لو تعلمون علم اليقين (التكاثر 5)
ثم لترونها عين اليقين (التكاثر 7)
وبالآخرة هم يوقنون (البقرة 4)
تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (البقرة 118)
أ فحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (المائدة 50)
الذين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (النمل 3) (لقمان 4)
وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (النمل 82)
فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (الروم 60)
وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (السجدة 24)
وفي خلقكم وما يبث من دابة أيات لقوم يوقنون (الجاثية 4)
هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (الجاثية 20)
أم خلقوا السماوات و الارض بل لا يوقنون (الطور 6)
ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (السجدة 12)
مقامات اليقين ودرجاته
هناك من عدّ اليقين أو الإيقان مقاما من مقامات الإحسان كما يذكر ذلك الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه الإحسان، وهناك من جعله مرتبة من مراتب الدين ودرجاته، التي يرتبها في الإسلام والإيمان والإحسان والإيقان، كما ذكر ذلك الإمام عبد القادر الجيلالي في كتابه المشهور الفتح الرباني والفيض الرحماني.
وفي مقام اليقين أو الإيقان منازل ومقامات ودرجات أيضا حدّدها بعض العلماء في ثلاث، وهي: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وهناك من زاد نور اليقين.
فعلم اليقين هو علمك بالشيء عقليا وتصورا ذهنيا دون أن تراه، هو علم ومعرفة.
وعين اليقين هو رؤيتك له، هو مشاهدة ومعاينة.
وحق اليقين هو التحقق منه، باللمس أو الذوق أو غيرهما، هو تجربة. هو تحصيل العلم والمشاهدة.
وقد مثَّل ابن القيِّم رحمه الله لهذه المراتب الثلاث بقوله: من أخبرك أنَّ عنده عسلاً وأنت لا تشكُّ في صِدْقه، ثم أراك إياه فازددتَ يقينًا، ثم ذُقتَ منه، فالأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين..
قالوا في اليقين:
قال ابن القيم رحمه الله: (ومنزلة اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد… به تفاضل العلماء وإليه شمر العاملون، وفيه تنافس المتنافسون.)
قال ابن عباد شارح الحكم: (الشك ضيق الصدر عند إحساس النفس بأمر مكروه يصيبها، فإذا ضاق صدره بسبب ذلك أظلم قلبه وأصابه من أجل ذلك الهم والحزن، وطهارته منه إنما تكون بوجود ضده وهو اليقين، فيه يتسع الصدر وينشرح ويزول عنه الحرج والضيق وبقدر احتظاء القلب من نور اليقين يكون انشراح الصدر واتساعه، وعند ذلك يجد القلب الروح والفرح بالله تعالى وبفضله)
وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن مسعود، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال «إِنَّ اللَّهَ تَعالى بِقِسْطِه وَعَدْلِه جَعَلَ الروح والفرح في الرضا واليقين «.
قال الجُنَيْد رحمه الله: (اليقين هو استقرارُ العِلْم الذي لا ينقلِب ولا يُحوَّل ولا يتغيَّر في القلْب.) قال كذلك: (اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب.)
قال ذو النون المصري رحمه الله: (ثلاثة من أعلام يقين اليقين: النَّظرُ إلى الله في كلِّ شيء، والرُّجوع إليه في كلِّ أمر، والاستعانة به في كلِّ حال).
قال العارف بالله أحمد بن عجيبة رحمه الله: “اليقين هو العلم الذي لا يزاحمه وهم ولا يخالطه ريب، ولا يصحبه اضطراب”
قال سفيان الثوري رحمه الله:”اليقين ألا تتهم مولاك في كل ما أصابك “
قال سهل بن عبد الله :”حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله تعالى.”
سبيل اليقين
أهل اليقين هم أهل الإيمان الكامل قال تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ الحجرات، الآية 15.\ .
