منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقدمات حول: “مطلب المساواة في الإرث”

مقدمات حول: "مطلب المساواة في الإرث" / عبد الحليم الزبير

1

 

مقدمات حول: “مطلب المساواة في الإرث” / عبد الحليم الزبير

اكتست الدعوات الرامية إلى المساواة الحرفية بين الذكر والأنثى في الميراث، زخما يرقى بها إلى قضية رأي عام، ورغم أن أصول الدعوة تتصل بالدعوة العامة إلى المساواة بين الرجل والمرأة، وتجاوز الفطرة التي فطر الله عليها الناس، الصادحة بأن “ليس الذكر كالأنثى، فإنها لاقت رواجا في الأوساط العلمية، وانتصر لها كثير ممن يتعاطون العلم الشرعي، وأسندها الواقع المرير الذي يسوم الذكر والأنثى -على السواء- في بلادنا سوء العذاب. في واقع كالذي نعيشه تنسي بعض مصائبه مصائب أخرى، يسهل أن ينجر الناس وراء الظواهر وينسون أصل المشكل، يسهل أن يغرقوا في جزئيات المشكل، وهي كثيرة ولا يجدون الوقت لإطالة الأعناق إلى أصل الداء، وأم الخبائث، والظلم، والتمييز بين أفراد المجتمع بغير وجه حق، ومن أخطر مصائب ذلك الداء العضال، أن يغري بعضنا ببعض، حتى تتخيل المرأة أن الرجل هو مصدر كل بلية، ويرى الرجل في المرأة سر شقاوته وحرمانه. على أن أرض الله واسعة، وشرعه أرحب لا يضيق بأحد من خلقه.

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها        ولكن أحلام الرجال تضيق

الآن وقد أصبح موضوع الإرث، أحد الأفخاخ التي تنصب لرجال الدعوة ونسائهم، يخيرون بين التصديق على الظلم الواقع على المرأة بدعوى الاحتياط لأحكام الشرع،، أو يقبلون الاجتهاد مع النص لرفع الظلم؟ فإن انتصروا للرأي الأول، وسموا بالتخلف، وبالأغلال التي يجب أن يتخلص منها المجتمع ليستطيع التقدم. وإن كانوا مع الثاني انتهكت سرائرهم ونعتوا بالفسق والردة ورقة الدين.

ولكي تخف وطأة هذا المثنى الظالم لابد أن يتأنى رجل الدعوة ورجلتها، ليستبينا وجه الحق الذي لبسه الواقع الفظيع بكثير من الباطل. وهذا ما نأمل أن يحصل بوضع مقدمات منهجية تسهم في الإحاطة بتفاصيل الموضوع، فيما يكتب الله من التعرض لتلك التفاصيل.

المقدمة الأولى: إحداث الأحكام بقدر الفجور فجور:

إن الأحكام الشرعية تتنزل على واقع، ولم تكن وظيفة الإسلام أن يصوغ أحكاما لواقع ترك حبله على غاربه، بل الأحكام مقرونة بالعزم الجهادي الذي يغير الله به معاقل الأحكام، ويهيئ الواقع لينزل الحكم المناسب، وإزاء هذه المقدمة لا يخلو باحث الميراث من أحد رجلين، عالم سلم للواقع كما هو، لا تهمه ينابيع الظلم بالقدر الذي يستمتع بكنس بعض الأوحال ليجد له موطئ قدم، في ساحة أصبحت معانقة الأوحال -أوحال الجدل والفضول المعرفي- شرفا لحد ذاتها، وأصبح مع هذه الحالة من يتجه لينابيع النجاسة، يرجو أن يحسم مادتها، ويوقف تدفق الأوحال، حالما، أو عاجزا عن ممارسة التزحلق على الأوحال. أو عالم أغمض عينيه عن واقع الظلم الذي تتعرض له المرأة، بل يؤصل له بأصول شرعية، فهو في جزيرة أمانيه، يرى أن الواقع بخير إذا جلد الرجل زوجته، وحرم ابنته من التعليم، وتزوج بأكثر من زوجة. بين هؤلاء وهؤلاء ينبغي أن يتأنى الباحث، ليدرك أن مسؤوليته لا تتعلق بأن يجد من الأحكام الشرعية ما يجلب به تصفيق الناس. كما لا يألو جهدا في تأمل الأدلة الشرعية، وتقليب النظر لتمييز الثابت منها والمتحرك، بعيدا عن تقليد أحد ما عدا صاحب الشرع.

وخلاصة هذه المقدمة أن علماء الشريعة قد انفلت الواقع من بين أيديهم، فلا ينبغي لهم أن يتكلفوا الأحكام الشرعية لواقع لايد لهم فيه. وإذا كان من الحكمة أن تتغير أحكام الشرع بقدر واقع الناس من حيث الالتزام بالدين، وهو مقتضى قولة “تحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور” فإن ذلك التغيير يمارسه العالم الذي يملك زمام التشريع في بلده ويعرف المنعطف القادم، الذي يراجع فيه حكم اليوم، لا من وقع للظالمين صكوك الجور بشريعة رب العالمين، بحجة مسايرة الواقع. وإذا كان من ظلم واقع على المرأة – وهو حقيقة لا ادعاء – فهو من صنع الواقع الذي يصوغه غير العلماء، الذين تكمم أفواههم، أو يدجنوا في حظائر السلطان، أو يزج بهم في سجونه. ولو أحسن العلماء القول في مسألة الميراث لجعلوها حجة على المستبدين، واتخذوها وسيلة لإيقاظ الأمة بدل إلهائها، والله المستعان.

المقدمة الثانية: أحكام الشرع عامة ومجردة:

من الأخطاء المنهجية، سحب الحالات الاستثنائية على الحكم العام، فمن المعلوم أن كل تشريع محكم، وأحرى الأحكام الشرعية، تشرع للأمة ما يصلح أمر العامة، وهو مفهوم المصلحة العامة، فلا ينبني الحكم الشرعي على قصة وقعت هنا وهناك، إلا أن نتأكد من أن الأوضاع الاجتماعية فعلا تحولت عن الوضع المناسب للتشريع الأول، وهذا لا تأباه الشريعة، إذا ثبت بالاستقراء ممن هو أهله صناعة وأمانة، وهو مما يدعو العلماء إلى تعديل حكم شرعي، بفتح منافذ أخرى يرتفع معها الغبن والضرر، كما نجد في نوازل علماء سوس، في مسألة الكد والسعاية للمرأة التي بذلت مجهودا بدنيا لمراكمة ثروة زوجها، فالأصل ألا تعمل المرأة خارج البيت، فإذا عملت فكل عمل مؤدى عنه شرعا. فالضرر إن كان ضررا معتدا به شرعا، فإنه يزال حسب القاعدة الفقهية، أما إن كان من الأضرار العادية كالحرمان من الإرث في بعض الحالات فهذا لا يدعوا إلى طعن في الحكم الشرعي، وإنما يتوجه النقاش إلى البدائل الأخرى التي أتاحها الشرع، كما في الوصية الواجبة، إذا ثبتت موجبات البحث عن تلك البدائل.

المقدمة الثالثة: أحكام الميراث جزء من الأصول الشرعية لتدبير الأموال بين الناس بما يحقق العدل:

وهذا يفيد أمرين:

– إن المحروم من الميراث لا يمكن أن يكون محروما من حقه في أموال الأمة التي استخلفها الله عليه. وهذا يدفع العلماء لتبصير الناس بمعاقل حقوقهم المالية، وحثهم على استخلاصها، ممن يجعلون المال دولة بينهم،  بدل تمطيط الأحكام الشرعية، بالقدر الذي لا تتحمله.

– إن مبادئ العدل في قسمة الأموال هو الناظم لأحكام الميراث، وهذه المبادئ كثيرة منها: الغنم بالغرم: الذي يقتضي من بين ما يقتضي أن يتحمل الذكور، والعصبة من الأقارب ما لا يتحمله غيرهم، ولا يصار إلى اعتبار المرأة غارمة إلا إذا ثبت أن المسألة مستفحلة بالقدر الذي يفقد الذكر مركزيته في القيام بالأسرة، والذوذ عنها. وهي أمور توجد في الواقع، ولكن نحتاج إلى تنبيهين:

  • الأول: لا توجد إحصائيات دقيقة تفيد بأن المسؤولية تحولت من عاتق الرجل إلى عاتق المرأة كلية أو في غالب الأحوال، أو أن النساء أصبحن والرجال سواسية في تحمل الغرم المادي في ما يتعلق بتكاليف الأسرة. وغاية ما تفيدنا التقارير الاجتماعية، أن هناك كثيرا من النساء يتحملن مسؤوليية البيت، وبعد التأكد من هذه الأرقام التي لا تصل إلى الثلث، سيتبين أن تلك الحالات لن تعالج بتعديل أحكام الإرث، وقد لايوجد إرث أصلا في كثير من الحالات، بل يظل المشكل قائما حتى وإن أخذت المرأة كل الميراث، لأن تلك الظاهرة لها أسباب أخرى.
  • الثاني: من قال بأن هذا المجتمع الذي تعول فيه المرأة نفسها فضلا عن أبويها وزوجها وأولادها، هو المجتمع الذي سعى الإسلام لترسيخه. فإذا علمنا أن هذا المجتمع الذي عادت فيه القوامة للمرأة -بما تعنيه من عنت الكسب الذي لا يوافق خلقها- ليس من صنع الإسلام، فكيف يصح تلفيق الأحكام الشرعية، لمجتمع يحتاج صياغة جديدة على أسس شرعية.

خلاصة:

ليس من شأن أي تشريع رباني أن يكون مصدر شقاء لأحد، ولو ثبت ذلك في أي حكم شرعي فهذا أحد الأدلة على أنه ليس حكما شرعيا، ولكن مفهوم العدل، في مجتمع يحتج فيه المناضلون على التشريع الرباني المحكم يحتاج حديثا طويلا.

تعليق 1
  1. مولاي رشيد يقول

    زادك الله فقها وعلما ونورا. قلت قولا يشفي الصدر ويثلج الفؤاد، ويصيب المحز ويدل على أصل الدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.