فإذا استقر هذا اليقين في القلوب امتلأت شوقا إلى الله عز وجل ونورا وإشراقا ومحبة وخوفا فبذلوا بعد ذلك النفس والنفيس، وفي المقابل أسبل عليهم المولى عز وجل رداء الرضا والقبول وأقامهم في مقام الشهود، فشاهدوا الغيب بعين البصيرة وكأنه عالم الشهادة.
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعلم اليقين كما نتعلم الآي من القرآن الكريم وحذرنا من مغبة السقوط في الشك وضعف اليقين، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري والبيهقي﴿ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين﴾، كما أرشدنا المولى عز وجل لإتباع سبيل المؤمنين والكبراء في الدين ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ لقمان، الآية 14.\ وهي قنوات تربوية موصلة، يقول الأستاذ المرشد حفظه الله (الأكابر قنوات موصلة يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله ) . الاحسان 1، ص 104.\
ولعل هذه السنة المباركة الميمونة “سنة الاتباع” اتباع المؤمنين والكبراء في الدين من أهم السبل لتعلم اليقين حتى يتجذر في القلوب ويفعل فعله. يحكي لنا القرآن الكريم ذلك الحوار الشيق بين سيدنا ابراهيم وابنه البار عليهما الصلاة والسلام وكيف تجلت ثمرة الصحبة والتلمذة قال الله عز وجل: ﴿فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ الصافات، الآية 20.\ .
نعم إنه اليقين ثمرة الصحبة المباركة والإيمان الثابت فيما عند الله والصبر على قدره، فثبات قلب الفتى وتجلده وصبره في هذا الوقت الحرج هو اليقين نفسه.
حوار ثاني يرسم لنا صوى هذا اليقين، إنه الصحابي الجليل حارثة بن سراقة، يسأله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (كيف أصبحت يا حارثة؟) قال أصبحت مؤمنا حقا، قال (فانظر ماذا تقول؟ فان لكل قول حقيقة)، قال يارسول الله : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي، وأظمات نهاري، وكأني بعرش ربي عز وجل بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال ﴿الزم عبد نور الله الإيمان في قلبه ﴾.أسد الغابة الجزء الأول ابن الأثير.\
نعم فاليقين روح أعمال القلوب التي هي روح أعمال الجوارح، فبفضل الصحبة المباركة تمكن اليقين من القلب فامتلأ نورا وإشراقا فشاهد ما شاهد وكأنه رأي العين.
وقد روي عن أكثر من واحد من السلف الصالح قوله: (لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا).
قال العارف بالله الشيخ علي العمراني الملقب بالجمال: لا تدرك الحكمة واليقين إلا بصحبة العارفين) وسمي الميلاد الثاني في حياة السالك: ميلاد اليقين إشارة إلى مقام ذروة الإيمان الكامل والاطمئنان بموعود الله وأمره.
فالزم يا أخي صحبة الأخيار على نهج النبي المختار صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا ﴿بأن المرء على دين خليله﴾ حتى يشتد عودك ويكبر يقينك.
سبيل تعلم اليقين:
عن خالد بن معدان رضي الله عنه أن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم قال:
«تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه».
نفهم من الحديث أن اليقين علم يُتعلّم كما القرآن.
وباستقرائنا لآيات القرآن الكريم نجد من الطرق لتعلمه:
التفكر: يقول الله تعالى:(وفي الأرض آيات للموقنين) ويقول كذلك: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرضِ وليكون من الموقنين)
العبادة: يقول الله تعالى:(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) (أي اعبده حتى تحقق درجة الإيقان والاطمئنان الذي هو بعد درجة الإحسان. وقيل: اليقين الموت، جاء عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: (لو كُشف لي الحجاب لأرى ربي ما ازددت يقينا.) قد بلغ بعبادته ربه مقام اليقين الكامل الذي ليس بعده يقين.
الدعاء:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله اليقين، فيقول (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا) ….
عن عون بن خالد رحمه الله قال) وجدت في بعض الكتب: إن آدم عليه السلام ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني بما قسمتَ لي، فأوحى الله عز وجل إليه: يا آدم، إنه حقٌّ علي أن لا يلزم أحد من ذريتك هذا الدعاء إلا أعطيته ما يحب ونجيته مما يكره، ونزعت أمل الدنيا والفقر من بين عينيه وملأت جوفه حكمة)
وعن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(إن الناس لم يؤتوا في هذه الدنيا خيرا من اليقين والعافية، فسلوهما الله عز وجل)
الصحبة:
وعليها مدار تحقيق كل الطرق لتعلّم اليقين، وهذا ما نفهمه من الحديث.
فالتعليم لا بد فيه من معلم، وتعليم اليقين لا بد له من معلم ومرب موقن.
وما دام اليقين من المعاني القلبية فهو يُتشرب من قلب لقلب عن طريق الصحبة والملازمة والمخاللة
أرشدنا المولى عز وجل لإتباع سبيل المؤمنين والكبراء في الدين) واتبع سبيل من أناب إلى (وهي قنوات تربوية موصلة
يقول الأستاذ المرشد رحمه الله (الأكابر قنوات موصلة يجذبك مغناطيسهم إلى حب الله ورسوله)، الصحبة في الله (نقطة البداية وشرط استفتاح السلوك وباب السير وزاد السفر هي المفتاح وكفى)
ولعل هذه السنة المباركة الميمونة «سنة الاتباع» اتباع المؤمنين والكبراء في الدين من أهم السبل لتعلم اليقين حتى يتجذر في القلوب ويفعل فعله.
صور ومشاهد خالدة من اليقين
وهاك أخي القارئ، أختي القارئة هذه المشاهد والدروس الخالدة من اليقين لبعض أنبياء الله صلوات الله عليهم جميعا، والصالحين من خلقه ليكتمل فهمنا لهذا العطاء المولوي. ولا حجر على عطاء الله.
- «ويصنع الفلك»
قال الله عز وجل لسيدنا نوح عليه الصلاة والسلام عندما رفض قومه دعوة الله ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ هود، الآية 37.\ فامتثل نبي الله وشرع في صناعة الفلك فوق الرمال “وكانت البيئة صحراوية” لم يبال رسول الله نوح عليه السلام بسخرية قومه وكان يرد هذا الاستهزاء بيقين ثابت في موعود الله وكان قومه يصيحون ويسخرون: يانوح أصرت نجارا بعد النبوة؟ يا نوح هذه السفينة فأين البحر؟ ومع ذلك يمضي نبي الله نوح عليه لسلام لما أمره به ربه، إنه اليقين قال الله تعالى: ﴿ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ هود، الاية 38.\. نعم كان نوح عليه السلام مطمئنا لما وعده به ربه، ولما اكتمل بناء السفينة وقوم نوح على إصرارهم جاء أمر الله وقدره ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾.القمر، الآية 11.\
- «كلا إن معي ربي سيهدين»
سيدنا موسى عليه السلام عندما أدركه فرعون بجنوده مع العزل والمستضعفين من قومه، العدو من خلفهم يتربص بهم ويريد الفتك بهم والبحر المتلاطم أمامهم، يسد عليهم منافذ الهرب بأمواجه، قال الله عز وجل: ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ قال صاحب الشريعة واليقين صلى الله عليه وسلم ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ الشعراء، الآية 62.\.
ما أحلاها من كلمة! وما أحلاها من عبارة من في الواثق الموقن بوعده الله ونصره فيتنزل النصر سريعا من السميع المجيب القريب سبحانه. فينجي الله موسى ومن معه.
مشهد آخر ودرس آخر من دروس اليقين نعيشه مع سحرة فرعون مشهد رهيب مهيب، يلقي السحرة حبالهم وعصيهم… وينتظرون ماسيفعله موسى، وفرعون هناك في موكبه والناس مجتمعون، يلقي موسى عصاه بأمر من ربه فتتلقف حبال وعصي السحرة وهم ينظرون.. في لحظة واحدة نزل قدر الله عز وجل بأمر كن فيكون في لحظة واحدة انقلب كل شيء في حياة السحرة، وعلموا يقينا أن موسى عليه الصلاة والسلام هو نبي الله حقا، وزالت الغشاوة عن بصائرهم فصدعوا بلغة واحدة: ﴿آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾ الأعراف، الآيتان 120 و121.\، ولما توعدهم فرعون بعقابه الشديد مازا دهم ذلك إلا إيمانا وتصديقا وثباتا على الحق، قال لهم فرعون ﴿لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين﴾ الأعراف، الآية 123.\ ، فكان جوابهم رضي الله عنهم بقلوب مطمئنة وبيقين الصادقين الصابرين المحتسبين ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾ الأعراف، الآية 124.\ ، وقالوا ﴿فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ طه، الآية 72.\ .
- «افعل ما تؤمر»
يحكي لنا القرآن الكريم قصة سيدنا ابراهيم وابنه البار عليهما الصلاة والسلام وكيف تجلت ثمرة الصحبة والتلمذة قال الله عز وجل: ﴿فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾
مشهد إيماني آخر من مدرسة اليقين مع السيدة هاجر رضي الله عنها أم إسماعيل عليه السلام وزوج سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد أسكنها سيدنا إبراهيم بمكان قفر غير ذي زرع ولا ماء مع طفلها الصغير، وعندما تركهما وهم بالرجوع قالت: يا إبراهيم الله أمرك بهذا؟ قال نعم قالت إذن لا يضيعنا، نعم سيدتي إنه اليقين في الله وحده، لحظة تاريخية تجلت فيها قمة الإيمان واليقين فيما عند الله ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ آل عمران، الآية 198.\ .
- «لا تحزن إن الله معنا»
هذا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في هجرته عندما أحاط المشركون بالغار قال الصاحب الوفي أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا فيرد المصحوب المحبوب عليه الصلاة السلام بقلب مطمئن واثق بنصر الله ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ التوبة، الآية 40.\
بأبي أنت وأمي يا سيدي يا رسول الله تعلم أصحابك وتعلمنا اليقين، وأنت إمام الموقنين، في أحرج اللحظات عندما تبلغ الشدة ذروتها وعندما يشتكي بعض الصحابة ويطلبون النصر تقول بل تقسم بلسان الواثق بأمر الله عز وجل ﴿والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون﴾
قصة الخندق التي أراد من خلالها معلمنا صلى الله عليه وسلم أن يلقننا درسا في اليقين والثقة في نصر الله ووعده رغم المحن والإحن.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة، فعرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: “وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم “
وأخذ المعول من سلمان رضي الله عنه فقال (باسم الله) ثم ضربها فقال: مع الضربة الاولى (الله أكبر أعطيتُ مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة من مكاني)
وقال مع الثانية: (الله أكبر أُعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن فأبشروا بالنصر)
وقال مع الثالثة: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة)
فما أحوجنا إلى الاخ المُبشر الذي يغرس في نفوس الناس والنشء بذار الإيمان والثقة بنصر الله، والذي يؤكد للناس مرارًا أن الدائرة للإسلام وأن الله متم نوره وأن الغلبة لدينه والعاقبة لأوليائه والتمكين لجنوده والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.
قال العارف بالله الشيخ علي العمراني: لا تدرك الحكمة واليقين إلا بصحبة العارفين.
فالزم يا أخي صحبة الأخيار على نهج النبي المختار صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا (بأن المرء على دين خليله) حتى يشتد عودك ويكبر يقينك. ó
دور الصحبة في تثبيت اليقين:
إذا لم يكن اليقين مبنيا على أساس إيمان قوي قد تستفزّ المؤمنَ الأحداثُ وتنال من يقينه.
في هذه اللحظة تبرز أهمية الصحبة ودورها في تحصين المؤمن من تأثير الأحداث، وتثبّت يقينه وترسخه على تصور منهاجي واضح يعتبر الأحداثَ مهما كانت عصيبة، هي في حقيقتها تفتل في موعود الله ورسوله، لأن الفاعل الحقيقي فيها هو الله تعالى يجريها بإرادته الكونية لما فيه الخير والصلاح لعباده الصالحين الوارثين.
لكن هذا لا يعني ارتكاب الأخطاء والإخلال بواجب الدعوة والجهاد وترك أسباب النصر والتمكين
يقول الأستاذ المرشد رحمه الله: (إن الفرق بين المؤمن الذي يسمع عن الله ورسوله ويعقل، وبين صم العقلانية الكافرة، أن المؤمن العاقل بقلبه عن الله لا تنفصل في ذهنه ولا في عمله حركة الشرع الإلهي الآمر بالمغالبة والمقاتلة والجهاد والمدافعة لنصر الله عن سماعه بالإيمان والإيقان حديث القدَر المنزَّلَ به الوحي) مقدمات لمستقبل الإسلام، عبد السلام ياسين ص: 28
يعلمنا اليقين ويثبّته في قلوبنا أمور عدة، منها:
الآيات والأحاديث التي تبشرنا بمستقبل الخلافة على منهاج النبوة، وعلى رأسها حديث الخلافة.
بالنظر الى التاريخ من الأعالي، نرى كيف تحقق معظم ما جاء في الآيات الواعدة بالنصر من غيبيات، وما جاء في الأحاديث المبشرة بالخلافة من مراحل وتنبؤات.
فإن كان التاريخ يشهد بالتجربة الواقعية على صدق ما جاء في هذه الآيات والأحاديث، فإنه من غير المنطق أن يدخلنا الشك في عدم حدوث ما تبقى من وعد وبشائر مستقبلية. —نظرات في الفقه والتاريخ. —
لنتأمل كلام الإمام رحمه الله كيف يرسخ اليقين ويثبته في قلوب المؤمنين، يقول: (على المحجة البيضاء نعود إليها إن شاء الله بعدما عَمَّاهَا عنا دخن الفتن. بشرى نضعها نُصب أعيننا برنامجا لإعداد القوة وأملا مشرقاً، بل يقينا ثابتا، بأن مواطئ أقدامنا على رُقعة الواقع تطابق مواقع قدر الله، وتستجيب لنداء الله، وتقتفي أثر رسول الله، وتماثل مسيرة الخلفاء الراشدين بهداية الله. لا إله إلا الله والحمد لله)
نتعلم اليقين بالمثال الحي والقدوة الحسنة من خلال الأحداث التي يعيشها أهلنا في غزة، كيف يقينهم بالله تعالى وبالآخرة وبموعود الله ورسوله بالخلافة يقينا ثابتا كاملا، كرسوا له حياتهم كلها،
فبالرغم من جميع المحاولات من أجل زعزعة يقينهم، إلا أنه ثبتوا وقاوموا فنصرهم الله وأيّدهم.
يقول الأستاذ المرشد رحمه الله
سَـلامٌ على نُــزْلِ الكـــرام أحبَّتي يُوَفُّون في البأساءِ والخوفُ جاثمُ
توعَّــدهمْ بالفَتــكِ جمــعٌ مُجَـمَّـــــع وقالـةُ سوءٍ حـــولهـــمْ تتعــــاظـمُ
فـــزادهُــــــمُ اللهُ اليقــــيـــــنَ كــــرامـــــــــة وَباءَ بِما رجَّــــى عــــدوٌّ وَلائـــمُ الإحسان، ج 1 ص406
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا
اللهم إنا نسألك إيمانا تباشر به قلبوبنا، ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ورضّنا بما قسمتَ لنا
آمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين و الحمد لله رب العالمين.
أهمية اليقين
لليقين آثار تربوية إيمانية عديدة. وأبرز هذه الآثار بإيجاز:
زيادة المعرفة وطمأنينة القلب. قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ البقرة: 260..
جاء في تفسير الآية: (أخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين… وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان) تفسير السعدي
العمل الجاد والإخلاص فيه. فاليقين باعث أساسي على العمل الجاد. (قال لقمان لابنه: يا بني العمل لا يُستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله) – ابن أبي الدنيا، اليقين.
وعن سفيان الثوري قال: (لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا إلى الجنة وهربا من النار) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري
واليقين باعث على الإخلاص. وقد رأينا سابقا أن: ﴿اليقين الإيمان كله﴾ صحَّحه ابن حجر، والمراد: كمال الإيمان وهو الإحسان. والإحسان في الحديث النبوي: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ أخرجه البخاري، عن أبي هريرة.
وهو تعبير عن الإخلاص في أرقى صور العبودية والمراقبة لله تعالى.
الصبر والثبات، والإمامة في الدين. يقول الأستاذ ياسين رحمه الله: (اللب، وهو الصبر مع المؤمنين، والثبات على الحق. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾ السجدة: 24. إشارة إلى أن الخصلة العظمى التي أهلت رسل الله للإمامة هي الصبر. ثم قال جل من قائل ﴿وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ السجدة: 24. فَقُرن بالصبر الثبات على الحق
ويستفاد منه أن اليقين يرادف الثبات على الحق، لأنه يدفع إلى مزيد من الصبر والتحمل.
الاستفادة من القرآن: هدى ورحمة. قال تعالى﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ لقمان: 2-4.
يقول سيد قطب رحمه الله في التفسير: (هؤلاء المحسنون هم الذين يكون الكتاب لهم هدى ورحمة؛ لأنهم بما في قلوبهم من تفتح وشفافية يجدون في صحبة هذا الكتاب راحة وطمأنينة؛ ويتصلون بما في طبيعته من هدى ونور، ويدركون مراميه وأهدافه الحكيمة) . وهذا المعنى، يؤكد ما جاء في الحديث النبوي، عن عبد الله بن جندب رضي الله عنه: (كنَّا معَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ فتيانٌ حزاورةٌ -نَشِطون- فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أن نتعلَّمَ القرآنَ ثمَّ تعلَّمنا القرآنَ فازددنا بِه إيمانًا) أخرجه ابن ماجة، عن عبد الله بن جندب.
الترفع عن متاع الدنيا والتطلع إلى الآخرة. وهو من سمات المحسنين، الذين يعرفون حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة عن يقين كأنه رأي العين. يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير آيات لقمان: 2-4: (اليقين بالآخرة هو الضمان ليقظة القلب البشري، وتطلعه إلى ما عند الله، واستعلائه على أوهاق الأرض، وترفعه على متاع الحياة الدنيا؛ ومراقبة الله في السر والعلن وفي الدقيق والجليل؛ والوصول إلى درجة الإحسان التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”)
ولليقين آثار تربوية إيمانية كثيرة، لا يمكن استقصاؤها في هذه المقالة. يكفي أنه يرتبط بالإحسان، وما ينطوي عليه من صفات إيمانية، كالخشية والخوف والهيبة والتعظيم والرضى والتسليم…
والمؤمن عموما يطمئن إلى قدر الله تعالى، كما يثق بوعد الله تعالى للصابرين. وهذا الإيمان واليقين، يعطيه راحة نفسية، وقوة على الصبر والتحمل، والثبات على الحق، في مواجهة الشدائد.
وهذا ما شهدناه في أهل غزة الصامدين. رأيناهم يثنون على الله تعالى، وهم واثقون في موعوده، رغم ارتقاء الأحبة شهداء، ورغم القصف المكثف، ودمار البيوت والممتلكات، ورغم انعدام الأساسيات، من ماء وغذاء ووقود ودواء.. وقد أدركت شعوب العالم، أن السر في ذلك: قوة الإيمان واليقين، ما دفعهم إلى البحث عن القرآن الكريم، يستلهمون من أهل غزة، تلك القدرة على الصبر والتحمل، والثبات المذهل على الحق.